25 فبراير 2006

 

 

 

 

بعد مظاهرات الرسوم: الفاتيكان يتّخذ مواقف متشددة تجاه الإسلام

" إذا كان علينا أن نقول للمسيحيين أنه لا توجد حرّية للإساءة للآخرين،

فإن علينا بالمقابل أن نقول للآخرين أنهم لا يتمتعون بحرية تدميرنا"

لاحظت جريدة "لوموند" الفرنسية، في مقال كتبه الصحفي المتخصّص بالشؤون الكنسيّة "هنري تانك"، أن المراقبين ربما كانوا تسرّعوا في الحديث عن تحالف بين الأديان ضد الإساءات للأنبياء نتيجة لقضية الرسوم المسيئة للنبي محمد. وتقول "لوموند" أن "هنالك تغيير في لهجة الكنائس، وخصوصاً في الفاتيكان، باتجاه اعتماد قدر أكبر من التشدّد إزاء الإسلام. وباتت المظاهرات الإسلامية التي جرت مؤخّراً تُعتَبَر ردّ فعل مبالغاً. كما يثير إغتيال كاهنين، أحدهما في تركيا والآخر في نيجيريا، إستياءً بالغاً. وقد تصاعد التوتّر في هذه الأوساط مع الهجمات المتكرّرة التي تعرّضت لها الكنائس (في تركيا والفيليبين) ومع الطابع الدرامي الذي اتّخذته أعمال الشغب بين المسيحيين والمسلمين في نيجيريا (80 قتيلاً).

 

"وهنالك إنطباع بأن مفهوم "الحوار" على قدم المساواة بين الأديان- الذي كان البعض، ومنذ مدة طويلة، يعتبره ساذجاً- بات من مخلّفات الماضي. فمنذ نشوب الأزمة الحالية، بات عدد من مسؤولي الكنيسة أقل تحرّجاً في التذكير بأن الحرية الدينية غير موجودة في البلدان الإسلامية، وأن حق تغيير الدين محظور في هذه البلدان، وأن المسيحيين العرب غالباً ما يتعرّضون لمعاملة سيّئة. وتشدّد هذه الأوساط المسيحية الآن على مبدأ "المعاملة بالمثل" في ما يتعلق باحترام المعتقدات الدينية.

 

وتحدّث البابا نفسه مؤخّراً عن مبدأ "المعاملة بالمثل". فقد أعلن، لمناسبة إستقباله السفيرَ الجديد للمغرب لدى الفاتيكان، السيّد علي عاشور، أن "عدم التسامح والعنف لا يمكن أن يُعتبرا ردّ فعل مُبرّراً على الإساءات"، وأن الجواب الوحيد المقبول يتمثّل في "إحترام معتقدات الآخرين وممارساتهم الدينية بحيث يتاح لكل فرد، وانطلاقاً من مبدأ المعاملة بالمثل، أن يمارس بكل حرية الدين الذي اختاره". وأدلى "سكرتير الدولة" (وزير الخارجية) في دولة الفاتيكان، الكاردينال أنجيلو سودانو بتصريح بنفس المعنى جاء فيه: "إذا كان علينا أن نقول لأهلنا (أي للمسيحيين) أنه لا توجد حرّية للإساءة إلى الآخرين، فإن علينا بالمقابل أن نقول للآخرين أنهم لا يتمتعون بحرية تدميرنا".

 

"حياد أعمى"

"ويتحدّث المونسنيور "رينو فيسيتشيللي"، عميد الجامعية البابوية في "لاتران"، بنفس اللهجة المتشدّدة. فقد ندّد، في مقال نشرته جريدة "كوريير ديلا سيرا" في 20 فبراير، بـ"الحياد الأعمى" للغرب إزاء أعمال العنف التي وقعت في الأيام الأخيرة. وأعلن أنه "كما نقوم نحن، في أوروبا، بحماية الأقليات المسلمة، فإنه يتوجّب على البلدان ذات الغالبية المسلمة أن تحمي أقلياتها المسيحية". وفي جريدة "لا ستامبا"، بتاريخ 22 فبراير، كتب المونسنيور "فيلازيو دو باوليس"، الذي يُعتَبَر مقرّباً من البابا، ليندّد بمخاوف الغرب إزاء الإسلام: "إذا كان إحترام الغير يعني التخلّي عما يعتبره المرء هويّته، فإن الحوار يصبح بدون معنى. إن المشكلة هي أن الإسلام مُقفَل إلى درجة أنه لا يقبل بمبدأ المعاملة بالمثل. وفي أرض الإسلام، فما أن تقدّم الكنيسة نفسها بصورتها الحقيقية، فإنها تُواجَه باتهامات التبشير".

 

"وقد انتقل هذا التفكير الجديد إلى حيّز التطبيق حينما اتخذ البابا، في 16 فبراير، قراراً بنقل الأب مايكل فيتزجيرالد (69 سنة، بريطاني الجنسية) الذي تخصّص في الحوار بين الأديان منذ سنوات عديدة من منصب رئيس المجلس البابوي للعلاقات مع الأديان غير المسيحية، إلى منصب مبعوث بابوي في القاهرة وموفد لدى الجامعة العربية. ومنذ انتخاب البابا "بونوا 16"، فإن هذا التغيير يُعتَبَر أهم تغيير تشهده الحكومة البابوية. وتتحدّث أوساط الكنيسة عن هذا التعيين كتعبير عن الرغبة في تقوية علاقات الفاتيكان بالدول العربية المعتدلة، ولكن الجميع يعرف أن الأب مايكل فيتزجيرالد لا يتَفق مع توجّهات فريق الكاردينال راتزينغر، الذي أصبح البابا "بونوا 16".

 

"إن إبعاد الأب فيتزجيرالد يظهر رغبة البابا الجديد في اعتماد منحىً أقل تفاؤلاً وأكثر واقعية في موضوع الحوار مع الإسلام. وقد ردّد البابا الجديد مراراً أنه يظل متمسّكاً بمقرّرات مؤتمر "الفاتيكان 2" لصالح الحوار بين الأديان. ولكن، ليس بأي شكل من الأشكال. فالإجراءات التي اتخذها ضد سلك الفرانسيسكان الأسّيزيين، الذين اعتبرهم متهاونين في لقاءاتهم مع ممثّلي الأديان الأخرى، تظهر أن أحد تمثّلات "الروحية الإسّيزية"، حسب تعبير استخدمه البابا "يوحنا بولس الثاني" للإشارة إلى الحوار المتساوي بين الأديان، قد انقضى أجله."

 

للتعليق على هذا الموضوع