الأديان لا ينسخ بعضها بعضًاولكن يكمل بعضها بعضًا(3) - Middle East Transparent


الأديان لا ينسخ بعضها بعضًاولكن يكمل بعضها بعضًا(3)

الأحد 16 آذار (مارس) 2008

في العدد الماضي ذكرنا ستة مبادئ قرآنية تقرر التعددية الدينية وتعايش الأديان بعضها بعضًا، وأن الدين اللاحق لا ينسخ الدين السابق ، فالإسلام لم ينسخ المسيحية، والمسيحية لم تنسخ اليهودية ، ولم يأت دين ينسخ الإسلام ، ولهذا فإن من الممكن للأديان الثلاثة (وغيرها أيضًا) أن تتعايش جنبًا إلى جنب، وفي سلام وتكامل. ونستأنف اليوم بقية المبادئ القرآنية التي تؤكد هذا المعنى:

(7) اعتبار حرية الاعتقاد قضية شخصية لا دخل فيها للنظام العام لأنها لا تعني إلا صاحبها:

• «مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً» (الإسراء: 15).

• «إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» (الزمر: 41).

(8) إن القرآن الكريم لم يحرم أصحاب الأديان الأخرى من رحمة الله وثوابه، ووكل الفصل في الخلافات ما بينهما إلى الله تعالى:

• «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (البقرة: 62).

• « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد» (الحج: 17).

(9) اعترف القرآن بالإنجيل والتوراة ككتب منزلة ، وكان تحفظه الوحيد هو ما تثبته الوقائع التاريخية والقرائن عن وجود اختلافات نتيجة لعدم توثيقها عند نزولها إلا بعد ذلك بسنوات عدة سمحت بالخطأ أو النسيان، وقد حدث هذا في الإسلام بالنسبة للسُنة التي تأخر تدوينها، وكذلك للترجمات المتعددة أو للتوجهات الكنسية، وهي نقطة محسومة تاريخيًا، وهناك عشرات الكتب الخاصة بدراسة الأديان أثبتتها، ولا يعقل أن يوجد في الوصايا العشرة التي اعتبرتها اليهودية والمسيحية ميثاق الفضيلة «إن الرب إلهك إله غيور يفتقد الذنوب في الجيل الرابع من الأبناء»، باستثناء ذلك فقد اعترف القرآن بهذه الكتب وبسلامة أتباعها:

• « إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ» (المائدة: 44).

• «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ» (المائدة: 66).

• « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ » (المائدة: 66).

(10) إن القرآن يجعل العلاقة مع الآخر « غير المسلم » البر والإنصاف:

• «لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ» (الممتحنة: 8ـ9).

بل أننا نجد في سورة التوبة، وهي السورة الوحيدة التي لم تبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، وقد كشفت سريرة المنافقين والكافرين.. الخ، آية تقول «وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ» (التوبة: 6)، وقد استفاد من هذه الآية بعض المسلمين الذين وقعوا في يد فئة من الخوارج الذين يعتبرون أن ارتكاب الذنب كفر ، فسألوهم من أنتم؟ فقال كبيرهم نحن مشركين، استجرنا بكم فأسمعونا كلام الله ثم أبلغونا مأمناً، فأجاروهم وأسمعوهم كلام الله ثم أبلغوهم مأمنهم!!

(11) قبول الجزية من غير المسلمين والنص على حماية الكنائس والرهبان:

كانت وصية الرسول وأبي بكر وعمر للجيوش الإسلامية تشدد على حماية الكنائس ودور العبادة وتحمي القسيسين والرهبان من عدوان الجيش، وتقبل الإسلام أخذ جزية من أهل الكتاب نظير حمايتهم الخارجية، وأن يكون لهم حرية تطبيق ما تنص به شريعتهم، ولو كان الإسلام يأخذ بمبدأ نسخ الإسلام لما عداه لكان يجب أن يكون أول ما يفعله الجيش الإسلامي هو هدم الكنائس وقتل رجال الدين ، ويكون قبول الجزية رشوة ومخالفة.

* * *

يمكن أن تساق على هذا الحديث بعض تحفظات أو شبهات:

الشبهة الأولى أننا ذهبنا إلى انتفاء المؤسسة الدينية في الإسلام، ولكن الواقع يظهر لنا أن «الفقهاء» سيطروا على الفكر الإسلامي وسيروه تبعًا لهم وأنهم في الواقع شكلوا ما يشبه المؤسسة الدينية، ولكن ظهور الفقهاء كان بداعي التخصص وهو ظاهرة اجتماعية، وليس لضرورة دينية، ويظهر الفرق أن الفقهاء تعبير مفتوح غير مغلق، فكل من يحصل جانبًا كبيرًا من العلم بالقرآن أو الحديث أو الفقه يمكن أن يكون فقيهًا، فهو مجال مفتوح ، وليس فيه تراتيب إدارية أو طقوس تحكمه وتغلقه ، وقد كان معظم هؤلاء الفقهاء عباقرة في تخصصاتهم، ولكن تقليدهم وإتباعهم أساء إلى الإسلام، وكان من عوامل تخلفه، وهذا لا يحسب على الإسلام، لأن الإسلام ليس فيه أي نص علي تكوين هيئة معينة لها حقوق ولها سلطة تحليل وتحريم، ويمكن للأفراد التملص منها، بل إن بعض هؤلاء الأئمة نهى أن يُقلده الناس، فالمؤسسة الدينية بمعناها الكامل غير موجودة في الإسلام، ولا يملك الإمام الأكبر أن يحكم على أصغر مسلم، ويمكن لكل واحد أن ينقده إذا كان نقده سليمًا، وهذا بالطبع يختلف عن سلطة الكنيسة التي استحوذت على كل شيء في الدين حتى لم تترك شيئاً للسيد المسيح، ولها قداسة وتملك سلطة التحليل والتحريم والشلح.

نقول إن فلول هذه المجموعة موجودة تحاول أن تفرض آراءها وبحكم هذا الوجود التقليدي لهذه المجموعة استطاع أحد أفرادها أن يقول في جريدة «الدستور» (30/9/2007م ص 14): «الإسلام بس هو اللي صح واللي يقول غير كده.. كافر».

ولكن هؤلاء ليس لهم سلطة أصولية دينية، وهم يحاولون فرض آرائهم بدعوى التخصص.

الشبهة الثانية أن في القرآن بعض آيات توحي بأن الدين الوحيد هو الإسلام ، وهذا يعود إلى أن الإسلام يعتبر أن خصيصة الأديان الرئيسية هي « إسلام الوجه والقلب لله » ، وهو يرى أن هذا قد تحقق في اليهودية والمسيحية وفي أنبيائها ، ومن ثم فإنه يرى أنهم جميعًا « مسلمون » ، وأن إبراهيم « حَنِيفاً مُسْلِماً » وأن إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ كلهم مسلمون ، وهذا فيما نرى هو ما أرادته الآية « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ » (آل عمران: 19).

هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فمن المهم لفهم المضامين والدلالات القرآنية تقصي السياق ، وما سبق الآية المقصودة ، وما تلاها لأن آيات القرآن في كثير من الحالات تكون كموجات البحر لا يمكن فصل موجة عن أخرى ، وقد جاءت آية « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ » (آل عمران: 85) في سياق سجال طويل عن الدين ، لا نرى مناصًا من إيراده على طوله:

• « وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ » (آل عمران: 81ــ88).

من هذا السياق يفهم أن الآية « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ » ، إنما قصد بها مجموعة ارتدت عن الإسلام وكفروا بعد إيمانهم ، وطبيعي أن يكون رد الإسلام على من ارتد عنه أن لا « يُقْبَلَ مِنْهُ » مادام قد ارتد وابتغى آخرًا ، ولا يتأتى أن يكون رفضًا لغير الإسلام من ناحية المبدأ ، لأن الآيات التي توجب التسليم بكل ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل قد سبقتها.. الخ. الأديان لا ينسخ بعضها بعضًاولكن يكمل بعضها بعضًا(2)