برنارد لويس ... أو أناقة التعبئة "الثقافية التاريخية" - Middle East Transparent


برنارد لويس ... أو أناقة التعبئة "الثقافية التاريخية"

الخميس 26 تموز (يوليو) 2007

برنارد لويس، المؤرخ الاميركي من اصل بريطاني، اصدر مؤخراً كتيّباً بعنوان «الاسلام وأوروبا»، هنا قراءة له:

الموضوع طبعا هو ما يجري الآن على كوكبنا، من حرب «بين الاسلام وأوروبا». حرب، يرى لويس انها تسجّل نهاية عصر وبداية آخر؛ لا يضاهيها في التاريخ الا انهيار الامبرطورية الرومانية او ظهور الاسلام او اكتشاف اميركا... ماذا يريد من هذا الكتيب؟ التقاط «الاتجاهات والصيرورات» الحاضرة، الراهنة، ثم النظر اليها ماضياً، في التاريخ؛ وبعد ذلك «رصد الامكانيات والاختيارات التي ستواجهنا في المستقبل».

اذن «اوروبا والاسلام». الاولى ناقصة والثاني فائض. ما الذي يمكن قوله حول صراعهما هذا؟

التاريخ في ديار الاسلام حاضر لا يغيب، قوي وتعبوي.... مثير للحماسة ولنشوة الانتصار. كل حدث فيه هو صدى مديد للتاريخ. ليس مهماً ان يكون هذا التاريخ «معروفاً» جيداً لدى المسلمين. اذ يقتصر عندهم على ألفاظ بعينها، على مواقع او ابطال ورموز. لكن الدقة العلمية تعوزهم في غالبية الحالات. في الحرب الايرانية - العراقية مثلاً، كانت التعبئتين الايرانية والعراقية تضجّان بالإحالات التاريخية: «لم تكن قصصاً مروية من التاريخ، بل إيحاءات سريعة، احياناً لا اكثر من اسم او ساحة او حدث...». منذ ان اصطدم المسلمون بحكام من غير دينهم، منذ «صدمة» الغرب، وهم يحاولون التحرر منه من طريق التلاعب بكبار متنافسيه. بالأمس كانوا بريطانيين وفرنسيين، ثم اتى الاميركيون والسوفيات. الآن اللعبة انتهت. لم يعد هناك قوى تنافس الغرب. انتهى عهد نابليون-نلسون، وعهد غورباتشوف-ريغن. الآن الغرب لم يعد يحكم العالم الاسلامي. المسلمون صاروا مسؤولين مباشرة عن مصيرهم. هذا ما قاله اسامة بن لادن ببلاغة ووضوح. اننا نأخذ مصيرنا بيدنا!

ثم يتوقف لويس، وقفة لا بد منها، عند رؤية الاسلام الفقهية للحروب. من انها منظمة ومقونَنَة وانها لا تمت الى الارهاب بصِلة. وتاريخ العلاقة الحربية بين الاسلام واوروبا: حروب الغزوات الاسلامية والحروب الصليبية، وغزوات الفرنسيين والبريطانيين... ليقول بأن المسلمين الذين عادوا يفكرون فقهياً باتت تقتصر حربهم ضد الغرب على شكلين من اشكالها: الارهاب والهجرة.

حول الارهاب، يهم برنارد لويس إعادة القول بأن نظام الحرب الاسلامي يحرّم الارهاب، اي قتل ابرياء، ويحرّم الانتحار الذي يقدم عليه الارهابي. فيرسم بورتريه عن الارهابي: انه جاهل بالاسلام، قليل الصبر، غاضب ومقهور. ثم يعود لويس فيعرض لنظام الهجرة الفقهي متابعاً بأن المسلم المهاجر مسكون بها. اذ يلح عليه السؤال وهو في طريقه الى «دار الحرب» كيف يتعامل معه وهو لا يعترف بالشريعة؟ «يريدون تطبيق الشريعة في اوروبا». وأول مبادرة من اجلها فتوى الامام الخميني بهدر دم سلمان رشدي بسبب روايته «الآيات الشيطانية»... وصولاً الى اغتيال تيو فان غوغ، والردود على خطاب البابا او على الرسومات الكاريكاتورية المسيئة للإسلام.

وقد تكون الصفحات التي يروي فيها لويس رحلة البحث عن التسامح من الغرب الى الشرق، ثم من الشرق الى الغرب هي الأكثر تاريخانيةً من صفحات كتيّبه: يقول بأن المسلمين لم يكونوا على مرّ كل عهودهم مصدّرين للقهر والاستبداد. في العصور الاوروبية الوسطى، كانت الكنيسة، اعلى سلطة آنذاك، تنفي وتحرق وتعذب وتفتش في الضمائر. كان المسيحيون واليهود المضطهدون يهربون الى الشرق المسلم طلباً للحرية والامان. اليوم يحصل العكس. الهاربون من البطش والظلم هم الشرقيون. الوضع الآن انقلب. المسيحيون صاغوا مفهوم الفصل بين الديني والزمني، فيما المسلمون لا يعرفون اصلاً هذا المفهوم. وهذه مشكلتهم مع الغرب. مهاجرون كانوا ام مقيمون.

نقطة «قوة» المسلمين عند لويس هي «وعيهم الشديد بهويتهم. يعرفون من هم وماذا يريدون. وهذه صفة ايجابية يبدو أن العديد من الغربيين قد اضاعوها...) وهي نقطة ضعفهم».

نقطة «ضعف» اخرى لدى الغرب. ما يسميه لويس «التزامهم البنّاء»؛ والذي يلخّص بتلك الجملة التي يقولها الغربي لنفسه عندما يقف امام مسلمين: «لنتكلّم معهم. فلنكن معهم ولنرى ما يمكننا ان نفعله». ما ادّى الى ضعف الغرب، الى بيعه الاسلحة لصدام حسين ولنظام ايران الاسلامي، والى اعتذار البابا عن الحروب الصليبية... الى قدرة المسلمين على الابتزاز الدائم. فيورد مثلاً عن اتراك المانيا الذين «يودون ان يأخذوا مكان اليهود كضحايا»... ثم يعرج على اليسار الاوروربي، المعادي لأميركا وللسامية، المتحالف مع «المسلمين» اعتقاداً منه انهم انما صاروا بديلاً عن الجبروت السوفياتي المنهار بوجه تفرّد اميركا وعدوانيتها.

اخيراً الجردة. مقارنة بين قوة الاثنين، اوروبا والاسلام. لدى المسلمين القناعة وحرارة المعتقد المفقودَين في الغرب كله. لديهم الوفاء والانضباط. لديهم الديموغرافيا، اي العدد. اما الغربيون، فلديهم المعرفة والحرية وتراكم اجيال من العلماء والباحثين. وهذه كلها صفات غائبة عن المسلمين «المتأخرين» بشدة. هل هي المسافة؟ هل هي «الهوية»؟ هل هي المهنة؟ هل هي الحاجة الى منظومة ترتب الافكار وتعطيها معان؟ ربما كل هذه معاً جعلت علم برنارد لويس التاريخي بهذه التبسيطية: بين «اسلام» و «أوروبا». وكأنهما كتلتين متراصتين واحدتين. خصوصاً العالم الاسلامي السائر بحسب رؤية لويس، كالساعة المضبوطة بفقه علماء المسلمين... وليست تلك الفوضى الضارية الضاربة في اسس اجتماعهم نفسه.

والنظر هذا أفقد لويس معرفته بالعصر العربي الماضي القريب. حيث كان التسونامي القومي شبه العلماني العالمثالثي... هو الجارف. ولم يكن للفقه آنذاك غير المنابر الدينية. وكان المهاجر العائد من ديار «الحرب» مكلّلاً بالعلم والتحرر والبهجة. فيما المهاجر العائد اليوم فمزنّر بنار هويته ومكتوٍ بها. على عكس ما يورده لنا لويس: فهوية المسلم صاخبة معذبة غير مطمئنة... الارهاب بمواجهة الغرب. وكأن النصيب العربي وحده من الارهاب ليس أعلى من النصيب الاوروبي او الاميركي. كيف يستطيع لويس ان يجد تفسيرا لإرهاب يطاول مدنيين عراقيين يومياً بالعشرات؟ الرقم القياسي في عدد ضحايا الارهاب؟ أم ان ضحايا الارهاب من العرب ارهابيون بدورهم؟ لا يستأهلون فضول المؤرخ ولا معرفته ولا اشكالياته؟

أم ان الموضوع برمته لا علاقة له بالوصف التاريخي بل بالتعبئة التاريخية. بالقول بان هذه الحرب انما هي «حرب الحرية ضد الارهاب». يعيب فيها على الغرب «تراخي هويته». حرب كل مسلم في الدنيا هي حرب ضد اوروبا والغرب؟ وحرب كل منهما ضد المسلم يحب ان تصلّب «هويتهما؟ فيتطابق بذلك خطاب عالم مرموق من علماء الغرب مع النظرة الاصولية الاسمية لنفسها ولهذا الغرب، وللاسلام؟ ولكن بأناقة ومنهجية...؟

dalal_el_bizri@hotmail.com

على صفحة "الشفّاف" الإنكليزية:

Europe and Islam Bernard Lewis