الولاء والبراء

 

عقيدة منقولة وواقع مفقود

 

 

 

 

 

أيمن الظواهري


بسم الله الرحمن الرحيم

 

---

 

المقدمة

---

تشهد هذه العقود من تاريخ الأمة المسلمة صراعاً محتدماً بين قوى الكفر والطغيان والاستكبار وبين الأمة المسلمة وطليعتها المجاهدة، وقد بلغ هذا الصراع ذروته بغزوتي نييورك وواشنطن المباركتين، وما تلاهما من إعلان بوش لحملته الصليبية الجديدة ضد الإسلام، أو ما أسماه بالحرب على الإرهاب.

وقد اتضح من أحداث هذه الحرب ووقائعها مدى الحاجة الماسة لإدراك خطورة عقيدة الولاء والبراء في الأسلام، ومدى التفريط والتقصير في القيام بأمانة هذا الركن العظيم في العقيدة الإسلامية، ثم مدى الخداع الذي يمارسه أعداء الإسلام وأتباعهم وأعوانهم على جماهير الأمة المسلمة بطمس معالم هذا الركن الركين، وإظهار الأعداء بصورة الأولياء ورمي الأبرار بتهم الفجار.

هؤلاء الأعداء الذين يشنون حملة تضليل فكرية وعقدية موازية لحملتهم الصليبية العسكرية، سعياً منهم في ترقيع الواقع المهترئ، الذي تمثله أنظمة الحكم في بلادنا، بكل فسادها وإفسادها ومذلتها لقوى الطغيان العالمية الصليبية اليهودية.

هذه الحملة التي تهدف إلى طمس الحدود الفاصلة بين الحق والباطل حتى يختلط الأعداء بالأولياء. بل وتهدف أيضاً –في محاولتها المحمومة لمواجهة المد الأسلامي الجهادي المتصاعد- إلى تزيين واقع التخاذل والتبعية والتخاذل والإذعان لغير الله وتحكيم غير شرعه، جنباً إلى جنب مع تشويه دعوة الحق والجهاد والعزة التي ترفع رايتها طلائع الأمة المجاهدة وأنصارها والجماهير الملتفة حولها.

وكلما ازدادت قوة دعوة الجهاد والحق والعزة ازدادت في مقابلها دعوة الباطل والقعود والمذلة، حتى أن أصحابها لم يجدوا حرجاً في أن يتبنوا دعوة غلاة المرجئة الأوائل رغم صياحهم ولغطهم المستمر أنهم حماة عقيدة السلف والقرون الأولى الفاضلة، ولم يجدوا أية غضاضة في أن يتبنوا مقالات العلمانيين الفجرة رغم زعمهم أنهم حراس الشريعة والمدافعون عنها، فلا يضر المرء عندهم أن يكون موظفاً مدافعاً عن الحكومة في جيشها أو أجهزة أمنها أو إعلامها أو قضائها يدعو إلى العلمانية ويروج للاعتراف بإسرائيل والاستسلام لها، ويكون في نفس الوقت مسلماً تقياً ورعاً، يصوم ويصلي ويحج ويزكي!!

حتى لقد رأينا أعرق الأسر الحاكمة في خدمة المصالح الأمريكية وهم يزعمون حماية عقيدة التوحيد، ورأينا أئمة الكفر الذين يفرضون الدساتير العلمانية ويحكمون بالقوانين الوضعية ويتسابقون في سياسة التطبيع مع إسرائيل وهم يرعون مسابقات تحفيظ القرآن لطلاب الجامعات التي يمنعون الحجاب فيها، ورأينا أشد الجلادين تعذيباً للمسلمين وهم يحجون ويعتمرون، ورأينا قطاع الطرق في أفغانستان يقبضون رواتبهم من القوات الأمريكية، ويدفعهم الأمريكان أمامهم ليقاتلوا المجاهدين، ثم بعد ذلك يتبركون بملابس شهداء المجاهدين وبتراب قبورهم!! كما حكى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن التتار فقال: "حتى إن الناس قد رأوهم يعظمون البقعة ويأخذون ما فيها من الأموال، ويعظمون الرجل ويتبركون به ويسلبونه ما عليه من الثياب، ويسبون حريمه، ويعاقبونه بأنواع العقوبات التي لا يعاقب بها إلا أظلم الناس وأفجرهم، والمتأول تأويلاً دينياً لا يعاقب إلا من يراه عاصياً للدين، وهم يعظمون -من يعاقبونه- في الدين، ويقولون  إنه أطوع  منهم، فأي تأويل بقي لهم؟" (الفتاوى الكبرى، مسألة 813، ج4 ص332 وما بعدها).

ولا غرابة في ذلك فإنها آلة الباطل المرغية المزبدة التي تخلط كل شيء في سعيها لاستمرار الفساد الجاثم فوق صدورنا والاحتلال الرابض فوق تراب أمتنا الطاهر وخاصة في أقدس بقاعه: الحرمين الشريفين والقدس المباركة.

هذه هي حصيلة دعوتهم لأي متأمل متدبر؛ استمرار الحكم الفاسد المفسد الخارج عن الشريعة، وفتح البلاد لقوات الحملة الصليبية الجديدة، هذا هو هدفهم المرصود في كل كلمة ينطقون بها أو يذيعونها أو يطبعونها.

هذه الفئة التي فضح القرآن أسلافها الأوائل وكشف حقيقتهم وبين أنهم يبغون الفتنة في الصف المسلم، وأنهم أسرع الناس إلى قبولها، وأنهم المسارعون إلى الكفار ضماناً لمصالحهم الشخصية ومنافعهم المادية. قال تعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين) [التوبة 46 –47]، وقال سبحانه: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، وقالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً، ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً) [الأحزاب 12 -14].

لهذا رأينا أن أهم فتنة –في هذا العصر- تهدد التوحيد والعقيدة الإسلامية هي فتنة الانحراف عن موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، فسطرنا هذه الصفحات إعذاراً وإنذاراً لأمتنا المسلمة في صحوتها المباركة وجهادها المنصور –بإذن الله- على الحملة الصليبية الأمريكية اليهودية على أمة الإسلام.

وقد قسمنا الكلام فيها إلى فصلين وخاتمة:

الفصل الأول عن: أركان الولاء والبراء في الإسلام.

والفصل الثاني عن: صور من الانحراف عن عقيدة الولاء والبراء.

وخاتمة عن: المعاني التي نود التأكيد عليها.

فما كان فيها من خير فهو من توفيق المولى سبحانه وما كان فيها من غير ذلك فهو من أنفسنا والشيطان، (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [هود 88]. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

                                                                         أيمن الظواهري

                                                             شوال 1423هـ ، ديسمبر 2002.


الفصل الأول: أركان الولاء والبراء في الإسلام

-----------

1- النهي عن تولي الكافرين

قال الله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)

 [آل عمران 28]. قال الطبري رحمه الله: "ومعنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً، توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك فقد برىء من الله وبرىء الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر" (تفسير الطبري ج3 ص227).

وقال الله تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً) [النساء 139].

وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً) [النساء 144]. قال الطبري رحمه الله: "يقول لهم جل ثناؤه يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا توالوا الكفار فتوازروهم من دون أهل ملتكم ودينكم من المؤمنين فتكونوا كمن أوجب له النار من المنافقين" (تفسير الطبري ج5 ص337).

وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين، يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون، يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين، وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) [المائدة 51- 58].

قال الطبري رحمه الله: "يعني تعالى ذكره بقوله: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه" (تفسير الطبري ج6 ص277).

وقال ابن حجر العسقلاني في شرح حديث ابن عمر رضي الله عنهما : " إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم" رواه البخاري (7108).  

 قال ابن حجر رحمه الله : "ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إن لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان أو رضي فهو منهم" ( فتح الباري ج31 ص61).

ولذلك أوجب الله سبحانه لهم الخلود في النار، قال تعالى: (ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون) [المائدة 80].

وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون، قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)[التوبة 32، 24]. قال ابن كثير رحمه الله: "وروي الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية.

وقد ثبت في الصحيح خ 15 م44 عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" " (تفسير ابن كثير ج2 ص343، 344).

أ- الفرق بين الموالاة والتقية.

فرقت الشريعة بين موالاة الكافرين المنهي عنها وبين اتقاء شرهم، قال الله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) [آل عمران 28]. قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم   تقاة) أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله ان يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري: عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. وقال الثوري قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان" (تفسير ابن كثير ج1 ص358). والكَشْرُ: بدو الأسنان عند التبسم. (لسان العرب ج5 ص142)

وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى (وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيت في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين): "وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين، أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم، كما قال تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة)" (تفسير ابن كثير ج4 ص394)

وقال القرطبي رحمه الله: "قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم. قال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ولا يقتل ولا يأتي مأثماً. قال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل.

.....................

وقيل: إن المؤمن إذا كان قائماً بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان. والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم. ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر، بل يجوز له ذلك" (تفسير القرطبي ج4 ص57).

وقال الطبري رحمه الله: "(إلا أن تتقوا منهم تقاة) إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل" (تفسير الطبري ج3 ص227).

ويؤيد هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- لما تكلم عمن أكرهه التتار على الخروج في جيشهم، فقال رحمه الله: "وإذا كان الجهاد واجباً وإن قتل من المسلمين ما شاء الله، فقتل من يقتل فى صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا.

بل قد أمر النبى المكره فى قتال الفتنة بكسر سيفه، وليس له أن يقاتل وإن قتل، كما فى صحيح مسلم عن أبى بكرة قال: قال رسول الله: "إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بابله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه"، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض، قال: "يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن إستطاع النجاة، اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت" فقال رجل: يا رسول الله أرأيت أن أكرهت حتى ينطلق بى إلى إحدى الصفين أو إحدى الفئتين، فيضربني رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلني، قال: "يبوء باثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار".

ففى هذا الحديث أنه نهى عن القتال فى الفتنة، بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال أو إفساد السلاح الذى يقاتل به، وقد دخل فى ذلك المكره وغيره، ثم بين أن المكره إذا قتل ظلماً كان القاتل قد باء باثمه وإثم المقتول، كما قال تعالى فى قصة إبنى آدم.

.................

والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال فى الفتنة ليس له أن يقاتل، بل عليه إفساد سلاحه وأن يصبر حتى يقتل مظلوماً، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلاً على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله بإتفاق المسلمين، وإن اكرهه بالقتل فإنه ليس له حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم" (مجموع الفتاوى ج 28 ص 538، 539).

فالخلاصة: أن المسلم إذا واجه ظروفاً تعرض فيها للقتل أو القطع أو الإيذاء العظيم فيجوز له أن يتلفظ ببعض الكلمات ليرد بها أذى الكافرين، دون أن يقوم بفعل يساندهم به أو يأتي مأثماً أو يعينهم على مسلم بفعل أو قتل أو قتال، والأفضل له أن يصبر على الأذى ولو أدى إلى قتله.

2- بغض الكافرين وترك مودتهم.

أ- نهانا الله سبحانه وتعالى أن نواد من حاد الله ورسوله.

قال الله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) [المجادلة 22]. قال ابن كثير رحمه الله: "وقيل في قوله تعالى: (ولو كانوا آباءهم) نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر، (أو أبناءهم) في الصديق هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، (أو إخوانهم) في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، (أو عشيرتهم) في عمر قتل قريباً له يومئذ أيضاً، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ فالله أعلم.

قلت ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم، وقال عمر: "لا أرى ما رأى يا رسول الله، هل تمكنني من فلان -قريب لعمر- فأقتله، وتمكن علياً من عقيل، وتمكن فلاناً من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين.." القصة بكمالها.

............

 وقال ابن عباس: وأيدهم بروح منه أي قواهم.

...............

وفي قوله تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه" (تفسير ابن كثير ج4 ص330، 331)

وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل، إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون، لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير، قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم، لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد، عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم، لا ينهاكم الله عن

الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) [الممتحنة 1- 9]. قال ابن كثير رحمه الله: "كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة.

...................

قال الإمام أحمد 179

...................

أن عبيد الله بن أبي رافع أخبره أنه سمع علياً -رضي الله عنه- يقول: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنا والزبير والمقداد، فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها"، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. قلنا: لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب. قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا حاطب ما هذا؟"، قال: لا تعجل علي، إني كنت أمرأً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه صدقكم"، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وهكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة خ3007 م2494 د2650 ت3305 س كبرى11585 من غير وجه عن سفيان بن عيينة به، وزاد البخاري في كتاب المغازي 4274 فأنزل الله السورة يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء.

......................

يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه)....(إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم) أي تبرأنا منكم (ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم) أي بدينكم وطريقكم (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً) يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا ما دمتم على كفركم، فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم (حتى تؤمنوا بالله وحده) أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد" (تفسير ابن كثير ج4 ص345- 349)

وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور) [الممتحنة 13].قال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم) يعني اليهود، وذلك أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين، ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم، فنهوا عن ذلك.

....................

وقيل: إن الله تعالى ختم السورة بما بدأها من ترك موالاة الكفار، وهي خطاب لحاطب بن أبي بلتعة وغيره.

قال ابن عباس: (يا أيها الذين آمنوا لاتتولوا) أي لا توالوهم ولا تناصحوهم، رجع تعالى بطوله وفضله على حاطب بن أبي بلتعة " (تفسير القرطبي ج 18 ص 76).

ب- وأخبرنا سبحانه أن الكفار يبغضون المسلمين.

قال الله تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) [البقرة 105].

وقال الله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسداً من عند أنفسهم) [البقرة 109].

وقال الله تعالى: (هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط) [آل عمران 119- 120]. قال القرطبي رحمه الله: "والمعنى في الآية: أن من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين لم يكن أهلاً لأن يتخذ بطانة، لاسيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو ملاك الدنيا والآخرة" (تفسير القرطبي ج4 ص181- 183).

ج- كما أخبرنا سبحانه أنهم لن يرضوا عن المؤمنين طالما استمروا على إيمانهم.

قال الله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير) [البقرة 120- 121].

د- بل إنهم يتمنون أن يردوا المؤمنين كفاراً بعد إيمانهم.

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) [آل عمران100].

وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين) [آل عمران 149]. قال ابن جرير الطبري رحمه الله: "يعني بذلك -تعالى ذكره- يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه، (إن تطيعوا الذين كفروا) يعني الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم- من اليهود والنصارى فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه، فتقبلوا رأيهم في ذلك، وتنتصحوهم فيما تزعمون أنهم لكم فيه ناصحون، (يردوكم على أعقابكم) يقول: يحملوكم على الردة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام،  (فتنقلبوا خاسرين) يقول: فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له، (خاسرين) يعني هالكين قد خسرتم أنفسكم وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم، ينهي بذلك أهل الإيمان بالله أن يطيعوا أهل الكفر في آرائهم وينتصحوهم في أديانهم) (تفسير الطبري ج4 ص122، 123) 

هـ- العلاقة بين محبة المولى –سبحانه- وموالاة المؤمنين والجهاد في سبيل الله.

ونود بعد أن بينا أمر الشريعة بموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين أن نذكر كلاماً نفيساً لشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في العلاقة الوثيقة بين محبة المولى –سبحانه- والجهاد. قال ابن تيمية رحمه الله: " واسم المحبة فيه إطلاق وعموم، فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فلهذا جاءت محبة الله مذكورة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له ونحو ذلك، فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله سبحانه وتعالى.

ثم إنه كان بيَّن أن محبته أصل الدين فقد بيَّن أن كمال الدين بكمالها، ونقصه بنقصها، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله"، فأخبر أن الجهاد ذورة سنام العمل، وهو أعلاه وأشرفه، وقد قال تعالى: التوبة (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله) إلى قوله (أجر عظيم)، والنصوص في فضائل الجهاد وأهله كثيرة، وقد ثبت أنه أفضل ما تطوع به العبد، والجهاد دليل المحبة الكاملة، قال تعالى: التوبة (قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ..الآية) وقال تعالى في صفة المحبين المحبوبين: المائدة (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم).

فإن المحبة مستلزمة للجهاد، ولأن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض محبوبه، ويوالي من يوالي محبوبه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما نهى عنه، فهو موافق في ذلك.

وهؤلاء هم الذين يرضى الرب لرضاهم، ويغضب لغضبهم، إذ هم إنما يرضون لرضاه، ويغضبون لما يغضب له، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر في طائفة فيهم صهيب وبلال: "لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك" فقال لهم: يا إخوتي هل أغضبتكم، قالوا: لا يغفر الله لك يا أبا بكر.

وكان قد مر بهم أبو سفيان بن حرب فقالوا: ما أخذت السيوف مأخذها، فقال لهم أبو بكر: أتقولون هذا لسيد قريش؟ وذكر أبو بكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له ما تقدم، لأن أولئك إنما قالوا ذلك غضباً لله لكمال ما عندهم من الموالاة لله ورسوله والمعاداة لأعدائهما، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح فيما يروى عن ربه: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه" (التحفة العراقية ج1 ص63، 64)

وقال ابن تيمية رحمه الله عن موالاة اليهود والنصارى: "فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية، فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد.

والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين)، وقال تعالى فيما يذم به أهل الكتاب: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون، ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون).

فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم.  

وقال سبحانه وتعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يواد كافراً فمن واد الكفار فليس بمؤمن، فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة كما تقدم تقرير مثل ذلك) (اقتضاء الصراط المستقيم ج1 ص221، 222)

وقال أيضاً رحمه الله: "والمؤمن عليه أن يعادى فى الله، ويوالى فى الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه، وإن ظلمه، فان الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون أخوة..)، فجعلهم أخوة مع وجود القتال والبغى والأمر بالاصلاح بينهم.  

فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وان ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وان أعطاك وأحسن اليك، فان الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والاهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه.  

واذا اجتمع فى الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة   والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعادات والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع فى الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذى اتفق عليه أهل السنة والجماعة" (مجموع الفتاوى ج28 ص207- 209).

و- رد شبهة.

فإن قيل فما معنى قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)؟ ألا يدل هذا على جواز التودد إلى الكفار ومحبتهم؟

والرد عليها أن البر وهو إيصال الخير، والقسط وهو العدل، لا يدخلان في الموالاة المحرمة التي تتضمن المحبة والتواد والنصرة باليد واللسان والمتابعة في الاعتقاد والأفعال واتخاذ الكافرين بطانة وإطلاع الكافرين على أسرار المسلمين.

قال الشافعي رحمه الله: "قال الله عز وجل: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين...الآيتين)، قال: يقال -والله أعلم- إن بعض المسلمين تأثم من صلة المشركين، أحسب ذلك لما نزل فرض جهادهم، وقطع الولاية بينهم وبينهم، ونزل (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله..الآية)، فلما خافوا أن تكون المودة الصلة بالمال أنزل (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا عل إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون).   

قال الشافعي رحمه الله: وكانت الصلة بالمال والبر والإقساط ولين الكلام والمراسلة بحكم الله غير ما نهوا عنه من الولاية لمن نهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين، وذلك أنه أباح بر من لم يظاهر عليهم من المشركين والإقساط إليهم، ولم يحرم ذلك إلى من أظهر عليهم، بل ذكر الذين ظاهروا عليهم فنهاهم عن ولايتهم، وكان الولاية غير البر والإقساط، وكان النبي فادى بعض أسارى بدر وقد كان أبو عزة الجمحي ممن من عليه، وقد كان معروفاً بعداوته والتأليب عليه بنفسه ولسانه، ومن بعد بدر على ثمامة بن أثال وكان معروفاً بعداوته، وأمر بقتله ثم من عليه بعد إساره، وأسلم ثمامة، وحبس الميرة عن أهل مكة، فسألوا رسول الله أن يأذن له أن يميرهم، فأذن له فمارهم، وقال الله عز وجل: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) والأسرى يكونون ممن حاد الله ورسوله" (أحكام القرآن للشافعي -رحمه الله- ج2 ص191- 194).

قال ابن القيم -رحمه الله- مبيناً جواز الصدقة والوقف على مساكين أهل الذمة: "لقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) فإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء، وقطع المودة بينهم وبينهم، توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه وكتبه على كل شيء، وإنما المنهي عنه تولي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة) (أحكام أهل الذمة ج1 ص602).

قال ابن كثير رحمه الله: "وقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم) أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين، (ولم يظاهروا) أي يعاونوا على إخراجكم كالنساء والضعفة منهم، (أن تبروهم) أي تحسنوا إليهم، (وتقسطوا إليهم) أي تعدلوا، إن الله يحب المقسطين.

وقال الإمام أحمد 6345 حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: "نعم صلي أمك" أخرجاه خ5219 م2130" (تفسير ابن كثير ج4 ص350- 351)

3- النهي عن اتخاذهم بطانة والإدلاء إليهم بأسرار المسلمين.

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) [آل عمران 118]. قال القرطبي رحمه الله: "والبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع، وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره.

......

نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أموالهم. ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه قال الشاعر: 

عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه    فكل قرين بالمقارن يقتدى

وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". وروي عن ابن مسعود أنه قال: "اعتبروا الناس بإخوانهم".

ثم بين تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: (لا يألونكم خبالاً) يقول: فساداً، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لايتركون الجهد في المكر والخديعة.

..............

قوله: (ودوا ماعنتم) مصدرية، أي ودوا عنتكم، أي ما يشق عليكم، والعنت المشقة" (تفسير القرطبي ج4 ص178- 181).

4- النهي عن تولية الكفار في المناصب الهامة.

قال ابن تيمية رحمه الله: "فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبا نصرانياً. قال: "مالك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) ألا اتخذت حنيفاً" قال: قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، قال: "لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله" (اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ج1 ص50).

وقال القرطبي رحمه الله: "وعن عمر -رضي الله عنه- قال: "لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى". وقيل لعمر رضي الله عنه: إن ههنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: "لا آخذ بطانة من دون المؤمنين". فلا يجوز استكتاب أهل الذمة ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم.

قلت: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء. " (تفسير القرطبي ج4 ص179).

وقال ابن تيمية رحمه الله: "ولا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة لأنه يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها

وسئل أحمد في رواية أبي طالب: في مثل الخراج؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء. ومن تولى منهم ديواناً للمسلمين أينقض عهده؟ ومن ظهر منه أذى للمسلمين أو سعى في فساده لم يجز استعماله، وغيره أولى منه بكل حال، فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عهد أن لا يستعمل من أهل الردة أحداً، وإن عاد إلى الإسلام لما يخاف من فساد ديانتهم" (الفتاوى الكبرى، الاختيارات العلمية، كتاب الجهاد، ج4 ص607 وما بعدها)

5- النهي عن تعظيم شعائر الكفار ورسومهم، والنهي عن موافقة الكفار والمرتدين على باطلهم وتزيين ذلك ومدحه.

قال شيخ الاسلام رحمه الله: "فصل فى الولاية والعداوة   

فإن المؤمنين أولياء الله، وبعضهم أولياء بعض، والكفار أعداء الله وأعداء المؤمنين، وقد أوجب الموالاة   بين المؤمنين وبين أن ذلك من لوازم الإيمان، ونهى عن موالاة الكفار، وبين أن ذلك منتف فى حق المؤمنين وبين حال المنافقين فى موالاة الكافرين.  

........................................

وقال: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم فى بعض الأمر والله يعلم إسرارهم)، وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم.

ولهذا ذكر فى سورة المائدة أئمة المرتدين عقب النهى عن موالاة الكفار؛ قوله: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، وقال: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواهم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا)، فذكر المنافقين والكفار المهادنين، وأخبر أنهم يسمعون لقوم آخرين لم يأتوك وهو استماع المنافقين والكفار المهادنين للكفار المعلنين الذين لم يهادنوا.

كما أن فى المؤمنين من قد يكون سماعاً للمنافقين، كما قال: (وفيكم سماعون لهم)، وبعض الناس يظن أن المعنى سماعون لأجلهم بمنزلة الجاسوس أى يسمعون ما يقول وينقلونه اليهم.

.....................

وإنما المعنى فيكم من يسمع لهم أى يستجيب لهم ويتبعهم، كما فى قوله سمع الله لمن حمده استجاب الله لمن حمده أى قبل منه، يقال فلان يسمع لفلان أى يستجيب له ويطيعه.

....................................

فمن كان من الأمة موالياً للكفار من المشركين أو أهل الكتاب ببعض أنواع الموالاة ونحوها -مثل إتيانه أهل الباطل واتباعهم فى شئ من مقالهم وفعالهم الباطل- كان له من الذم والعقاب والنفاق بحسب ذلك.

............................

والله تعالى يحب تمييز الخبيث من الطيب والحق من الباطل، فيعرف أن هؤلاء الأصناف منافقون أو فيهم نفاق، وإن كانوا مع المسلمين، فإن كون الرجل مسلماً فى الظاهر لا يمنع أن يكون منافقاً فى الباطن.

فإن المنافقين كلهم مسلمون فى الظاهر، والقرآن قد بين صفاتهم وأحكامهم، واذا كانوا موجودين على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفى عزة الاسلام مع ظهور أعلام النبوة ونور الرسالة، فهم مع بعدهم عنهما أشد وجوداً، لاسيما وسبب النفاق هو سبب الكفر وهو المعارض لما جاءت به الرسل " (مجموع الفتاوى ج28 ص190- 202).

6-  النهي عن إعانتهم على المسلمين.

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) [المائدة 51- 53]. قال الطبري رحمه الله في سبب النزول: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله -تعالى ذكره- نهى المؤمنين جميعاً أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصاراً وحلفاءً على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيراً وحليفاً وولياً من دون الله ورسوله والمؤمنين فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان" (تفسير الطبري ج6 ص276).

قال ابن تيمية -رحمه الله- عن التتار: "وكل من قفز إليهم من أمراء العسكر فحكمه حكمهم، وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام.

وإذ كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلاً للمسلمين." (الفتاوى الكبرى ج4 ص332 وما بعدها).

قال ابن حزم رحمه الله: "وقد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أبق عن الله تعالى وعن إمام المسلمين وجماعتهم، ويبين هذا حديثه -صلى الله عليه وسلم- أنه: "بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، وهو عليه السلام لا يبرأ إلا من كافر قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [التوبة 71].     

قال أبو محمد رحمه الله: فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه متى قدر عليه ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك، لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يبرأ من مسلم.     

......................

وكذلك من سكن بأرض الهند والسند والصين والترك والسودان والروم من المسلمين، فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر أو لقلة مال أو لضعف جسم أو لامتناع طريق فهو معذور، فإن كان هناك محارباً للمسلمين معيناً للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.

.....................

ولو أن كافراً مجاهداً غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها المنفرد بنفسه في ضبطها وهو معلن بدين غير دين الإسلام لكفربالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه وإن ادعى أنه مسلم لما ذكرنا" (المحلى ج11 ص199،200). وقوله: "كافراً مجاهداً" لعله تصحيف صوابه "كافراً مجاهراً" والله أعلم.

فماذا يقول الطبري و ابن حزم وابن تيمية –رحمهم الله- لو شاهدا الطائرات والجيوش الأمريكية وحلفاءها التي تنطلق من دول الخليج لتضرب المسلمين في العراق؟ وماذا يقولان لو شاهدا الطائرات الأمريكية التي تقلع من باكستان لتقتل المسلمين في أفغانستان؟ وماذا يقولون لو شاهدوا السفن والطائرات الأمريكية والغربية وهي تتزود بالوقود والمؤن والذخائر من دول الخليج واليمن ومصر في طريقها لحصار العراق واحتلال جزيرة العرب وحماية أمن إسرائيل؟

وماذا يقولون لو شاهدوا البيوت تهدم على رؤوس سكانها من مسلمي فلسطين بسلاح الأمريكان (أصدقاء حكامنا)، وماذا يقولون لو شاهدوا الطائرات الأمريكية تقصف المجاهدين بالصواريخ في اليمن متواطئة مع حكومتها؟

7- الأمر بجهادهم وكشف باطلهم وعدم مودتهم والبعد عنهم.

لم ينهنا المولى –سبحانه- عن موالاة الكفار فقط، بل أمرنا أيضاً بجهاد الكفار الأصليين والمرتدين والمنافقين:

أ- جهاد الكفار الأصليين وتعينه إذا استولوا على بلاد الإسلام.

قال ابن تيمية رحمه الله: " وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا". وقال أيضاً: "وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده" (الفتاوى الكبرى، الاختيارات العلمية، كتاب الجهاد، ج4 ص607 وما بعدها).

فتأمل هذا القول القوي الشديد من العالم المجاهد شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في استدلاله بالإجماع على جهاد الكفار الغزاة لديار الإسلام، وتأمل تأكيده على أنه ليس بعد الإيمان أوجب من دفعهم، وأن هذا مما اتفق عليه علماء الأمة رحمهم الله جميعاً، ثم قارن هذا الكلام بكلام علماء السلاطين ودعاة القعود الذين يجتهدون في صرف المسلمين عن الجهاد بكل حيلة، حتى يأمن الكفار الغزاة في غزوهم لبلادنا، ويتم لهم ما يريدون في يسر وراحة واطمئنان.

ب- جهاد المرتدين الحاكمين لبلاد الإسلام.

من أعظم صور الجهاد العيني في هذا الزمان جهاد الحكام المرتدين الحاكمين بغير شريعة الإسلام الموالين لليهود والنصارى، وهذا الأمر مما اتفق عليه العلماء رحمهم الله، واستفاضت فيه أقوالهم، ونحن هنا نكتفي بإيراد بعضها.

قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) [النساء 65]. قال الشافعي رحمه الله:

"باب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم   

قال الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)، وقال تعالى: (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله)، وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً). 

فأكد -جل وعلا- بهذه الآيات وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبان أن طاعته إطاعة الله، وأفاد بذلك أن معصيته معصية الله، وقال الله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)، فأوعد على مخالفة أمر الرسول، وجعل مخالف أمر الرسول والممتنع من تسليم ما جاء به والشاك فيه خارجاً من الإيمان بقوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً).

قيل في الحرج ههنا: إنه الشك روي ذلك عن مجاهد، وأصل الحرج الضيق، وجائز أن يكون المراد التسليم من غير شك في وجوب تسليمه ولا ضيق صدر به، بل بانشراح صدر وبصيرة ويقين.  

وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والإمتناع من التسليم.

وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم. لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي -صلى الله عليه وسلم- قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان " (أحكام القرآن للشافعي رحمه الله ج 3 ص 180،181).

وقال الله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنون) [المائدة 50]. قال ابن كثير رحمه الله: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات بما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظرة وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير " (تفسير ابن كثير ج 2 ص 68).

ج- جهاد المنافقين الذين يروجون للشبهات.

أمر الله -سبحانه- نبيه –صلى الله عليه وسلم- بجهاد المنافقين بالغلظة والشدة وإظهار الحجة وإقامة الحدود.

قال الله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) [التحريم 9]. قال القرطبي رحمه الله: "فيه مسألة واحدة وهو التشديد في دين الله، فأمره أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله، والمنافقين بالغلظة وإقامة الحجة، وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة وأنهم لا نور لهم يجوزون به الصراط مع المؤمنين. وقال الحسن: أي جاهدهم بإقامة الحدود عليهم" (تفسير القرطبي ج18 ص201)

8- الأعذار التي لا يقبلها الشرع ممن يوالون الكفار.

لم يقبل المولى سبحانه من المنافقين أعذارهم، بأنهم يتولون الكافرين وينصرونهم خوفاً من دوائر الزمان وتغير الدول، فربما انتصر الكفار على المسلمين، فتكون للمنافقين عند الكفار يد، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) [المائدة 51- 53]. قال ابن كثير رحمه الله: "(فترى الذين في قلوبهم مرض) أي شك وريب ونفاق. (يسارعون فيهم) أي يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر. (يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى" (تفسير ابن كثير ج2 ص71).

9- الأمر بموالاة المؤمنين ومناصرتهم.

بعد أن بينا ما نهانا الله –سبحانه وتعالى- عنه من موالاة الكافرين نوجز ما أمرنا الله به من موالاة المؤمنين. قال الله تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آوو ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم، والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم) [سورة الأنفال72- 75]. قال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين) يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم، إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته.

ابن العربي: إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة حتى لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم كذلك قال مالك وجميع العلماء. فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد" (تفسير القرطبي ج8 ص57).

وقال ابن كثير رحمه الله: "ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك، وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، أي كل منهم أحق بالآخر من كل أحد، ولهذا آخى رسول -الله صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار كل اثنين إخوان.

....................................

وقوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم)

................

(من شيء) حتى يهاجروا هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا بل أقاموا في بواديهم فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب ولا في خمسها إلا ماحضروا فيه القتال.

.............

يقول تعالى: (وإن استنصروكم)   هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا -في قتال ديني- على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم، لأنهم إخوانكم في الدين إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق، أي مهادنة إلى مدة فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنه) (تفسير ابن كثير ج2 ص329، 330)

وقال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) [سورة التوبة 71]. قال ابن كثير رحمه الله: "لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) أي يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح خ481 م2585 "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه"، وفي الصحيح أيضاً خ6011 م2586 "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"." (تفسير ابن كثير ج2 ص370).

10- الخلاصة:

أ- نهانا الله سبحانه أن نتخذ الكفار أولياء ننصرهم على المؤمنين باليد واللسان، ومن فعل ذلك فهو كافر مثلهم.

وأجاز الشرع لمن خاف القتل أو القطع أو الأذى العظيم أن يتكلم بما يدفع به الأذى عن نفسه –لا بما يجلب به النفع- من الكفار دون أن يوافقهم في باطنه أو يناصرهم على المسلمين بفعل أو قتل أو قتال، والأفضل له أن يتصلب ويصبر.

ب- أمرنا المولى سبحانه ببغض الكافرين وترك مودتهم، وأنهم يبغضوننا ويحسدوننا على ديننا ويتمنون زوالنا عنه، وأن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عد حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- منافقاً لمجرد أنه أرسل للكفار يخبرهم بمسير النبي –صلى الله عليه وسلم- إليهم بجيش لا قبل لهم به، وسعى في قتله، ولم ينكر عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- ذلك، ولكنه –صلى الله عليه وسلم- عفا عن ذنبه العظيم بعمله الصالح العظيم بشهوده بدراً.

وأن هناك علاقة وثيقة بين محبة المولى سبحانه وموالاة المؤمنين والجهاد في سبيل الله.

وأن إيصال الخير والتعامل بالعدل مع من لم يعادينا من الكفار ليس من الموالاة المنهي عنها.

ج- نهانا الشرع عن اتخاذ الكفار بطانة وأمناء على أسرارنا.

د- نهى الشرع عن تولية الكفار في المناصب الهامة.

هـ- نهانا الشرع عن اتباع اعتقادات الكفار وآرائهم وتعظيمها.

و- نهانا الشرع عن إعانة الكفار على المسلمين، وأن الإكراه ليس بعذر في قتال الممسلمين تحت راية الكفار.

ز- أمرنا الشرع بجهاد الكفار –الأصليين منهم والمرتدين- والمنافقين، وأن جهاد الكفار المستولين على بلاد الإسلام هو من أوجب الواجبات بعد الإيمان بإجماع العلماء.

ح- لم يقبل الشرع عذر المنافقين بأنهم يوالون الكفار خوفاً من تقلب الأحوال.

ط- أوجب علينا الشرع مناصرة المسلمين على الكفار.


الفصل الثاني: صور من الانحراف عن عقيدة الولاء والبراء

----

1- الحكام جمعوا بين الحكم بغير ما أنزل الله وموالاة اليهود والنصارى.

من أكثر الفئات انحرافاً عن منهج الإسلام في الولاء والبراء في هذا الزمان -رغم ادعائهم الانتساب للإسلام- فئة الحكام الخارجين على الشريعة المسيطرين على بلاد الإسلام.

وقد اتسع خطر هذه الفئة على الأمة المسلمة حتى أصبحت أشد خطر يحرف الأمة عن عقيدتها، ويمنعها بالقوة من اتباع دينها، وذلك لأنها فئة شديدة الانحراف عن منهج الإسلام شديدة السيطرة على أمور المسلمين وأرواحهم وأموالهم، وفي نفس الوقت شديدة الانتشار فلا يكاد يفلت من شرها بلد من بلاد الإسلام.

وانحراف هذه الفئة انحراف مركب، فهي فئة لا تحكم بالشريعة بالإضافة لموالاتها واستسلامها لأعداء الإسلام الخارجيين وخاصة اليهود والنصارى.

فإذا نظرنا إلى موالاتهم لليهود والنصارى لوجدنا أنهم قد حولوا بلاد الإسلام وخاصة في العالم العربي إلى قواعد لتموين وحشد قوات اليهود والنصارى، فالناظر إلى حال الجزيرة العربية وإمارات الخليج ومصر والأردن يراها وقد تحولت إلى قواعد ومعسكرات للدعم الإداري والفني للقوات الصليبية في قلب العالم الإسلامي، زد على ذلك أن هذه الحكومات قد سخرت جيوشها لخدمة أهداف الحملة الصليبية الجديدة على الأمة الإسلامية.

والناظر إلى ظاهرة الحكام الخارجين عن الشريعة المسيطرين على بلاد الإسلام يجدها تمتد إلى عقود سابقة من الزمان في تاريخنا المعاصر، فقد استطاع أعداء الإسلام وخاصة الأمريكيين واليهود والفرنسيين والإنجليز -عبر سلسلة من المؤمرات والعلاقات الخفية والدعم المباشر وشراء الذمم والرواتب والحسابات السرية والإفساد والتجنيد- تمكين هذه الفئة من مصائر المسلمين، وهذا تاريخ ليس مجال شرحه هنا، ولكننا نشير إلى أن القوى المعادية للإسلام استطاعت بعد الحرب العالمية الثانية أن تحتوي وتصب هذه الحكومات في قالب النظام العالمي الممثل للحلفاء المنتصرين في الحرب وهو قالب الأمم المتحدة.

والأمم المتحدة –باختصار- في ميزان الإسلام هي هيئة كفرية عالمية مسيطرة لا يجوز الدخول فيها ولا التحاكم إليها تقوم على نبذ التحاكم لشريعة الإسلام، والرضوخ لإرادة خمسة من أكابر المجرمين في هذه الدنيا، يسيطرون على قيادة الأمم المتحدة المعروفة بمجلس الأمن.

ونشير أيضاً إلى أن أعداء الإسلام جعلوا هذه الحكومات تقبل بالوجود القانوني للكيان اليهودي في فلسطين عبر العديد من الاتفاقيات الرسمية والمواقف العملية، بدءاً من اتفاقية الهدنة عام 1949 إلى اتفاقيات أوسلو عام 1993. ثم جاءت قمة بيروت الأخيرة عام 2002 لتؤكد على إجماع الدول العربية على قبول الوجود الإسرائيلي قبولاً تاماً.

وجدير بالذكر أن الصلح مع إسرائيل والاعتراف باستيلائها على فلسطين يتضمن إنكاراً لأحكام شرعية واجبة ومعلومة من الدين بالضرورة. فهو يتضمن إنكار الجهاد العيني المفروض على المسلمين لطرد الكفار الغزاة من ديار الإسلام كما بينا آنفاً، كما أنه يتضمن إنكار وجوب نصرة المسلمين في فلسطين وهو واجب عيني معلوم من الدين بالضرورة، قال الله تعالى:(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً) [النساء 75]. قال القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله) حض على الجهاد، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس" (تفسير القرطبي ج5 ص279).

ولم يقتصر الأمر على التخلف عن الفروض العينية بل إن معظم الدول العربية قد شاركت في مؤتمر شرم الشيخ 1996 مع إسرائيل وأمريكا وروسيا ومعظم الدول الغربية حيث اتفق الجميع وتعاهدوا على حماية إسرائيل من هجمات المجاهدين.

وفي هذا الإطار من الانصياع لإرادة أكابر المجرمين استطاعت القوى المعادية للإسلام وعلى رأسها الصليبيون الجدد أن يسخروا حكومات بلادنا لخدمة أهدافهم العسكرية والاقتصادية.

حتى وصلنا إلى ما نراه اليوم من حالة التبعية الكاملة للصليبيين الجدد، ففلسطين تمزق وتدمر ويذبح أبناؤها كل يوم وجاراتها العربيات صامتات أو متواطئات، والعراق تشن عليه الحملة تلو الحملة لقتل شعبه المسلم وتقسيم أرضه ونهب بتروله وجيرانه العرب يقدمون كل أشكال المساعدة والدعم لقوات الصليبيين الجدد، وأفغانستان تعبث بها القوات الصليبية وجيرانها يتواطئون مع الأمريكان لتمكينهم من السيطرة على أفغانستان وشعبها.

هذه الفئة وهي فئة الحكام الخارجين على الشريعة لا يخفى فسادها وإفسادها وجرائمها على عامة المسلمين ناهيك عن خاصتهم، وموالاتهم لليهود والنصارى أظهر من أن تخفى.

ولذلك فإنهم خوفاً من انتفاض الأمة المسلمة وشبابها المجاهد ضدهم -وخاصة في غمرة تصاعد العدوان الصهيوأمريكي على فلسطين والعراق والشيشان وكشمير- استعانوا بعدد من الفئات لتخدير الأمة وضمان استمرار عجزها وسلبيتها واستسلامها، وأخطر هذه الفئات هي التي تتزي بزي الإسلام والدعوة إليه، لتنفذ من خلاله إلى عقيدة الأمة وعقلها وقلبها، تماماً مثلما تحاول الجراثيم الفتاكة أن تتخطى جهاز مناعة الإنسان أو تدمره لتعيث فساداً في خلايا الجسم البشري. وهذا ما سنوجزه في الفقرات التالية.

2- أعوان الحكام: من العلماء الرسمييين والصحافيين والإعلاميين والكتاب والمفكرين وغيرهم من الموظفين الرسميين الذين يتلقون رواتبهم في مقابل نصرة الباطل وتزيينه ومعاداة أهل الباطل وتشويههم.

وهذه الفئة هي أعلى الفئات صوتاً في الموالاة للحكام العملاء والقوات الصليبية الغازية لديار الإسلام، أو أهل الذمة كما يفترون. لكنهم -للأسف- هربوا من سؤال في غاية الخطورة والحرج: من يدفع الجزية لمن؟

وهذه الفئة بأخلاطها المختلفة اتبعت أسلوباً من التلفيق العقائدي بين العقائد المنحرفة التي نبذها أئمة الإسلام سلفاً وخلفاً؛ أهل السنة والجماعة. فهذه الفئة جمعت بين:

1- عقيدة الإرجاء في أفضح صورها –بلا حياء- في إسباغ الشرعية على أسوأ صور الانحلال والتبعية والفساد والنهب الذي تمثله الأنظمة الحاكمة المرتدة الخارجة على الشريعة.

2- بالإضافة إلى تبنيها لمنهج الخوارج في تكفير وتفسيق وتبديع واستباحة دماء وحرمات المجاهدين العاملين للإسلام.

فمفتي الديار المصرية وهو الموظف الرسمي في الحكومة المصرية الذي يتلقى راتبه منها ليؤدي عمله الذي استأجروه عليه؛ وهو إسباغ الشرعية على النظام العلماني الباطش بالمسلمين الموالي لليهود، في صورة تتفوق في غلوها على أشد عتاة غلاة المرجئة الأوائل، هو نفسه الذي أفتي المحكمة العسكرية العلمانية بإعدام المجاهدين الخمسة أبطال الإسلام في مصر -محمد عبد السلام فرج وعبد الحميد عبد السلام وخالد الإسلامبولي وحسين عباس وعطا طايل- الذين قتلوا أنور السادات، الذي وقع أربع اتفاقيات مع إسرائيل تعهد فيها بالاعتراف بدولة إسرائيل واستيلائها على فلسطين، وعدم الاعتداء عليها أو مساندة أية دولة تعتدي إسرائيل عليها، بل ونزع سلاح سيناء ضماناً لأمن إسرائيل، إلى غير ذلك من الاتفاقات السرية.

وأشهر هذه الاتفاقات هي اتفاقية السلام مع إسرائيل في عام 1979 التي نصت على إنهاء الحرب بين مصر وإسرائيل إلى الأبد، ومنعت مصر من مساعدة أية دولة تتعرض لعدوان إسرائيل، بل ودعت إلى التطبيع مع إسرائيل في كل المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية، ثم أصدر الأزهر فتوى يبارك فيها هذه الاتفاقية، ويقرر فيها أنها تتفق مع الشريعة!! .

ونوع آخر من المفتين يدعون إلى طاعة أولياء الأمور، وفي نفس الوقت يعتبرون المجاهدين دعاة فتنة، وهم قد أجازوا الاستعانة بالأمريكان وباعتبار جيوشهم الجرارة التي سدت الأفق وأساطيلهم الجبارة التي ضاق عنها البحر والتي بلغت مئات الألوف من الجنود الغزاة من المستأمنين!! ولا ندري من الذي يؤمن من؟؟ وصدرت منهم فتاوى جماعية بجواز الاستعانة بالقوات الأمريكية لمواجهة النظام البعثي العراقي بدعوى الضرورة، ، بل وأسبغوا الشرعية على وجود جحافل الكفار الغازية لأقدس بقاع المسلمين، وقد مر على وجود هذه القوات حتى الآن قرابة اثني عشر عاماً بعد انسحاب العراق واستسلامه، قتلت فيها تلك القوات –بالحصار- قرابة مليون ونصف مليون طفل في العراق دون أن ينطق هؤلاء الموظفون بكلمة واحدة في هذا الشأن.

والأمر ليس أمر استعانة بقوات الكفار ضد قوات صدام البعثية، بل الأمر أمر احتلال لمنابع النفط في جزيرة العرب. فلم يكن هناك ضرورة لإحضار الأمريكان، فإن جيوش الدول العربية والإسلامية كان فيها الكفاية والغنى لحماية الكويت أو تحريرها.

ولكن هؤلاء الحكام لا إرادة لهم، بل هم صنيعة المخططات البريطانية التي رسمت لهم حدودهم، ونصبتهم على عروشهم، ثم ورث الأمريكان النفوذ البريطاني، وأصبح لهم الأمر والنهي على كل حكام الجزيرة العربية وسائر العالم العربي.

إذن فقد جاء السادة ليدافعوا عن ممتلكاتهم، وليس لهؤلاء الشيوخ والملوك شأن بأمن الجزيرة العربية أو الدفاع عنها.

والآن وبعد أن استسلم العراق وفرض الحظر الجوي على نصف أراضيه واستقل الشمال الكردي عن حكومة بغداد وفرضت لجان التفتيش عليه وألزم بدفع التعويضات، بعد كل هذا لا يزال الوجود العسكري الصليبي على جزيرة العرب في ازدياد، بل إنهم يعدون لحملة جديدة على العراق ينتظر لها أن تقتل مئات الآلاف من المسلمين، حتى يستولوا على نفط العراق.

ثم سيتحولون بعد ذلك إلى –كما صرحوا في الكونجرس- إلى السعودية لتقسيمها، ثم إلى مصر وهي الجائزة الكبرى على حد تعبيرهم.

إذن المسألة ليست مسألة استعانة بل المسألة مسألة احتلال وسلب ونهب وسيطرة وقهر من الصليبيين على المسلمين في أقدس أراضيهم؛ جزيرة العرب. وهؤلاء الحكام ما هم إلا طلاء باهت على جدار الوجود الأمريكي، ثم يأتي –بعد ذلك- علماء السلطان ليوقعوا على الفتاوى المحولة لهم من المقام السامي، التي تبيح هذا الاستيلاء وهذا النهب وهذا التسلط الصليبي بل وهذا السفك لدماء المسلمين في العراق. 

ثم يفتي المفتي العام للسعودية -أيضاً- بجواز الصلح مع إسرائيل لأن الذي عقده معهم هو ولي أمر المسلمين (ياسر عرفات).

وبعض المنتسبين إلى الدعوة في الكويت صرخوا بعد قتل المجاهدين للأمريكان في فيلكا، وانتفضوا غاضبين للتعدي على الصليبيين الذين وصفوهم بأهل الذمة، ونسوا أن أهل الذمة يعيشون تحت ظل سلطان المسلمين، ويدفعون لهم الجزية، وتجري عليهم أحكام الإسلام، بينما هؤلاء المشايخ وأمرائهم يعيشون تحت قهر الصليبيين وفي سلطانهم، ويلجأون إلى حمايتهم ويدفعون لهم الأموال الباهظة طوعاً وكرهاً حتى يرضوا عنهم، ولا يستطيعون أن يخالفوا إرادتهم قيد أنملة. فمن في ذمة من؟ ومن يدفع الجزية لمن؟ ومن في قهر من؟

ونسوا أيضاً أن الكويت من جزيرة العرب ولا يجوز بقاء اليهود والنصارى فيها أصلاً.

وكل هؤلاء -الذين يقطعون الطريق إلى الله- يأمرون الناس بطاعة أولئك الخارجين على الشريعة في ترك الجهاد الواجب، فارتكبوا بذلك عدة مصائب:

أ- أعانوا على استمرار استيلاء الكفار على بلاد الإسلام.

ب- ثبطوا الناس عن الجهاد العيني المفروض عليهم.

ج- أضفوا الشرعية على الحكومات الباطلة الخارجة على الشريعة.

د- سبوا المجاهدين وافتروا عليهم.

ومن الحيل التي يسوقها هؤلاء دعواهم أن الجهاد حق وواجب وأنه طريق الخلاص ولكن ليس الآن وقته، فالمرحلة الآن مرحلة الإعداد، والمرحلة الآن مرحلة التفرغ للدعوة، إلى آخر هذه الدعاوى.

ويجادلون عن هذه الشبهة جدالاً شديداً، ولكنهم يتهربون من السؤال المحرج الخطير: لماذا بعد كل هذه العقود من المذلة لم تعدوا شيئاً؟ ومتى سينتهى هذا الإعداد؟ ولا جواب عندهم لأن الإعداد عندهم لا نهاية لمدته. قال الله تعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) [التوبة 46].

وليتهم حتى أصلحوا عقائد الناس ، وبينوا لهم عقيدة التوحيد الصافية كما أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وكما نقلها السلف الصالح، ولكنهم -وللأسف- يبدون بعضها ويخفون كثيراً منها.

فجل كلامهم في التوحيد ينصب على العامة والضعفاء، أما خروج الحكام الطواغيت عن الإسلام وموالاتهم لليهود والنصارى فلا يتطرقون إليه.

ومن العجب أن بلاد الإسلام واقعة تحت النفوذ الأجنبي منذ عقود، وليس الوجود العسكري الاحتلالي الصليبي الحالي نتيجة مفاجأة أو انقلاب طارئ في السياسة الدولية، بل هو ثمرة سياسة مستمرة من التبعية للغرب تمتد لما يزيد عن مائة عام، ومع ذلك لم نسمع من هؤلاء عن هذه المصيبة شيئاً إلا نادراً وبإشارات عابرة وبعيدة.

وتارة يشغبون بقولهم إن المجاهدين لا يقدرون المصالح والمفاسد، وأن ما جلبوه من المفاسد أكثر مما حققوه من المصالح، ولكنهم لا يجيبون على السؤال المحرج: حسناً، وما هو الأسلوب الجهادي الذي تقترحونه والذي يحقق المصالح ويتجنب المفاسد؟ والجواب عندهم هو: ترك الجهاد.

وإذا سألتهم: لو فرضنا أن المجاهدين لم يقوموا بواجبهم، وانضموا إلى صفكم؛ صف القاعدين التاركين للجهاد تحت شتى المبررات، فهل كان أعداء الأمة سيتوقفون عن عدوانهم؟ وهل كان الفساد والإفساد سينحسر؟ وهل كان اليهود سيرحلون عن فلسطين؟ وهل كانت إسرائيل ستكف عن مخططها لتهويد فلسطين وهدم المسجد الأقصى والسعى لإقامة إسرائيل الكبرى؟ وهل كان العلمانيون سيكفون عن زيغهم وتضليلهم؟ وهل كان مروجو الفاحشة سيتوبون ويتعففون؟ وهل كان الطواغيت الحاكمون سيتركون كراسيهم ويفتحون أبواب السجون ويكفون جلاديهم عن تعذيب شعوبهم؟ وهل وهل وهل؟

ثم يضيفون إلى هذه الشبهات مزيداً من السحب والحجب، فيخاطبون الشباب بقولهم: لماذا لا تنشغلون بطلب العلم؟ لماذا لا تنشغلون بمحاورة الكفار ومجادلتهم؟ لماذا لا تنشغلون بإنشاء المدارس ورعاية الأيتام ومداواة المرضى؟ لماذا لا تنشغلون بالدعوة إلى العقيدة الصحيحة؟ وليتهم صدقوا في دعوتهم لتصحيح العقيدة. وحقيقة دعوتهم هي: لماذا لاتنشغلون عن الجهاد؟؟

إنه مرض فقدان المناعة العقائدي الفكري، فلنحذره أشد الحذر، فإن عاقبته الضياع والخسران والذل والاستسلام.

وحاصل دعوتهم تثبيط المجاهدين عن الجهاد، وإخلاء الميدان من الشباب المجاهد حتى يأمن الغزاة المعتدين من أية مقاومة أو تدافع، ولذلك فإن أعداء الإسلام ينظرون إليهم في رضا ويشيرون على حكوماتهم بإفساح المجال لهم.

3- دعاة التصالح الموهوم:

والفئة الثالثة من الفئات المنحرفة عن منهج الولاء والبراء هي الفئة التي تدعو إلى التصالح مع الحكومات الخارجة على الشريعة لمقاومة أعداء الأمة.

وملخص منطقهم : نتعاون مع اللص من أجل استعادة ما سرقه منا، ونتصالح مع الفاجر من أجل الحفاظ على الأعراض التي انتهكها، ولو طردوا قاعدتهم لقالوا: نتصالح مع اليهود والنصارى حتى نقنعهم بالخروج من بلادنا ويرحلوا في سلام عنا؟؟ ويطالبوننا بأن نكذب الواقع المشاهد ونصدق هذه الأوهام.

وحاصل دعوة هؤلاء -أيضاً- هو كف المقاومة عن العدو الأساسي للأمة، وتسليم قياد المجاهدين إلى الخونة الذين يطفح تاريخهم بالجرائم ضد الإسلام، والذين لم يدافعوا عن فلسطين يوماً، ولم يألوا جهداً في الاعتراف بإسرائيل، وفتح بلادنا للقوات الصليبية.

5- مجاهدو أمريكا:

والفئة الرابعة من الفئات المنحرفة عن عقيدة الولاء والبراء في هذا الزمان هم بعض الجماعات والقيادات المنتسبين للجهاد في أفغانستان، الذين والوا الأمريكان ومنهم من كان يشار إليه بالبنان، تحرسهم قوات حفظ السلام الدولية تحت علم الأمم المتحدة، وتحيط بهم القوات الأمريكية، وتظلهم القاذفات الأمريكية، وهم مسرورون على ما نالوه من فتات السلطة على أشلاء شعبهم ودماء المجاهدين!!

قال الله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم، فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم، أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم، ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصادقين ونبلو أخباركم) [محمد 22- 31].


بسم الله الرحمن الرحيم

---

الخاتمة

---

وفي ختام هذه الصفحات نود أن نؤكد على عدد من المعاني الخطيرة:

1- إن موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين ركن خطير في عقيدة المسلم، لا يتم إيمانه إلا به. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [المائدة 51].

ومعاداة الكافرين التي هي ركن الإيمان بالله لا تتم إلا بالكفر بالطاغوت، قال تعالى: (ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) [البقرة 256]، وقال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً) [النساء 60]، فلا بد لنا من مفاصلة الطواغيت وأعوانهم والتبرؤ منهم (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده..) [الممتحنة 4].

2- إن التفريط في هذا الركن الأساسي هو الثغرة التي ينفذ منها أعداء الإسلام للقضاء على الأمة المسلمة ولخداعها وتخديرها وتوريطها في الكوارث والمصائب. قال الله تعالى: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلى خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين) [التوبة 47].

3- إن التفريط في هذا الركن الأساسي يؤدي إلى انحلال عقيدة المسلم، وانسلاخه منها. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين) [آل عمران 149]. 

4- إننا أحوج ما نكون إلى التفريق بين أولياء الإسلام الذين يدافعون عنه، وبين أعدائه الذين يعتدون عليه، وبين المذبذبين الذين لا يعملون إلا لتحقيق مصالحهم بتوهين مقاومة الأمة وصرفها عن الميدان الحقيقي للمواجهة. قال الله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) [المنافقون 4]، وقال أيضاً عز من قائل: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً) [النساء 143].

5- كيف يمكن لنا أن نقبل الدعوات الرامية إلى إخلاء الميدان أمام أعداء الأمة المسلمة؟ كيف يمكن  أن نسكت عن سعيهم في حرمان المسلمين من حق مقاومة أعدائهم؟ وهو الحق الذي يمارسه كل البشر، كيف يمكن أن نسكت عن تثبيطهم والأمة تملك هذا المدد الهائل من الإمكانات والمجاهدين الصادقين؟ كيف يمكن أن نسمح لهذه الدعوات أن تسري بيننا وقد تعدى المجرمون علينا بكافة أنواع التعدي؟ ولم يرقبوا فينا حرمة ولا خلقاً ولا إلاً ولا ذمة؟

إن أي مسلم حريص على انتصار الإسلام لا يمكن أن يقبل أي نداء إلى إيقاف الجهاد أو تعطيله، أو صرف الأمة عنه، رغم وجود كل هذه الإمكانيات التي أشرنا إليها، وفي الوقت الذي ينهش أعداؤنا كل يوم في مقدساتنا وحرماتنا وثرواتنا. قال الله تعالى: (لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة وأولئك هم المعتدون) [التوبة 10]. عن ابن عمر –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" رواه أحمد وأبو داود.

6- ولا نكتفي –فقط- برفض أية دعوة لإيقاف الجهاد بل إننا ندعو الأمة بجميع طوائفها وشرائحها وفئاتها إلى الانضمام لقافلة الجهاد والسير في طريقه، والتنافس في القيام به والنكاية في أعدائها. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين) [الصف 10- 13].

7- كما إننا نمد أيدينا لكل مسلم حريص على انتصار الإسلام حتى يشاركنا في خطة عمل -لإنقاذ الأمة من واقعها الأليم- ترتكز على البراءة من الطواغيت ومعاداة الكافرين وموالاة المؤمنين والجهاد في سبيل الله. خطة عمل يتنافس فيها كل حريص على الإسلام على البذل والعطاء من أجل تحرير أراضي المسلمين وسيادة الإسلام في دياره ثم نشر دعوته بين العالمين.

8- إننا نحذر أمتنا من السلبية والتغافل عن الأخطار الجاثمة فوق صدورنا، إن الآلة العسكرية الصليبية اليهودية تحتل القدس الشريف، وتجثم على بعد تسعين كيلومتراً من الحرم المكي، وتحاصر العالم الإسلامي بسلسلة من القواعد والجيوش والأساطيل. وتدير عدوانها عبر شبكة من الحكام المستسلمين.

ونحن لا نريد أن نعيش في كوكب آخر ونتصرف وكأن الخطر على بعد ألف سنة منا، إننا قد نفتح عيوننا -في أي صباح- لنجد الدبابات اليهودية التي تهدم البيوت في غزة وجنين تحاصرمنازلنا.

إن الحملة على العراق لها ما بعدها، وإن قتل أبي علي الحارثي بالصواريخ الأمريكية في اليمن نذير لنا بأن النمط الإسرائيلي في قتل المجاهدين في فلسطين قد انتقل إلى العالم العربي، وكل منا قد يكون غداً هدفاً لصاروخ أمريكي، وأصبع الاتهام الأمريكي لن يفلت منه أي داعية مخلص أو كاتب شريف. 

إن علينا أن نتحرك وبسرعة، وكفى ما ضاع من أوقات.

والشباب المسلم عليه ألا ينتظر إذناً من أحد، فإن جهاد الأمريكان واليهود وحلفائهم من المنافقين المرتدين قد صار فرضاً عينياً كما بينا، وعلى كل مجموعة من الشباب أن تحمل هم أمتها وتخطط لرد العدوان عنها. علينا أن نشعل أرضنا ناراً تحت أقدام الغزاة فلن يرحلوا بغير ذلك.

9- وختاماً ندعو أمتنا المسلمة وخاصة شبابها المجاهد إلى الصبر واليقين، الصبر على القيام بأعباء الدين وخاصة ذروة سنامه؛ الجهاد في سبيل الله، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) [آل عمران 200]، واليقين بوعد الله سبحانه، قال الله تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) [المجادلة 21]. أخرج مسلم عن عقبة بن عامر –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك".

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله علي سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

    

      أيمن الظواهري

شوال 1423هـ ديسمبر 2002