5 مايو 2006 

 

 

 

 

ضرب من السيره الفردانيه ام تخليد لتهميش جماعي:

نقد لمجموعة قصص "نضوج" للكاتب اياد البرغوثي.

وائل ابو عقصه (*)

 

بوعي جغرافي جامح لمدن الشام التاريخيه وبوعي ثقافي متجذر ومثير يكتب إياد برغوثي مجموعة قصص اشبه بسيره ذاتيه متقطعه تتحدث عن تجاربه الغراميه والحياتيه التي يجمعها تحت عنوان واحد يسميه "نضوج".

المدينه والمدنيه بمفهومها الحديثه تلعب في هذه المجموعه دوراً يعكس واقعاً مميزاً وربما إستثنائياً في السياق الأدبي العربي العام; فالمدينه في هذا الكتاب لم تلعب الدور المألوف لدى الكثيرين من الكتاب العرب بكونها وطناً عضوياً مسلوباً يحنّ اليه الكاتب ويشتاق بنبرات رومانسيه لا تتعدى كينونتها ولم تلعب كذلك نزعه مألوفه أخرى تتمثل بإرادة جامحه لتغيير واقع اجتماعي متهافت في أهليته الخانقه للحريه التي غالباً ما تنتهي بهجرة ذلك المثقف من مدينه "تتمزق على الجسد القديم" عل حد قول ادونيس. فالمدينه في هذه المجموعه تعكس هاجساً جماعياً متجذرّاً بالواقع الإبداعي لفلسطينيي الداخل. فهي عند هؤلاء تلعب دور الإغتراب والمبتغى في آن، مغايره تنعكس على ادوار ابطال هذه القصص بشكلها الخاص والمميز لهذه الأقليه.

تتمثل رحلة الكاتب ببحثه وراء مكان للعيش وبالتساؤل "اين سنسكن؟" فهو يحب المدن الكبيره لكنه مسجون في هذه البلاد الضيقه. فالهجره استفزاز لمثالية الباقي والصامد والمستمر وهروب غير مضمون، والبقاء استسلام لضباب الأفق وأسئلة التناقض اللانهائيه". فإذا كانت القرى العربيه او "قرية أهله" لا تتعدى بنظره "هامش حزين وبائس تحولت مثلها كباقي القرى القليله التي بقيت في الجليل الى فندق للفلاحين الذين تحولوا الى عمال بنوا المدن اليهوديه على أراضيهم المصادره". وإذا كان المبتغى مدينه فهو بالضروره لا يتمثل بالمدينه العربيه الموجوده. فـ"الناصره اكبر مدينه عربيه في البلاد، ليست مدينة". وعندما "لم تعد الناصره ناصره" قرر الكاتب هجرة هذه المدينه التي ليست بمدينه بحثاً عن مدينه تلائمه. لكنه سرعان ما يدرك بأن كل المدن العربيه في هذه البلاد تعيش حالة اضطراب قد افقدتها بكارتها المدنيه. فـ"القدس مسجونه داخل سورها ممنوعه من زيارة رام الله الثائره الجريحه خلف الحاجز وبعيدة عن الناصره المعزوله". وبوعي مجروح لواقع متصدع تخترقه واقعية الإحتلال والإستيطان يفهم الكاتب بأن المدينه الوحيده المتاحه أمامه هي مدينة "الآخر" اليهودي بحيث يسافر مضطراً للسكن فيها.

لكن أمله البائس سرعان ما يزيده احباطاً: فهذه المدينه القريبه جغرافياً منه والبعيده ثقافياً عنه والتي لعبت دوراً رئيسياً في وعيه الفلسطيني المقهور سرعان ما تتعرى مدنيتها المصبوه في خياله لتصبح مدينة "الآخر" اليهودي المطلق. فهكذا تصبح تل ابيب "مدينه مستنفره لتشتري كل شيء تحتاجه للسبت". وحتى عندما يتحدث الكاتب عن معارض الجمال الرسم والفن التي استمتع برؤيتها في أحد شوارع المدينه فلا تفوته الممثله التي "لا تتحرك الا برنة الشيكل". هكذا لا يلبث الكاتب الا ان يرى هذه المدينه من خلال سبتها اليهودي وإستهلاكها الرأسمالي المثير لإشمئزازه الذي سرعان ما يترجم بوعيه لروح عدائيه. فهي بسكانها المتمثلين بركاب الحافله "ينظرون اليه بخوف وإستغراب حين يجيب بالعربيه على مكالماته" وهو العربي الذي يبحث عن عمل بلا جدوى في "عشرات الشركات التي تبحث عن موظفين عرب" ليشعر في النهايه بأن تللك المدينه تشاركه العداء, فعندما "نظر الى مصاريع الشبابيك البيضاء المغلقه شعر انها أغلقت أمامه هو".

في هذه المراحل يتخذ تصور المدينه وبالتالي مدنيتها عند هذا المثقف منحنى من نوع آخر. فهو الآن الفلسطيني الذي ييبحث عن عمل في هامش هذه المدينه وهو المقهور والمحبط في ظل المدينه الماديه والإستهلاكيه المعاديه له ولأصالته والتي سمى سكانها ب"الحكام الجدد". فالعرب من الآن في نظره هم "المضطهدين" عند فرانس فانون وبالتالي هم بالضروره "ناس ُسمُر" او "الناس السُمُر الطيبين". ففي هذه الحاله تنقلب المعاني على نفسها لتأخذ ثنائيات منتشره في الأدب العالم ثالثوي المتعامل مع "الآخر" الأوروبي عادةً وتُسبغ هذه العلاقه بمصطلحات المستعمِر والمستعمَر, الأبيض والأسود. ومن هنا لم تكن الطريق طويله لأدلجة ومن ثم جنسنة العلاقه بين لأنسان والعالم وبشكل خاص بين المثقف المهزوم والمتروبولين القاهر .

هذا ما يحدث عند لقائه بفتاه يهوديه في مقهى "اليسار المثقف" فعندما يدرك بأن تللك "الراقصه" التي "ظن انها عربيه " بأنها تنتمي لذلك "الآخر" فهي توحي له بشكل مباشر "كل شيء اسمه رغبه". ولأنه محبط نفسياً ومهزوم ثقافياً كان هذه المرة يشعر بأشد الحاجه لإثبات رجولته والأنتقام لها. فهذه الرغبه سرعان ما تتجلي بالرد الجنسي اي المضاجعه التي ينطبق عليها مقولة جورج طرابيشي "هذه امرأه اذا ركبتها فقد ركبت أمه بكاملها". وعندما ينتصر البطل في هذه المراهنه الذاتيه الغيرمتكافئه يستفيق من نومه "ويراها تنام عل صدره" فيتركها ويقول "لا مستقبل للرمادي".

فرمادية تللك الراقصه تتمثل "بغرابتها" وبهويتها المشوهه "الأرابسكيه" بنظره والتي "هجرت اصالتها" العربيه. فهي كانت "عراقية الأصل تبحث دون كلل عن العربيه والشرقيه التي فيها...عبر الموسيقى العربيه الكلاسيكيه التي كان أبوها يسمعها" وسرعان مايتوج ذللك الموقف الطهراني بذهنه ليكون "أغرب تجربه خاضها".

ففي هذا الوضع البائس لا يكاد يسمع بطل القصه عن حادثه قد وقعت مع اهله في البلده حتى يهجر تللك المدينه و"لو مشياً على الأقدام" وعند اتخاذه لهذا القرار المصيري فقد "نظر حوله ولم تكن يافا ولا الناس سمر ولا رائحة الريح خبز ولا ملح... كانوا يمشون حوله والليل لم يكن يعرفه والشارع كان اطول من مشيته بكثير".

بأسئله مفتوحه عن مفهوم الذات والآخر وبرومانسيه صارخه ومهزومه تكون نهاية رحلة المدينه بمخيلة الكاتب وبأسطر هذا الكتاب. فهل كانت هذه الرده عبارعن طردٌ لا رجعه عنه للمدينه الحديثه وبالتالي تخليداً للهامشيه؟ ام مجرد صرخه من صرخات هذا الفلسطيني المتراميه عل عتبة 58 سنه من التهميش؟

wael-a@gmx.net

* كاتب عربي من الجليل

 

للتعليق على هذا الموضوع