8 نوفمبر 2005

 

 

 

بين رياض الترك وغورباتشيف

وليد مبيض

 

قدم شيخ المعارضة السورية الأستاذ رياض الترك مبادرة جريئة لمواجهة المخاطر التي تواجه سوريا، لكنني أظن أنه لا يوجد لها أساسات في الواقع السياسي السوري المعاش. فنظام شمولي لا يرضى أن يتخلى عن السلطة لمجرد وجود احتمال تكرار المشهد العراقي، خاصة أنه ليس الاحتمال الوحيد، فهناك احتمالات كثيرة يمكن بواسطتها الاستمرار في الحكم لأطول فترة ممكنة. فلا ننسى أن الغرب لم يطرح بشكل قوي قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية حتى الآن، والحديث كله يدور على القضايا الإقليمية، وهذه يمكن حلها عبر صفقات أو تنازلات لا ترقى إلى تغيير ديمقراطي أو لنهاية النظام الشمولي.

 

وحتى يومنا هذا فإن التاريخ يعلمنا أن النظام الشمولي لا يتغير إلا بأحد احتمالين:

ـ إذا قام رأس هرمه بإجراء إصلاحات كما فعل غورباتشيف حين طرح مشروع البرويسترويكا، والتي فتحت الباب لولوج الديمقراطية واقتصاد السوق ليس في روسيا وحسب وإنما في كل ما كان يسمى بالمنظومة الاشتراكية، والنتائج التي تمخضت عنها تلك الإصلاحات لم تكن كارثية كما يدعي الستالينيون. فتفكك الاتحاد السوفييتي كان إيجابياً لجهة تحرر الشعوب من الهيمنة الاستعمارية الروسية التي حكمت تلك البلاد منذ العهد القيصري وحتى نهاية النظام الاشتراكي. واقتصاد السوق أعطى للعملة الروسية قيمتها الفعلية، وليس كما كان يجري من تداول خفي في السوق السوداء. أما المتضرّرون كالمتقاعدين فهذه أمور كان يمكن تجنبها لو اتبعت سياسة تدرجية تعطي للضمانات الاجتماعية أهميتها الفائقة التي وصلت إليها الأنظمة الاقتصادية الغربية. كما أن التغيير جاء سلمياً ولم يؤد إلى حرب أهلية داخلية رغم تعدد القوميات والأديان في دولة روسيا الاتحادية. وما تشهده اليوم من أعمال إرهابية ليس سببه الإصلاحات الديمقراطية، وإنما تاريخ من التعسف الروسي المديد، ولا يمكن مواجهتها إلا بإعطاء مزيد من الحقوق القومية والديمقراطية.

 

وهذا احتمال وارد في سورية ولو أنه ضعيف. فالرئاسة لها هيبتها في النظام الشمولي وتستطيع أن تخط طريقاً إصلاحياً رغم أنف الفساد والعقليات المتخلفة. وأظن أنه ليس مستحيلاً على الرئيس السوري أن يلغي المادة الثامنة من الدستور، وأن يخضع الأجهزة الأمنية لوزارة الداخلية، على أن يراقب عملها من الجهاز القضائي، وأن يسمح بحرية التعبير والصحافة وتشكيل الأحزاب...

 

ـ أما الاحتمال الآخر فهو قيام المجتمع الدولي بتغيير النظام بالقوة العسكرية كما جرى في أفغانستان والعراق، وهذا ما ترفضه معظم أحزاب المعارضة السورية في الداخل والخارج، بسبب ما تراه من تفشي ظاهرة الإرهاب في هاتين المنطقتين، إضافة إلى أن مجرد وجود جيوش أجنبية على أرض الوطن إذا افترضنا أن دوافعها نبيلة وليست استعمارية، يعتبر تحدياً للكرامة الوطنية. 

 

النتيجة هي أن الطريق الأسلم لسورية في ظل الظروف الصعبة الراهنة أن يبدأ النظام بحركة إصلاح ديمقراطي شاملة،  على طريقة غوربتشيف أو الترك أو أن يبتدع طريقة جديدة تنقذ الشعب السوري من مخاطر مستقبل مجهول العواقب.

Walmob@.maktoob.com

 

للتعليق على هذا الموضوع