26 مارس 2005

 

 

خصوصية أم إرهاب مرضي عنه؟؟؟

وجيـهة الحويــدر

 

المجتمعات العربية "المحافظة" التي تتبجح بخصوصيتها، تظل تتستر على إرهاب المنازل بصورة مقننة ومدروسة، وتواري عنف وجرائم أفرادها خاصة الذكور منهم، لذلك من النادر جدا أن نسمع عنهم في وسائل الإعلام. لكن عندما يخرج ذاك العنف من قمقمه كالمارد المتوحش، ويمس عروش السلطة ورموزها، حينها تصنف زمرته في خانة الإرهابيين والمجرمين المحترفين، ويشهّر بهم في جميع وسائل الإعلام، وتُشن عليهم دون هوادة حملات شرسة، لمحاربتهم والتخلص منهم بشتى السبل. بينما العنف المنزلي وتبعاته الوخيمة والذي يحدث على مدار الساعة منذ عقود طويلة، يُعزز بإدراجه تحت قائمة الخصوصية، وحرمة البيوت، وستر المحارم. في معظم الحالات يظل ذلك الصنف من الإرهاب مسكوت عنه ومرضي عن مرتكبيه.

 

في صبيحة الثالث والعشرين من الشهر الحالي، فجعتنا صحيفة "ارب نيوز" بجريمة حدثت في الرياض، يندى لها الجبين من هولها وبشاعة مرتكبها. الجريمة اُرتكبت في حق عاملة منزل اندونيسية تُدعى "نور مياتي" تبلغ من العمر 25 عاما.حيث قام كفيلها السعودي بضربها وتكسير أسنانها، وتهشيم وجهها مما أدى ذلك إلى إصابتها بعاهة في العين قد تفقد على إثرها البصر. لم يكتف ذاك المجرم السعودي بفعلته، بل قام بربطها في حمام لمدة شهر كامل، حتى بدأت أطراف تلك المسكينة تذبل وتسوّد وتموت بسبب القيود وبطء الحركة الدموية فيها، بعدها أخذها كفيلها ورمى بها في اقرب مستشفى. تمكنت إحدى الممرضات المشرفات على حالتها من إيصال خبر "نور" إلى الإعلام والجهات الرسمية والسفارة الاندونيسية، ومن ثم تشكلت لجنة تحقيق لمتابعة القضية. العاملة "نور" الآن في حالة صعبة وتحتاج إلى عمليات بتر لأصابع يديها وقدميها من اجل إبقاءها على قيد الحياة.

 

الجدير بالذكر قبل تلك الجريمة الشنعاء بشهور قليلة، أصدرت الحكومة الاندونيسية قانونا يمنع إرسال عاملات منازل إلى السعودية، بسبب غياب القوانين التي تحميهن حين يتعرضن لانتهاكات من ضرب واغتصاب وتجويع وحرمان من ابسط سبل العيش.الحكومة الاندونيسية ومن قبلها الفلبينية اتخذت نفس الإجراءات وطالبت الحكومة السعودية بتحسين أوضاع عاملات المنازل، وتعديل رواتبهن، وحمايتهن من شرور كافليهن السعوديين، لكن لم يكن هناك ثمة صدى لتلك المطالب. والمحزن في الأمر أن نساء فيتنام سيتم قريبا ضمهن إلى قافلة الإناث المعذبات على هذه الأرض، فمؤخرا فتحت فيتنام الأبواب على مصراعيها لإرسال نساءها إلى جحيم بيوت السعوديين.

 

في آخر تقرير "امنستي انترناشونال" عن وضع العمالة الوافدة في السعودية (التي تشكل تقريبا 25 في المائة من اليد العاملة هناك) كانت النتائج مخزية ومخجلة للغاية، حيث كشف التقرير عن انتهاكات صارخة اُرتكبت ضد عاملات المنازل والعمال. أيضا التقرير فضح بعض الجهات الأمنية ومخافر الشرطة التي كانت تتواطأ مع الكفيل السعودي ضد المكفول. صدر تقرير "امنستي" في آذار (مارس) من العام المنصرم، وقد اغضب السلطات السعودية وعلى وجه الخصوص وزير العمل الدكتور غازي القصيبي الذي دافع ببسالة عن وزارته المرتبكة، وقام الأعلام السعودي في الداخل والخارج بحملة غاضبة ضد ما اُعتبر تشويها لصورة بلد مهبط الإسلام. وعلى اثر ذلك قامت الحكومة السعودية بإنشاء لجنة خاصة للنظر في الاتهامات، لكن لم يتابع الأعلام التطورات، ربما لأن الملفات أقفلت ضد مجهول.

 

حكاية "نور" ليست حالة فريدة في السعودية وليست بغريبة تماما على مجتمعاتنا العربية. الجرائم التي تُرتكب في حق الطبقة العاملة الأجنبية كثيرة وان كانت لا تُسجل بإحصائيات رسمية. ففي دول مثل اليمن ومصر وسوريا والأردن ولبنان ودول شمال أفريقيا، معظم عاملات المنازل يكن صغيرات السن (أعمارهن تتراوح بين 10 سنوات و 12 سنة) حيث يجلبن من القرى والأرياف ويعاملن كالإماء، وهذا فيه انتهاك سافر لحقوق الطفل. في المغرب على سبيل المثال تصل نسبة الأطفال العاملين إلى 80 في المائة بين ذكور وإناث. أما في دول الخليج فغالبية إماء المنازل (أعمارهن بين 14 و40 سنة) يجلبن من الدول الأسيوية الفقيرة مثل اندونيسيا والهند وسيريلانكا والفلبين. معظمهن يسجن في البيوت ويحرمن من التواصل بلغتهن مع الآخرين.

 

الدول العربية لا تحتاج إلى حصيف أو مؤسسات دولية للكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان فيها وبالذات في حق الطبقات المستضعفة. فالحكومات العربية التي تزعم إنها ارتدت لباس الديمقراطية وعدلت دساتيرها، أو التي تحاول بسماجة أن تفصل مشالح الديمقراطية على حسب مقاسها، مازالت تضطهد الطبقات البسيطة العاملة وتهضم حقوقها وعلى وجه الخصوص حكومات دول الخليج. فحين يتجول المرء في أي مدينة خليجية سيجد العمال الأسيويين وهم ذاهبون إلى أعمالهم، يكدسون كالبهائم في شاحنات مخصصة للبضائع وليست للبشر. شاحنات قديمة مكشوفة لا تحمي من برد الشتاء، ولا تقي من حرارة الصيف. كل وزير عمل خليجي يجب أن يُحمّل المسؤولية عن هذه الانتهاكات ويُحاسب عليها، لأنه يرى بأم عينه يوميا هذه السلوكيات المناقضة لحقوق الإنسان، ويغض الطرف عنها وكأنه لم يرَ شيئا.

 

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فحين قارن الكاتب جمال جمعة في مقاله "قرود الجزيرة العربية" بين نمط حياة قرود الجزيرة العربية وأهلها (الجزيرة العربية تشمل جميع دول مجلس التعاون بالإضافة إلى اليمن) حسبه الدكتور صالح بن سبعان تعديا على اهل الجزيرة، مما دفع الدكتور للتحسس من الطرح، مع أن الأستاذ جمعة كان موضوعيا وعقلانيا في مقاله حيث ألحقه بمراجع موثقة. وبنظرة صريحة، وبعيدا عن المشاعر القبلية والكرامة العربية، للأمانة قرود الجزيرة العربية أحسن حالا وتعاملا مع بعضها البعض من أهلها، فالقرود لا تظلم ولا تقتل ولا تعذب ولا تفجر بني جنسها. أيضا القرود تحترم إناثها وتعطف على صغارها وتحمي ضعفاءها... يا ليت أهل الجزيرة العربية يتعلمون شيئا من قرودها.. ربما حينها لن نسمع بمجرم من ذكور الجزيرة العربية كالكويتي عدنان عبد الله العنزي الذي لمجرد أن شكا في سلوكيات ابنته ذات 13 عاما، ربطها وغطّى عينيها، وامسك بعنقها وفصل رأسها عن جسدها وإخوتها الصغار يشاهدون ذاك المنظر المخيف وهو يزعق كالوحش الكاسر في وجهها "تشهدي ...تشهدي.." فخضبها بدمائها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة كانت تردد بصوت ضعيف شاحب "انك تؤلمني يا والدي...انك تؤلمني يا والدي..."

 

للتعليق على هذا الموضوع