11 مايو 2005

 

الممارسة المدنية: حكاية مدينة ومشغل ثقافي

ياسر اسكيف*

 

 

بمثابة تحيّة إلى من يتحرّشون بالمستقبل متّخذين من المشغل الثقافي في جمعية عاديات جبلة مقرّاً للتربص والغواية.

 

مقاربات في الوصف

جبلة : بلدة متوسطيّة في محافظة اللاذقية سوريا

جبلة : مدرّج روماني صالح للاستخدام / كورنيش بحري يمتد لعدّة كيلومترات / جوامع كثيرة أشهرها جامع السلطان إبراهيم / ألف مستمع أو يزيد مجتمعون في حديقة على الكورنيش ليستمعوا إلى ( تحية إلى نصري شمس الدين ) الحفلة الغنائية التي قدّمتها فرقة ( البيت العربي للموسيقى ) ضمن فعاليات مهرجان جبلة الثقافي الأول 2004 / قاعة المركز الثقافي دون كرسي شاغر في أمسيات شعريّة ل ( عباس بيضون قاسم حداد نزيه أبو عفش اسكندر حبش هالا محمد منذر مصري محمد مظلوم الخ...

 

جبلة : نديم محمد / كمال خيربك / أدونيس / نبيل سليمان / وديع اسمندر / حسن م يوسف / عماد جنيدي / جمانة طه / ملك حاج عبيد / أنيسة عبود / هاشم صالح / حسن صقر/ حسن أحمد/ محمد عضيمة/ وفيق خنسة/ سمر يزبك/ سليم عبود/ هنادي زرقة/ حسين عجيب/ أسامة اسبر/ فرات اسبر/ نبيل صالح /عهد فاضل/ ناظم مهنا /عيسى إسماعيل/حسين عبد الكريم/ رنا علي/ نضال جديد/ علي عثمان/ مفيد خنسة/ حافظ أحمد شنبرتي /عبد الكريم شعبان/ أيمن معروف / أحمد داؤود / فارس حاج جمعة / أحمد اسكندر سليمان / أكثم عبد الحميد / بول صابور / زهير خيربك / فهمي خيربك / ياسر اسكيف.......

 

سيرة مكتملة لكائن النقص

بدأ المشغل الثقافي كمحترف للقصّة القصيرة. ويقصد بالاحتراف هنا، التدرب على امتلاك عادة القراءة وتشكيل موقف نقدي. إنّه ببساطة نوع من إعادة التأهيل للذائقة. واتّسعت بعدها دائرة الاهتمام لتطال الرواية والشعر والمقالة والكتاب الفكري.

 

كان احتكاكي الأوّل مع هذا المشغل عبر دراسة بعنوان ( إعادة إنتاج التخلّف نزار قبّاني نموذجاً ) وكانت غايتي أن أقدّمها كمحاضرة ضمن البرنامج الثقافي المستمر الذي ترعاه جمعيّة عاديات جبلة والذي يعتبر واحداً من أبرز نشاطاتها.

لكنّ أسباباً لا أستطيع التكهن بها جعلت من اعتلائي المنبر كمحاضر أمراً غير ممكن ( لو حدث لكانت المرّة الأولى في حياتي ) فالدراسة تطرح شكاً صريحاً في الذائقة الجمعيّة وآليات تلقيها، الأمر الذي قد يسبب مشكلة في حال إلقائها. غير أن النزعة الإنسانية العالية للأستاذ ( جهاد جديد ) رئيس الجمعيّة، وقدرته الفائقة على التجاور مع الآخر تركت باب الحلم مفتوحاً أمام تحوّل هذه الدراسة إلى محاضرة ولكن عليها المرور من باب أقلّ اتّساعاً كمرحلة أولى، وكان نقاشها في المشغل الثقافي، حيث اشترك في النقاش ممن أذكرهم، مع حفظ الألقاب : جهاد جديد علي عمران ملك حاج عبيد فائز عطّاف حسن جنيدي احمد اسكندر سليمان حامد سليم ايراهيم سعيد.....

شكّلت قراءتي للدراسة مجزرة لغوية، وكان أغلب الحاضرين من مدرّسي اللغة العربية. وأثبتّ في تلك الجولة بأنّني محاضر من الطراز السيئ، بل السيئ جداً، أسرع إذ يكون التمهل هو المطلوب، أتوقف أحياناً في منتصف الجملة دون مبرّر، ودونه أجمع ثلاث أو أربع جمل دون توقّف، والأشد فتكا من هذا رحت أرفع المنصوب وأجر المرفوع كأنّني مذيع في التلفزيون أو مسؤول يلقي خطبة.

لن أحاضر إذاً. ولا أعتقد بأن أحداً يحتاج إلى ذلك.

الجديّة، والسوية العالية التي ميّزت النقاش كشفت لي عن جانب خفي من الحياة في هذه المدينة التي لا يزيد عدد سكانها عن المئة ألف. هذه المدينة التي كنت أنسجها كفناً.

وكان أن بدأت التدرّب على حياة مدنية عبر ممارسة مدنية.

 

الظنّ إذ يتداعى

ظننتني على الدوام ديموقراطياً من الطراز الأوّل، وأكّدت نفسي لنفسي هذا الأمر مراراً، وعلى هذا الوهم عشت طويلاً. كانت المسألة أنّني من يحاكم ادعائي ومن يمنحه المصداقيّة. وفي الحوار على امتداد اللقاءات، وتنوّع المواضيع اكتشفت أن الحوار لم يعن لي سابقاً سوى نوعاً من القبول : قبول الآخر خاضعا ً أو قبول الخضوع له. يستثنى من ذلك حالات شديدة الخصوصيّة.

- كيف لي أن أمسك نفسي عن الاشتباك مع أحدهم إذ يصفني بالغباء لمجرّد أنّني لم أوافقه الرأي على أن (كارمينا بورانا) ليست من التراث اليوناني؟؟؟؟؟؟؟

- وكيف لي أن أبتسم، أن لا أحتجّ بصوت عال حينما يقوّلني أحدهم ما لم أقله ويحاسبني على ما قوّلني إيّاه. ؟؟؟؟؟؟؟؟

- وكيف لي أن أقدّم نقدا ً يحترم العمل الذي بين يدي دون أن أبدو فظّاً وقاسياً، ما دامت الغالبية من الكتّاب يعتقدون بكمال أعمالهم ومكانتها الهامّة في علم الأدب والفكر. ؟؟؟؟

- وكيف لي أن أغيّر نبرة الصوت (التي هي بعد نفسي خلقي) كي لا أبدو مستفزّاً وجاهزاً للشجار. ؟؟؟؟؟؟

- وكيف لي أن أسمع شتيمتي معتبراً أنها مجرّد وجهة نظر، رأي ليس إلا. ؟؟؟؟؟؟

- وكيف لي أن أقول لقاصّ بأنه أخطأ تقنياً حينما أوقع بطل قصّته من الطابق السابع أو التاسع لبناء يصفه بأنه يتألف من ثلاث طوابق فقط، دون أن يتهمني هذا القاص بالجهل الفني، ويتّهمني غيره بأنّني أنصّب نفسي وصياً على القاص وأعلمه كيف يكتب. ؟؟؟؟؟

- وكيف لي أن أقول لشاعر بأن نصّه خال من أيّة إلتماعة دون أن يضعني على اللائحة السوداء أو ( سكّة حلب ) ؟؟؟؟؟؟؟

- وكيف لي أن أطالب بوقتي ( حصّتي من الكلام ) حينما يأكله الآخرون، دون أن أبدوا في نظرهم استبدادياً لا أسمح لأحد بالكلام. ؟؟؟؟؟

- وكيف لي أن أقدّم قراءة انطباعية لعمل أدبي على درجة عالية في سلّم القيمة الإبداعية كي لا أتّهم بالاستعراض ونفش الريش.

- وكيف لي أن أرتكب أخطائي وأدلّلها في الارتكاب دون تذمّر الآخرين ومحاولة محوي، ودون كابوس محاكم التفتيش ولمعان أنصال المقاصل. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

- باختصار شديد : كيف لي أن أكون ذاتي دون إلغاء لأحد ودونه من قبل أحد. ؟؟؟؟؟؟؟

 

هذه الهواجس والتساؤلات كانت أوجاعي كلّما انفضّ لقاء جمعنا في المشغل الثقافي. هواجس وتساؤلات بدأت بالتضاؤل التدريجي تحت ضغط الحاجة للاجتماع والحوار, بل التجاور والحوار، تلك الحاجة التي حسمت أمري على أنها الأهم والأجدر بالتلبية.

لا يمكنني القول بأنها لم تعد هواجسي حتى اليوم، وبعد كلّ حوار. لكنّها أصبحت تمضي بقليل من الألم، القليل الذي ينبيء بأنّه قد يزول، والذي ينبيء أيضاً بأنّني قد أجيد الممارسة المدنية.

 

yaser1960@wearab.net

* سوريا

 

للتعليق على هذا الموضوع