Middle East Transparent

14 يوليو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

100 مليون عربي أمّي حالياً

الأمية ... ازمة التنمية والديمقراطية في العالم العربي

مقابلة مع زاهي عازار

 

كثر الحديث مؤخراً عن الأمية ودورها في تأخير عملية التنمية وانعكاس ذلك على تطور الديمقراطية في الوطن العربي. وتفاوتت التقارير عن حجم الأمية بتفاوت مقاييس تحديدها، وخلوص الأنظمة الى نتائج مموهة حول حملات مكافحة الأمية ونتائجها.

للإجابة على هذه الأسئلة الكبيرة والتي تشكل قيداً على التنمية والحوار والديمقراطية أجرينا هذا الحوار مع الأستاذ زاهي عازار، الخبير في التنمية، والأمين العام لـ"المشروع المسكوني للتربية الشعبية" الذي يعمل على مكافحة الامية والتنمية في 7 دول عربية.

 

1-    ما هي مقاييس تحديد الأمية وكيف تطورت؟

عازار: شهد مفهوم محو الأمية تطوراً كبيراً خصوصاً منذ بدء الاهتمام بالتنمية في أواسط القرن العشرين وصولاً الى وقتنا الراهن. وقد بذلت منظمات دولية عدة مثل اليونسكو واليونيسف مجهوداً كبيراً في هذا المجال. وتعرّض مفهوم محو الأمية الى تغيرات تناولت جوانبه بشكل جزئي، الى أن وجدت مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي معاييرَ كمية (أساسًا) لاحتساب الأمية لتواجه بها دول العالم الثالث من خلال أرقام، حتى لو سلمنا جدلاً انها حقيقية، فهي غير كافية فعلاً لتحديد الأمية. اذ تم تحديد مفهوم محو الأمية تحت ضغط عناصر الكم، وتم إفراغه "نوعياً" من العناصر الاساسية، مما دفع بعض الحكومات المحلية مثلاً للتوصل لتحديد نسبة الأمية بأن يجري احتساب عدد الطلاب في المدارس من مجمل العدد المُفترض التحاقه بها، ومن ثم يعتمد على هذه العملية الحسابية للوصول الى النتائج المرجوة.

 

دائماً كانت معركتنا نقدُ كل هذا التوجه الكمي اولاً، والتأكيد على ضرورة إنخراط المفهوم ضمن الرؤية العامة والعملية التربوية الشاملة في كل بلد من البلدان المعنية.

 

وتتجه معركتنا لتجديد مفهوم محو الأمية نحو ضرورة ادخال كافة الأبعاد الإنسانية، التطورية والحضارية في عملية احتساب الأمية. بمعنى آخر، بناءُ مفهوم حقيقي لمحو الأمية يساهم في تنمية المجتمعات العربية ويُبعدها عن الاستخدام السياسي الضيق لهذا المفهوم. ويعني ذلك التزاماً إنسانياً وتنموياً عميقاً اولاً بقضية الامية. إنها عملية بناء مستمرة ومستدامة. وهنا يبرز دور المجتمع المدني ليساهم في هذا المجهود لنوازن بين الكمي وبين النوعي، بين النسب الجافة وبين الحقائق الإنسانية المعقدة. ونحن بصدد التوصل الى تفسير شبه كامل "للأمية المقنّعة" وهو تفسير أوسع وواقعي للأمّية يبعدها عن اللا قرائية واللا كتابية.

 

الأمّية المقنّعة

"الأمية المقنعة" هي الأخطر كونها الأوسع انتشاراً وتزداد إطراداً وبأشكال متعددة. ويساهم الإعلام الطاغي حالياً بحسناته وبإيصال لغة تصل للمستمع والرائي لتساهم في تعميق الأمية المقنعة.. وتشكل هذه الظاهرة عنصراً رئيساً في عملنا لتحديد حي لمفهوم الأمية خاصة أن برامج الأمم المتحدة للتنمية تصف العالم العربي بالاضعف حاليًا في موضوع مكافحة الامية مقارنة مع الكتل الحضارية الأخرى في العالم. (ملاحظة: الأمّي "المقنّع" ليس الإنسان الذي لا يقرأ ويكتب، بل الإنسان الذي لا يملك معرفة كافية لتعبئة أوراق المعاملات، الرسمية أو الخاصة، التي تتعلّق بحياته بنفسه. فيضطرّ للجوء إلى شخص آخر لفهم المطلوب ولتعبئة أوراق المعاملات نيابةً عنه. وهذا الفارق "البسيط" في تعريف الأمّية يرفع عدد الأميين العرب من 70 إلى 100 مليون عربي، أي حوالي 45 بالمئة من سكان العالم العربي.)

 

ويشهد العالم العربي سنوياً لعبة أرقام ونسب تحاول الحكومات من خلالها الإيحاء للقيمين على التنمية كالدول الكبرى والمنظمات الدولية بانها تخفض سنويًا نسبة الأمية وأن برامج الحكومات المحلية تستحق، بالتالي، طلب المزيد من المساعدات المالية للتنمية. أما البحث في مفاهيم محو الأمية وتطورها فهي من الأمور التي لا تشغل بال الحكومات العربية، وحتى معظم مؤسسات المجتمع المدني، لكن لا بد من الإشارة الى أقلية تسعى لبلورة وتحديد مفاهيم محو الأمية بتعاملها مع الحقائق الأساسية في المجتمعات العربية.

 

2- برأيك ما هو حجم الأمية في العالم لعربي؟

عازار: لا شك، تمثل الأمية في العالم العربي أسوأ ظاهرة اجتماعية، نقول ذلك لا لنثبت أن الحكومات لا تعمل على مكافحتها، ولكن لنعترف أن التنمية المرتبطة بخارطة الأمية في العالم العربي شهدت فشلاً ذريعاً وكان هو القاعدة، اما النجاح في بعض الأحيان كان الاستثناء.

 

وحتى نصل الى إجابة صحيحة حول حجم الأمية، نقول إن حجمها مرتبط بمفهوم الأمية المعتمد والمقاييس المستخدمة ومؤشرات النجاح.

 

في دراسة لليونيسف صدرت مؤخراً واعتمَدَت مقاييس تقليدية، وارتكزت الى أرقام قدّمتها الحكومات، بلغ تعدادُ الأميين سبعين مليون عربي. بعد اطلاعنا على هذه الدراسة ونقدنا لها بالاعتماد على مفهومنا للأمية و"للأمية المقنعة" وكذلك على ظاهرة الإرتداد اليها، وعلى التقييم الإنساني لقدرات الإنسان العربي، فإن عدد الأميين يتجاوز اليوم المئة مليون في مختلف الدول العربية. وأعتقد أن هذا الرقم لا يعبر عن كامل الحقيقة الاجتماعية. ولا يجب أن نبدي دهشتنا إزاءه، بل علينا تفهم هذا الواقع الخطير، ونسعى مع مؤسسات المجتمع المدني لممارسة الضغوط على الحكومات العربية والمنظمات الدولية للعمل على تغيير هذا الواقع، من خلال البدء بقراءته بصورة موضوعية لان ذلك هو شرط أساسي لفهم ومعالجة ظاهرة الأمية التي تكبح كل إرادة التطور وهي عائق أساس أمام مسيرة التنمية والديمقراطية.

 

3- لماذا تُسيَّس نتائج محو الأمية في تقارير الحكومات المحلية؟

عازار: للأسف. يتجه المنحى الاجتماعي للحكومات العربية باتجاه الرضوخ لشروط المنظمات الدولية وحكومات الدول المعنية بالتنمية، حتى لو اضطر الأمر لِلَوي عنق الوقائع وتحريف النتائج للحصول على دعمٍ مالي لخطط تنموية. مثلاً يشترط بعضهم لتمويل المشاريع التنموية خفضاً معينًا لنسبة الأمية في المجتمع. فيصبح من غير المهم خفض هذه النسبة فعلياً على الأرض بمقدار ما يجب التوصل الى أرقام مقبولة تتضمنها التقارير الرسمية لإرضاء الممولين. وبما أن دول العالم الثالث معنية بالتنمية فإن قضية الأمية ومعالجتها أساسية في كافة الخطط التنموية والمفروض على كل قيّمين على خطة تنموية ان يضعوا ضمنها مشروعًا لمكافحة الأمية كشرط لنيل التمويل اللازم من مصادره.

 

لذلك تقترح الأجهزة المعنية دومًا خططًا لمكافحة الأمية، لكنها تبوء بالفشل. وللأسف لا أحد من الحكومات العربية يعترف بهذا الفشل. إذا كان تعداد الأميين اليوم يتجاوز المئة مليون، فكيف تجرؤ الحكومات على إقناع الممولين أنها تكافح الأمية منذ عشرات السنين وتسجل نقاط الانتصار عليها؟ لذا يسود "تسييس" تقارير مكافحة الأمية بهدف الحصول على المساعدات المالية لدعم العملية التنموية.

 

4- ما هي نسبة الأمية في وسط النساء وما هي تأثيراتها الاجتماعية؟

عازار: تبلغ نسبة الأمية في وسط النساء العربيات نحو 80 %، والسبب الرئيس أن الأمية غالبًا ما تنبع في إطار عملية تهميش المرأة في حياة المجتمع وفي المدرسة، ويتم ذلك أحياناً بإسم الدين وأحياناً أخرى بإسم العادات والتقاليد.

 

وفي كثير من الأحيان يعارض الرجل خروج المرأة العربية من حالة الأمية الى آفاق معرفية تهدد توازنات قديمة اعتادوا عليها داخل العائلة والمجتمع المحلي. إن تحرير المرأة في العالم العربي يمر حُكماً بممر إخراج المرأة من أميتها الى رحاب المعرفة والفعل الاجتماعي. وإذا تطورنا في التحليل نجد أن قضية محو أمية المرأة شرط اساس في إطلاق العملية التنموية بكافة أبعادها ونقلها من حيز النهوض الاقتصادي الى حالة من النهوض الاجتماعي والسياسي وبناء الديمقراطية. إن محو أمية المرأة هو كذلك إطلاق لمسيرة الديمقراطية في المجتمع كونها ركناً اساسياً في الصيرورة التي يجب أن تواكب المجتمع في مسيرة تحرره بشكل عام.

 

واللافت للنظر أن خطط النهوض الاقتصادي غالباً ما تُوضَع بمنأى عن قضية تحرر المرأة، مما يحد من هذا النهوض ويجعله هامشياً لأنه لا يندرج ضمن عملية نهوض مجتمعي شامل تكون قضية المرأة حجر الزاوية فيها، مما يعطي العملية التنموية كل ابعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتطورية، كما تعطيها القدرة على الاستمرار وتجديد وتصويب المسار ضمن أي مجتمع محلي. هنا ايضاً تبدو عملية محو أمية المرأة شرطاً أساسياً في عملية نمو وبناء مجتمع عربي سليم.

 

5-     كيف تؤثر حالة الأمية وتعيق مسار الديمقراطية في المجتمعات المحلية العربية؟

عازار: كثر الحديث مؤخراً عن الديمقراطية وضرورتها ويأتي هذا الحديث من الخارج ومن الداخل. إنها على كل لسان، وهي الحلم الكبير الذي يراود مخيلة الجميع. لكن الديمقراطية هي مسؤولية مسار وليست شعاراً بات يرخص في كل مكان.

 

إن حالة الأمية السائدة في البلاد العربية وبنسبة مذهلة، هي عائق أساس أمام الديمقراطية. إن الأمية التي تقارب نصف سكان العالم العربي، تعني أن نصف السكان بعيدون عن القرار وليس لديهم الأهلية اللازمة لمسك زمام أمورهم ومستقبلهم بأيديهم. وحينما يزداد الحديث عن "المشاركة" كحد أدنى في العملية الديمقراطية، فإن ذلك يعني حكماً تزايد الكلام عن التلاعب السهل بمصير شرائح واسعة من الناس، تحت شعار ضرورة مشاركتهم في الحياة السياسية.

 

إن معظم الأميين ليسوا مهمّشين اجتماعياً فقط بل اقتصادياً أيضاً، كون العملية الاقتصادية في غالب الأحيان تتم ضمن الاقتصاد الموازي وليس الاقتصاد الرسمي المعروف، لذلك فهم مهمشون اجتماعياً أولاً، واقتصادياً ثانياً، وسياسياً ثالثاً. فأية ديمقراطية يمكن أن تقوم بما تعنيه من حكم الشعب للشعب ضمن هذه المعطيات.

 

من جهة أخرى فإن حالة الأمية في العالم العربي تسهّل حكم الأنظمة الديكتاتورية، وتشكل قاعدة الاستبداد السياسي، الاقتصادي والاجتماعي. لأن هذه الشرائح الواسعة غالباً ما تكون عاجزة عن رد الفعل المنطقي أولاً، والمبادرة الصلبة ثانياً من أجل المشاركة في توجيه حياتها ومستقبلها. إن مكافحة الأمية تعني أولاً بناء ديمقراطية في مجتمعات أنهكها الاستبداد الداخلي والسيطرة الخارجية وأثّرت على أكثر من نصف المجتمع العربي العولمةُ بحسناتها وسيئاتها.

 

ولا تشكل حالة الأمية عائقاً أمام الديمقراطية فقط، بل إن كل حالات التهميش جعلت هذه المجتمعات تنحو الى القبول والتفاعل مع الأصوليات الدينية وغيرها، التي تدعو الى نبذ الحداثة التي تجلب مزيداً من الفقر والأمية والى ترسيخ فكرة ضرورة العودة الى عالم قديم كان يسود فيه العدل والبحبوحة والتآلف الديني والروحي حسب رأيهم.

 

إن الأمية ليست السبب المباشر والوحيد لنمو الأصولية، لكنها تشكل مساحة تقبل بهذه التوجهات الأصولية التي غالباً ما ترفض الديمقراطية بصفتها محسوبة على غربٍ وجبت محاربته لأنه يمثل مظهرَ الظلم والسيطرة، وليس لأن الديمقراطية صعبة الصيرورة. مما يجعل علاقة هذه المجتمعات مع الحداثة والديمقراطية وبعض القيم الأساسية الأخرى علاقة ساقطة لاعتبارها في نظر الأصوليين مجرد ألاعيب للسيطرة الغربية على مقدرات الشعوب.

 

لذلك فإن مكافحة الأمية في العالم العربي اليوم ليست شرطاً أساسياً من أجل تنمية سليمة فقط، بل هي شرط أساس لبناء مجتمع ديمقراطي سليم يمكّن أكثر من نصف المجتمع من اكتساب المعارف اللغوية والعلمية الحديثة. لأن الشراكة في بناء الديمقراطية هي اللبنة الأولى في بناء الصرح الديمقراطي الذي يحلم به المجتمع العربي.

 

6- وماذا عن الأمية في لبنان؟

عازار: يقولون أن لبنان بلد الإشعاع والنور، نضع هذا القول ضمن "النسبية" الضرورية لقراءة الواقع التربوي والمعرفي في لبنان. ورغم أن لبنان ما زال في طليعة الدول العربية ونسبة الأمية فيه هي الأدنى، ليس ضمن حسابات وأرقام الحكومات وإنما واقعياً ضمن معطيات اجتماعية وتقديرات علمية مقبولة.

 

13.5 % هي النسبة الرسمية للأمية في لبنان حسب تقارير وزارة الشؤون الاجتماعية فيه. وهو رقم متدنٍ جداً مقارنة الى نِسَب المغرب العربي (60 %)، ومصر (65 %) واليمن (70%) الخ..

 

حسب مفهومنا للأمية، فإننا نقدر نسبة الأميين الفعلية نحو 23 % أي يقارب عدد الأميين المليون شخصاً في لبنان اليوم بعيداً عن المقارنات مع البلدان الأخرى يبقى هذا الرقم هو كبير جداً لبلد "الإشعاع والنور".

إن المتغيرات، وحدّة الصراعات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة أثّرت حكماً بالوضع التربوي والثقافي. والى جانب الأمية هناك الأمية المقنعة وفصل الثقافة عن العلم وانهيار المستوى التعليمي لبعض المدارس الرسمية والخاصة وانهيار اتقان اللغة العربية بشكل عام. إن هذه القراءة لحالة الأمية في لبنان تحفزنا الى الانطلاق لورشة إصلاح موضوعية وعلمية تعيد الى لبنان مجده الثقافي، اللغوي والفكري. وتعيد دوره التاريخي في العالم العربي. كما أن للمثقفين دوراً رئيساً في إعادة إحياء الشخصية الثقافية والحضارية من مدخل مكافحة الأمية بكافة أشكالها، ونزع أقنعتها، والاستفادة من مزايا العولمة باعتبارها "فرصة" يمكن استعمال عناصرها الإيجابية في عملية الإحياء التي لا تقتصر على الجانب الثقافي فقط بل تطال الجوانب الاقتصادية، الاجتماعية، الحضارية، والقيمية ليعود العرب الى خارطة العالم بكل أنواع مساهماتهم وعبر بوابات العولمة.

أجرى الحوار : وفيق الهواري

12/7/2004

 

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع