25 أبريل 2005

 

 

لقاء بين سؤال وإجابة!

وجيهة الحويدر

 

حيرة السؤال وجِدت قبل أن يعرف هذا العالم أي معنى ليقين الإجابة، وقبل أن يتعرف احد على عقلانية التفسير وموضوعيته. هنا وهناك كان وربما ما زال يطرح السؤال نفسه بعشوائية هوجاء ليحرك السواد في وجود تكاد تنعدم فيه روعة الدهشة ونشوة الارتباك. بين الفينة والأخرى تلقي أمواج الشكوك المتأججة بالسؤال على مرافئ نائية لكنها بكر غضة، لم تلامسها قط ذاكرة فطنة، ولم يجرؤ على محاورتها عقل متقد.

 

في يوم من الأيام العجاف، وما أكثرها في هذا الزمان الأغبر، كانت قلة الحيلة تنخر في ذهن السؤال حتى أعيى مداركه ضيق الأفق. شعر السؤال بضجيج وقلق.. وصخب يأبى أن يكف عن الطرق. حينها أحس السؤال بحنين للإجابة، عشيقته ورفيقة دربه الطويل الشائك..

تلك الرفيقة النضرة التي فرضها عليه القدر ورضي هو بها، فحيّاها قلبه وأصّـرت روحه على الالتئام معها إلى الأبد. هبّ السؤال مسرعا يفتش عن حبيبته الإجابة بين السطور وعند محطات الورق.. وبعد بحث طويل وشاق وجد الإجابة مستلقية بروية ومتحلية بسكينة تقطن معها بإقامة دائمة.. حيث كان يصاحبها هدوء لم تلحق به قط عاصفة.. فالإجابة كعادتها كانت هناك مفترشة أحضان اليقين.. ترتشف كل ساعة من نبيذ الحقائق الصافي المقطر.. أتى السؤال متلهفا إلى حبيبته الإجابة لتشفي غليله الدفين..فعانقها بشوق  شديد وشغف.. لكن الضجر كان معه وسمات الغبن والاستياء بدأت تقضم صوته المغبون وهو يردد بحزن "لا بد أن نهاجر يا حبيبتي.. لا بد أن نهاجر.. ونبرح هذا المكان فإن الحظ صار معهم.. انه معهم... بالتأكيد هو معهم.. لذلك لا بد أن نهاجر بأسرع وقت ممكن". ارتعشت الإجابة من يأس حبيبها السؤال ومن وجهه الشاحب.. وكلامه غير المبرر.. فلمّته بحميمية وهي تربت بيديها الحالمتين على ظهره.. وتهمس في إذنيه برقة ونعومة عذبة "هوّن من روعك يا حبيبي.. هون من روعك.. واسترح". لم يستطع السؤال أن يتمالك نَفسَهُ ولا أن يخفي تقاسيم خيبة الأمل التي خيّمت على معالمه.. فقال ونبراته تكاد تفر من حنجرته "صدقيني يا حبيبتي الإجابة... صدقيني إن الزمن والحظ صارا حليفين دائمين لهم.. لم يعد لنا مكان في هذا العالم.. صادروا الفرص وزوّروا المعرفة وخنقوا الفكر واختطفوا العقول واستعمروا النفوس.. لم يتبق لنا سوى أن نلم أمتعتنا ونرحل..".  سكت السؤال وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه المنهكة بصعوبة واضحة.. ومن ثم سحب نفسه لينهي عناقه مع رفيقة العمر والعبرة تكاد تخنقه.. بعدها تابع القول "يا حبيبتي إن الأرض صارت ملكهم..السلطة المطلقة بين أيديهم..يَعلون ولا يُعلى عليهم...صاروا يأمرون وينهون.. يُحيون ويُميتون.. يَعفون ويعاقِبون... يرزقون ويحرمون.. يُعزّون ويُذلُون.. يُبيحون ويَحرمون.. وان لم نكن معهم ناصبونا العداء واعتبرونا ضدهم.. هل تريديني أن أكمل؟؟" الإجابة تراجعت بدورها للوراء ووجهها يعج بكل علامات الاستفهام والتعجب.. تود أن تجد معنى لما يقوله السؤال وتحاول أن تمسك بأي خيط يوصلها لشيء ذي دلالة ويكون مفهوماً وسهل الهضم.. بخفة الإجابة المعهودة التي لا تترك أبدا ساحة للحيرة لكي تحل عندها.. نفضت عنها غبار المبهم فبادرت السؤال بطرحها قائلة "اخبرني.. يا حبيبي.. الزمن تحالف مع مَن..؟؟ من هم هؤلاء الذين تصفهم؟؟" لم يتمالك السؤال نفسه فقد فلَت منه الزمام وضاعت من عنده مفاتيح التحكم فرفع صوته قائلا "حبيبتي... كيف تسأليني من هم الذين تحالف الزمن والحظ معهم...؟؟ انظري حولك وستجدينهم في كل مكان نتن وفي كل زاوية فيها عفن...أنهم متواجدون في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب.. يتوالدون ويتكاثرون كدود هذه الأرض.. إنهم متطرّفو هذا العالم والمتشدّدون فيه من جميع الأطياف والمشارب من اليسار واليمين.. هم أشراره ومجرموه وسفّاحوه وجلاوه... هم الذين يريدون أن يسيّرون دفة الكون حسب أهوائهم وكيفما يتوافق مع مصالحهم... إنهم يرفعون كل يوم رايات برّاقة تحمل شعارات رنانة لكنها لا تغني ولا تسمن من جوع... يتاجرون بكل القيم والمبادئ... ويرخصون بكل الأرواح لأنهم دائما يرون أنفسهم الأحق والأصوب"..

 

سكت السؤال فجأة وخيّم صمت مرتبك واخذ الوجوم يحوم في المكان ثم عاد السؤال يتساءل والخوف يقطر من عينيه "حبيبتي اصدقيني القول أرجوك... يقال البقاء للأصلح.. واليوم لا نرى سوى الشر.. الخراب واقصاء الآخر هو السائد.. هل الفكر المتطرف هو الأصلح لهذا

العالم..؟؟ اهو الأصلح بالفعل؟؟؟" فجعت الإجابة من حبيبها ومن ارتيابه في أمر مثل هذا مما جعلها تتكور وتذبل... تود ان تصرخ بصوت عال "لا بالطبع لا..لأن فيه دماراً للانسانية .. وحياة بلا انسانية تحول ارواح البشر برخص التراب والحجر". لكن الإجابة لم تحرك بنت شفة لتجيبه.. هذه هي المرة الأولى منذ دهور.. الإجابة تكاد تشك والسؤال يكاد يتيقن...

 

salamhatim20002@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع