باقة غناء.. من أدلة إباحة الموسيقى والغناء!! - Middle East Transparent


باقة غناء.. من أدلة إباحة الموسيقى والغناء!!

الجمعة 22 شباط (فبراير) 2008

العلامة ابن حزم أكد أن كل ما روي من أحاديث تحريم الغناء باطل أو موضوع.

الغناء هو ذلك اللحن الذي يصاحب الألفاظ حين حكايتها بإيقاع مخصوص يوافق في نفس السامع هوىً يجتذب إليه، وباحة يرتع فيها لترويح النفس عن أكدار ومتاعب الحياة وصروفها.. ويصب في قالبه (أي الغناء) شعر الشعراء، وحكم الحكماء، وتنتظم قوافيه ومثانيه في ما عرف عند العرب بـ (الدان)، وهو الغناء العربي الأصيل الذي يوافق الدان وتنتظم فيه الألحان البدوية والشامية والسواحلية والأندلسية وغيرها.. ومنه قول الله تعالى : ((ورتل القرآن ترتيلا)) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من لم يتغن بالقرآن فليس منا)).. وقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سمع أبا موسى الأشعري يقرأ بصوت جميل قال له واصفاً لحن قراءته : ((لقد أوتيت - أي يا أبا موسى - مزماراً من مزامير آل داود)) وهو حديث في الصحيح مشهور.

واللحن الذي أعنيه هنا ليس اللحن المذموم في إعراب كلام العرب من رفع المنصوب أو العكس أو الجر أو الجزم في غير محلهما، ولكنه اللحن المحمود الذي يحدو به اللسان من المنثور والمنظوم في ما يعرف بالقالب الغنائي والموسيقي ذي الإيقاع الفني الراقي الذي يقع من النفس موقعاً لا يوجد عند الجامدين والمتحجرين (!).

وقد اشتهر الغناء عند جواري العرب، وكان الصوت الجميل هو الذي يحدد سعر الجارية في سوق النخاسين.. ووجد محدوداً عند الرجال خاصة حُداة الإبل (بضم الحاء جمع حادي) في السفر والرعي والأشغال الشاقة وحتى أثناء البيوع في الأسواق.. وظل الغناء كالنثر والشعر طيبه حلال وفحشه منكر وحرام (!) ولعل هذا هو الذي قصده الإمام الشافعي - رحمه الله - في كتاب آداب القضاء حين قال : ((إن الغناء لهوٌ مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه)) أ.هـ.

ويقول الدكتور الشيخ / يوسف القرضاوي في (كتابه الحلال والحرام في الإسلام) ص - 273- ما نصه : ((ومن اللهو الذي تستريح إليه النفوس، وتطرب له القلوب، وتنعم به الآذان الغناء، وقد أباحه الإسلام ما لم يشتمل على فحش أو خنا أو تحريض على إثم، ولا بأس بأن تصحبه الموسيقى غير المثيرة)) انتهى كلام الشيخ القرضاوي.. وهو كلام معتدل نظيف خال من تشنج الغيورين الجدد القابعين في أحضان الظلام المعادين للنور والحقيقة والعقل والتحديث!.

وعندما زفت امرأة إلى رجل من الأنصار قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة زوجته: هل أرسلتم مع الفتاة من يغني؟ قالت : لا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الأنصار قوم فيهم غزل (!) فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم، أتيناكم.. فحيّانا وحياكم (!) رواه ابن ماجة وغيره عن ابن عباس - رضي الله عنه - وهو صحيح. وهنا توجيه كريم من صاحب الرسالة الأعظم - صلى الله عليه وسلم - حتى في وضع كلمات للإرشاد والتوجيه عند الحاجة كما لا يخفى على كل ذي بصيرة!

وفي صحيحي البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها - أن أبابكر دخل عليها وعندها جاريتان (في أيام منى من عيد الأضحى) تغنيان وتضربان، والنبي - صلى الله عليه وسلم - متغشّ بثوبه، فانتهرهما أبوبكر، وقال: أمزامير

فكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وجهه وقال: دعهما يا أبا بكر، فإن اليوم عيدنا وفي رواية : ((دعهما، لتعلم يهود (أي اليهود) أن في ديننا فسحة!!

الله أكبر على هذا الفصل النبوي المبارك في هذا الأمر! ولعل استنكار أبي بكر ووصفه غناء الجاريتين بمزامير الشيطان قد يكون إنكارا لرفع الصوت في بيته - صلى الله عليه وسلم - وهو نائم.. وقد قال الله تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)) سورة (الحجرات) آية رقم (2)، أو قد يكون من باب أن بيت النبوة لا يليق أن يحتفي بغناء الجواري في نظر أبي بكر - رضي الله عنه -، فجاء فصل النبي - صلى الله عليه وسلم - واضحاً وجلياً في جواز هذا الغناء وإمضائه بشكل عام، وإجازته في بيت النبوة خلال العيد بشكل خاص!

وأما الأحاديث المحرمة للغناء قال الشيخ القرضاوي: ((كلها مثخنة بالجراح لم يسلم منها حديث من طعن عند فقهاء الحديث وعلمائه)). على أن هذا الأمر قد عقد فيه كثير من المعاصرين بحوثاً علمية تناولوا بالتفصيل تاريخ تحريم الغناء الذي انتصب عوده في عهد ابن تيمية وعلى يديه انتصاراً منه لهواه وأفكاره ضد الصوفية وسماعهم وغنائهم الأمر الذي تولى نصره من بعده أقطاب المدرسة الوهابية السلفية وتولوا مذهب ابن تيمية في كل شيء في الاعتقاد والفقه والحديث والقسوة وتكفير المخالف وعمموه على الأولين والآخرين ونسبوه إلى الصحابة والتابعين وألبسوه سنة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - فصار الموافق لهم من أهل الجنة والرشاد والمخالف لهم من أهل النار والفساد ولا حول ولا قوة إلا برب العباد!! وعودة إلى الموضوع : قال القاضي أبوبكر بن العربي : لم يصح في تحريم الغناء شيء!.. وقال العلامة أبو محمد ابن حزم صاحب التصانيف العظيمة في الفقه والحديث والتفسير : كل ما روي في أحاديث تحريم الغناء باطل أو موضوع!

ومن أجمل ما قاله ابن حزم في الغناء: إن من نوى باستماع الغناء عوناً على معصية الله فهو فاسق.. ومن نوى ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله - عز وجل - وينشط نفسه بذلك على خير فهو مطيع ومحسن، وفعله هذا من الحق.. ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفوٌ عنه كخروج الإنسان إلى بستانه متنزهاً، وقعوده على باب بيته متفرجاً، وصبغه ثوبه زوردياً أو أخضر أو غير ذلك..)) انتهى المراد من كلام ابن حزم!!

وبعد هذا الاستعراض لم يبق مع وطاويط الظلام غير الهوى وعشق التحجر وعداوة الحياة والجمال والمستقبل في كل الأجيال باسم السلفية حيث تعمل جاهدة على إماتة القرآن وإلغائه وتعطيل نصوصه بأحاديث زعمت نسبتها للرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي قال الله عنه في القرآن : ((ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين..)) وعندي بحث واسع سوف أخرجه في تأليف مستقل بعد تمامه إن شاء الله عبارة عن موسوعة كاملة من أحاديث ناقضت أحكاماً واضحة وجلية وآيات في القرآن الكريم!!.. حتى إن الآية من القرآن لا يشفع لها عند هؤلاء إلا حديث يعضدها وإلا فتظل للتلاوة فقط (!). أليسوا هم القائلون في آيات كثيرة ((تبقى تلاوتها ويرفع حكمها)) في أغرب تشريع لا يستقيم إلا في عقول هؤلاء) القائلين أيضاً ((السنة قاضية (أي حاكمة) على القرآن وليس القرآن قاضياً على السنة))!!وهو كلام يستغفر الله منه كل من كان له قلب (عقل) أو ألقى السمع وهو شهيد (!!).. وبعد هذا لا تستغرب إذا علمت أنهم قد أساؤوا إلى القرآن عندما قالوا : لم يصح في فضل العقل شيء!! مع انه قد صح في فضله القرآن الكريم في مواضع عديدة منه، أعظمها قوله تعالى من سورة الملك آية رقم (10) : ((وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)) (!) ولو أنهم قالوا : لم يصح في فضل العقل حديث لربما أصابوا من حيث التعبير، ولكن كل إناء بالذي فيه ينضح.

لقد حارب هؤلاء العلم منذ بزوغه وأنكروا وصول الانسان إلى القمر وكفروا من قال بكروية الأرض ولأحد شيوخهم شعر منظوم في الجغرافيا قال فيه :

وإفريقيا يا عالماً بحالي تحد بالبحر من الشمالي

والارض قالوا إنها كرة وقولهم هذا ما أكفره!!

كما أقاموا الدنيا ولم يقعدوها إلا مؤخراً في تحريم التصوير الشمسي والرسم ولما هزمهم العلم اعترفوا به وكثيرة هي نماذج طروحاتهم المأزومة والتي منها معركتهم اليوم مع الأغاني والموسيقى وسيهزمهم الوقت والتطور قريباً ويصبح حديثهم ضرباً من الهرج الضائع.. والسعي المهدور!!.

* كاتب اسلامي ورجل دين من اليمن