28 اكتوبر 2005

 

حمّى تحقيق ومعرفة وحقيقة بعد احتفال في معرض تشييع

وضاح شرارة

 

 

 

لا يخلو القول الآتي (قولي الآتي) من بذاءة: كنا، نحن اللبنانيين، مشدودين الى تقرير ميليس، المحقق الدولي المستقل في اغتيال رفيق الحريري، والى اذاعته وقراءته، انشدادنا الى حلقة حاسمة من حلقات مسلسل تلفزيوني بوليسي، أو انشداد آبائنا وأجدادنا الى فصل من فصول القصص البطولي و التاريخي الذي كان يرويه على مسامعهم محترف الرواية والقص والحكي. وأعتذر لكم ولي عن البذاءة التي مرت، على مثال المستغفر عن قول قاله، وحمله على قوله داعٍ يظن فيه الظنون ولا يجلو ظنونه تهمة). وقد ننسب فضولنا، وتعليقنا مشاغل كثيرة على انتظارنا المحموم، الى رغبتنا في الحقيقة، وإرادتنا المعرفة. ولكننا لا نكاد نعلن المسوغ هذا لأنفسنا حتى ينكمش ويذوي.

 

فالمعرفة والحقيقة اللتان تبعثان الهوى العكر الذي بعثه فينا انتظار قَصَصَ المحقق الألماني وفريقه، ليستا من الصنف البلوري الذي نتصور المعرفة والحقيقة على مثاله. فالجواب عمن قتل، وقبله عمن أراد القتل، وقبله عن الداعي الى إرادة القتل، هذا الجواب يستجيب ما نجهله من أنفسنا، ومن علاقتنا بالقتيل والقتلة المفترضين. وكأن ما نود أن يتجلى عنه القصص القضائي من تشخيص، لا يقبل الظن والشك، لـ طبائع الغدر والاستبداد وجزاء المعروف والإنعام نكراناً وازدراءً، قد يكون دواء ناجعاً وخفياً لطبائع فينا تشبه طبائعهم.

 

أفلم يستسلم القتيل لقتلته، مثلنا؟ أولم يستسغ بعض الشيء، أو كثيراً، التباس ما بينه (وبيننا) وبينهم، فحمله على الرحِم والأخوة، وعلى توقع تنـزيـل العقل والثـوبـة إليه، مثلما حملنا وتوقعنا؟ ألم ينسَ كثيراً صفحات تاريخنا المشترك، وما خلفه تشاركنا ووَلَده من مسوخ تقضّ علينا نومنا ويقظتنا وما بينهما؟ ألم يدعُنا ملحاً الى مزج الآراء والسياسات والتوقعات والحسابات من غير تمييز ولا تبصر، فخلط الإعمار بتهور السلاح وصلفه، وبدا مصغـياً بأذن واحـدة وسواء الى مديح الحرب والدمار والموت والى مـديح الاستثمار والمستقبل ورغد العيش؟

 

فلما قُتل، أي قتلوه ونحن نعرف من قتله ولماذا قتلوه، ليس استدلالاً بالبينات المعقولة والمنطقية (على ما نحسب) وحسب، بل استجابة لنداءات عميقة ومخنوقة تصدر عن قاع رغباتنا المتناقضة والمتدافعة في الأشياء ونقائضها وخلافها حسبنا أن ما حملنا رفيق الحريري عليه، وكنا سبقناه الى احتماله، حُلت عقدته، ولقي جزاءه الأليم والعادل والشافي. فكان تشييعه، في 14 آذار (مارس) العتيد، احتفالاً بتخففنا من رغباتنا المتناقضة والمتدافعة، وبتخلصنا من ركام الجبن والكذب والتشابه الذي أثقل علينا ورضخنا له. فحمَّلنا جثمانَه هذا كله، ومثله كثير. ورجونا أن يدفنه ويواريه أعماق الأرض والبحار لقاء وعد ألا نعود الى مثل هذا. ولقاء أن نولد أعزاء من غير صلف، وراشدين من غير تعنت، ومختلفين من غير اقتتال، ومجتمعين من غير ذوبان، ومتكاتفين من غير استتباع.

 

ولا ريب في أن مواطنينا الذين اجتمعوا قبل أسبوع من اجتماعنا، يسَّروا الأمر كثيراً علينــا. فحمــلوا، عنــا، وزر شطرنا الذي أردنا التخفف منـــه، وشيعناه مع شهيدنا. واستعادوا، طوعاً وصادقين، السبب فيما شاب علاقتنا بالرجل من قلق واضطراب. وجددوا عقدهم و(مع) الامتثال والرحــم والنسيان والمزيج والمديح. فسوغت استعادتهــم، مــن غيـــر خجل، ما كنا نخجل به ونستحـــي مــــن قبــول صاحبنـا حمله علـى مضــض (كنا نرجو)، انسلالَنا منه، وجعـــلـــه وراء ظهرنـــا. فكــان مواطنونــا ومخالفونا، المقيمون على وفائهم، برهاننا على براءتنا من الاختلاط والاشتباه المنصرمين. وكانوا البرهان، وهم ارتضوا استظلال علمنا الوطني، على أن الشطر الذي أنكرناه من صاحبنا، ومن أنفسنا أولاً، تركنا أو تركناه.

 

وجاء الاحتفال في معرض التشييع، أو التشييع في معرض الاحتفال، غــداة تظاهرة الوفاء، جهراً بتحميل الضحية أوزار الصمت الثقيل الذي كبــل ترددنـا وتنازعنا الطويلين. واستعاد، مــن وجـــه آخر لازم الوجه الأول، الشطر البهي من الضحية. فكان الاحتفال وليمـــة وعهداً. فأولم المحتفلون لمن أخرجهم قتله من تسليمهم وكذبهم، وأودعوه ما آلمهم، وأبقوا منه ما تعاهدوا على سقيه ورعايته ووراثته. وهو سياقة تاريخ.

 

ونحن نستقبل، اليوم، التحقيق في اغتيال صاحبنا على نحو التفات المحموم الى منقلبه من هذيانه الى صحوه.

 

كاتب لبناني

 

الحياة

 

للتعليق على هذا الموضوع