25 ديسمبر 2005

 

 

 

 

"الحرية" والتقدم العلمي في العالم العربي

زكي لطيف

 

كنت ومازلت اعتقد بان الحرية أهم مفردة من مفردات التقدم والتطور العلمي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وما نعانيه في عالمنا العربي ليس سوى الاستبداد في أبشع صوره ومظاهره وآثاره ونتائجه، في يوم من الأيام دخلت مكتبة جامعة الملك سعود في الرياض بالسعودية، شاهدت كتب كثيرة إلا انه يحضر على الطلبة قراءتها لأنها كتبا شيعية!!! في يوم ما دخلت مكتبة شيعية وسئلت عن بعض الكتب فأجابني البائع بان صاحب المكتبة يحضر استيرادها لأنها تخالف قناعاته الخاصة!! انه الاستبداد يحكم عالمنا العربي ويجمد تماما أي تقدم حقيقي وازدهار معرفي فاعل في مجتمعاتنا لذلك غذت مجتمعات تقليدية متخلفة.

 

   الصين دولة شيوعية شمولية إلا أنها تتيح الفرصة لمواطنيها للتقدم في المجالات العلمية والاقتصادية لذلك ازدهرت سريعا وأصبحت رابع اقوي اقتصاد في العالم، الاتحاد السوفييتي السابق رغم كونه دولة بوليسية استبدادية قمعية إلا أنها حققت انجازات علمية لا تنكر، وكل ذلك يرجع إلى كونها إتاحة الفرصة لشعبها ومنحته حرية البحث والتنقيب والاكتشاف العلمي في أبوابه المختلفة والمتعددة.

 

سابقا في الدولة الإسلامية العربية في العهود الأموية والعباسية ازدهرت الترجمة وشاعت علوم الفلسفة الطبيعة والفلك والكيمياء، لان الخلفاء اهتموا بها ومنحوا العلماء والباحثين هامشا لا باس به من الحرية اللازمة للإبداع والرقي وكذلك انشئوا المكتبات ودعموا التجارب العلمية وفتحوا مجالسهم للحوار العلمي البناء.

 

في عالمنا العربي اليوم نعيش المأساة الحقيقية بأبشع صورها!! حيث تحكمنا أنظمة شمولية متخلفة قمعية لا نظير لها في السابق والحاضر، إنها تحارب أي فرد أو حزب أو جماعة أو حركة تسعى للانعتاق من قبضتها، لذلك وفي ظل حالة لا إنسانية تعيشها شعوبنا، انعدمت آفاق البحث العلمي والتقدم الحضاري، حيث تستنزف أموالنا وأراضينا وثرواتنا واقتصادنا من قبل الأنظمة الحاكمة، وتعيش شعوبنا في أسفل الدرك الحضاري والإنساني والمعيشي، وتنعدم بذلك كافة مجالات وفرص الارتقاء والتطور والنمو في بلداننا.

 

 أهل السلطة لا يعنيهم سوى السلطة أما الشعب وتقم الأمة وازدهارها ومستقبلها فليس ذلك من هامش اهتماماتهم على نحو الإطلاق.

 

في السعودية على سبيل المثال تحظر السلطات آلاف العناوين الورقية والمواقع الالكترونية بحجة مخالفتها للقيم الوطنية والدينية!  وفي عالمنا العربي عموما يجمع المعنيون في الشأن الثقافي بأنه لا توجد صناعة نشر حقيقية في الوطن العربي بسبب المعوقات والعراقيل التي تضعها الحكومات العربية لأسباب مختلفة.

 

فلننظر إلى إسرائيل، عدوة العرب والمسلمين، الدولة التي قتلت بدم بارد الآلاف من الأبرياء في فلسطين ولبنان والأردن وسوريا ومصر إلا أنها في نفس الوقت دولة مؤسسات، شعب إسرائيل ينتخب حكومته بكامل قناعته، الحكومة من الشعب، تعمل باسمه وتمثل أراده، وبعد فترة وجيزة يعود رموزها مواطنين عاديين كما كانوا، يا ترى كم رئيس لإسرائيل مر على المواطن العربي منذ نعومة أظفاره ؟ الكثير أليس كذلك؟ بالمقابل يشب الإنسان العربي ويمر بمرحلة الكهولة ثم الشيخوخة وبعد ذلك الوفاة وطويل العمر لم يلفظ أنفاسه بعد!!  

 

   عندما تكون الدولة عبارة عن مؤسسة مدنية تمثل الشعب فان آفاق التقدم والرقي في كافة المجالات ومن ضمنها "البحث العلمي" تبدأ بالظهور العلني لكافة فئات المجتمع لتحتضن المعنيين بالأمر من باحثين ومحققين في العلوم الإنسانية والطبيعية، ليبدأ عهد جديد، انه عصر العلم في ظل الحرية واحترام الذات الإنسانية.

 

يخصص للبحث العلمي في عالمنا العربي اقل من نصف بالمائة من ميزانية الدولة (وهي نسبة افتراضية، أظنها صفر بالمائة، على الأقل في بعض البلدان) بينما في إسرائيل يخصص 2 بالمائة من الميزانية العامة، هذا فقط من الموازنة العامة عدا القطاع الخاص الذي يعمل بحرية واسعة في ظل قانون مرن وواضح وموضوع على أسس داعمة لحرية البحث العلمي في مختلف ضروبه واهتماماته.

 

في أمريكا يصنع الناس هناك طائراتهم الخاصة في بيوتهم ثم يحلقون بها في السماء، بينما يحرم علينا نحن الشعوب العربية المغلوبة على أمرها من ابسط حقوقها الإنسانية كحق التعبير عن الرأي والفكر والضمير، فكيف نأمل في بلادنا أن تحظى بالتقدم العلمي؟ فلننظر للمفارقة العظيمة بيننا وبين الشعوب المتقدمة لتكتشف الحقيقة المرة في زمننا الأمر!!

zakilateef@maktoob.com

 

للتعليق على هذا الموضوع