4 يوليو 2005

 

 

 

مركز استخبارات فرنسي ـ أميركي يراقب المتطرفين بالعالم ونجح في اعتقال أخطر عناصر القاعدة الأوروبية

أخصائي معادن ألماني تحول إلى متطرف على يد رجل دين سعودي يطوف مساجد أوروبا

 

باريس: دانا بريست *
عندما
صعد كريستيان غانزارسكي، المواطن الالماني الذي اعتنق الاسلام، طائرة تابعة لشركة اير فرانس بمطار الرياض يوم 3 يونيو (حزيران) 2003، كان يعلم فقط ان الحكومة السعودية قد وضعته تحت الاقامة الجبرية بعد انتهاء صلاحية تأشيرة الحج التي كان يحملها وانها قدمت لأسرته تذاكر طائرة بدون عودة، الى ألمانيا، مع تغيير الطائرة في باريس.

لم يكن لديه أي علم بأن عميلا سريا يجلس خلفه او ان ضابطا كبيرا في وكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. ايه)، ينتظر في مطار فرنسي، حيث تمكنت السلطات الفرنسية، برفق من فصله عن أسرته وألقت القبض عليه، ولا يزال موجودا حتى اليوم قيد الاحتجاز الفرنسي بتهمة اقامة علاقة مع الارهابيين.

غانزارسكي هو واحد من اهم شخصيات القاعدة الاوروبيين الذين لا يزالون على قيد الحياة، طبقا لمسؤولين امنيين فرنسيين واميركيين. وقد تم إعداد خطة القبض عليه في مركز في غاية السرية بباريس، يعرف باسم التحالف القاعدي، وهو مركز أسسته وكالة (سي. آي. ايه) بالاشتراك مع الاستخبارات الرئيسية عام 2002، طبقا لمصادر استخباراتية اميركية واوروبية. ولم يكشف عن وجوده من قبل.

ويتولى مركز التحالف القاعدي، الممول أساساً من وكالة (ٍسي. آي. ايه)، تحليل حركة تنقلات الارهابيين المشتبه فيهم واعداد عمليات الاعتقال او التجسس عليهم.

ويكشف المركز كيف تعمل معظم عمليات مكافحة الارهاب: عبر تحالفات سرية بين وكالة (سي. آي. ايه) وغيرها اجهزة الاستخبارات في الدول الاخرى. ولا يعتبر ذلك من اعمال تشكيلات عسكرية كبيرة او حتى فرق قوات خاصة، لكن مجموعات صغيرة من ضباط الاستخبارات الاميركية يعملون مع مجموعات صغيرة من النشطاء الاجانب. ومثل هذه العمليات المشتركة مسؤولة عن تحديد وملاحقة واعتقال قتل غالبية الجهاديين الذين تم استهدافهم خارج العراق وافغانستان منذ 11 سبتمبر (ايلول) 2001 .

ورفضت وكالة (سي. آي. ايه) التعليق على قضية المركز، مثلما فعلت السفارة الفرنسية في واشنطن.

وغالبية المسؤولين الفرنسيين وغيرهم من رجال الاستخبارات يتحدثون عن تلك الشراكة فقط شريطة عدم كشف هوياتهم بسبب حساسية المعلومات.

ووصف جون ماكلاخلين مدير وكالة (سي. آي. ايه) بالنيابة سابقاً، والذي تقاعد اخيراً بعد خدمة استمرت 32 سنة، العلاقة بين وكالة الاستخبارات الاميركية ونظيرتها الفرنسية بأنها واحدة من افضل (الشراكات) في العالم. ما يعتزمون القيام به يعد من الامور غير العادية.

وتتناقض هذه الشراكة الاستخباراتية مع الصورة العامة للعداء بين الولايات المتحدة وفرنسا والتي اندلعت خصوصاً اثر غزو العراق. وفي داخل الادارة الاميركية، جرى تضخيم الخلاف من قبل وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي تولى الدور الاول في الحرب على الارهاب. ولكن حتى في الوقت الذي كان فيه رامسفيلد ينتقد فرنسا مطلع عام 2003 لعدم قيامها بما يكفي في مواجهة الارهاب، كانت قيادة العمليات الخاصة التابعة له تستكمل ترتيبات سرية لوضع 200 من افراد القوات الخاصة الفرنسية تحت القيادة الاميركية في افغانستان. وفي بداية يوليو (تموز) 2003، عملت تلك القوات مع مثيلاتها الاميركية ووكالة (سي. آي. ايه) وممثل وكالة الامن القومي الاميركية.

طريقة عمل مركز التحالف القاعدي

* وقد قدم ستة من الخبراء الاستخباراتيين الاميركيين والاجانب وصفا لمركز التحالف القاعدي، الذي يقوده جنرال فرنسي يعمل في المديرية العامة للأمن الخارجي (ما يوازي وكالة (سي. آي. ايه) في اميركا. وقالوا ان المركز لا نظير له في العالم لأن متعددة الجنسيات تنفذ عمليات بدلا من تبادل المعلومات بين الدول. ويضم ضباطا ميدانيين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا واستراليا والولايات المتحدة.

وكانت عملية غانزارسكي واحدة من 12 عملية اساسية على الاقل اشترك فيها المركز خلال عامه الاول، طبقا لشخصية مطلعة.

وقال ضابط في وكالة (ٍسي. آي. ايه) ان مركز التحالف القاعدي هو جهد للتوصل الى افكار ابداعية والتعامل مع قضايا التعاون. لا اعرف بوجود مثل هذا الامر في أي مكان آخر.

ويشار الى ان اجنحة داخل اجهزة الاستخبارات في العديد من الدول تعارض المنطلقات المتعددة الجنسيات، طبقا لمسؤولين اميركيين واوروبيين حكوميين حاليين وسابقين. ولم يرغب مركز مكافحة الارهاب التابع لوكالة (سي. آي. ايه) في تضييع السيطرة على كل عمليات مكافحة الارهاب، كما لم ترغب اجهزة الاستخبارات البريطانية تخفيف علاقاتها المميزة مع واشنطن، ولم تكن ألمانيا راغبة في المشاركة في مزيد من العمليات.

وفي فرنسا، التي يمثل المسلمون فيها 8 في المائة من السكان (اكبر نسبة في اوروبا)، يسعى خبراء الارهاب الفرنسيون والاميركيون الى إبعاد المجموعات التي تتولى تجنيد الارهابيين والارهابيين الجدد انفسهم عن الشوارع، وكانوا على استعداد لوضع قوانين مكافحة الارهاب الخاصة بهم في خدمة الحلفاء لجذب المشتبه فيهم مثل غانزارسكي من الخارج.

وقد ارسلت فرنسا محققيها الى معتقل غوانتانامو الاميركي لجمع ادلة يمكن استخدامها في المحاكم الفرنسية ضد المعتقلين الفرنسيين الذين تحتجزهم فرنسا. وفرنسا هي الدولة الاوروبية الوحيدة من بين ست دول اوروبية لا تزال تحتجز معتقلين اعيدوا اليها من غوانتانامو.

ويحب المسؤولون الاستخباراتيون الفرنسيون الاشارة بسخرية الى ان فرنسا هي اول من ادركت انها اصبحت هدفا للاصوليين المتطرفين عندما اختطفت مجموعة من المتطرفين الجزائريين طائرة بهدف شن تفجيرها في باريس عام 1994.

ويقدر موظف مخضرم في وكالة (سي. آي. ايه) ومطلع على النشاط المشترك للاستخبارات الفرنسية والاميركية، ان الفرنسيين اعتقلوا 60 من المشتبه فيهم منذ نهاية عام 2001، اعتقل بعضهم بمساعدة من الاستخبارات الاميركية. وقال مسؤول كبير في الاستخبارات تقاعد اخيراً وعمل عن قرب مع الفرنسيين ودول اوروبية اخرى: لقد فعلوا من أجلنا مثلما فعل البريطانيون، وفي بعض الحالات أكثر.

كما كانت فرنسا من الدول الاولى التي عبرت عن رغبتها في التعاون مع الاميركيين في مناطق اخرى من العالم، وقد سمحت لوكالة (سي. آي. ايه) باستخدام طائرات من دون طيار، من طراز بريدايتور، من قاعدة جوية فرنسية في جيبوتي. وكانت مهمة تلك الطائرة قتل شخصيات من القاعدة مدرجين ضمن قائمة سرية لوكالة (ٍسي. آي. ايه) تضم اهدافا ذات قيمة عالية. وفي الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 2002، نفذ ضباط الوكالة الذين كانوا يديرون الطائرة باستخدام اجهزة التحكم عن بعد، أول عملية لهم وقتلوا ابو علي الحارثي الذي يشتبه في انه خطط للهجوم على المدمرة الاميركية كول و6 اشخاص آخرين، بينهم احمد حجازي وهو اميركي متجنس، في صحراء اليمن.

التوتر بشأن العراق

* في فترة الاعداد لحرب العراق، اعد البيت الأبيض خطوط المعركة بين الدول التي كانت صارمة مع الارهابيين والتي لم تكن كذلك. فحكومة فرنسا كانت تعتقد ان عمليات تفتيش الأمم المتحدة نجحت في منع صدام حسين من تطوير برامج الأسلحة، ولم ير المحققون الفرنسيون علاقة بين العراق وتنظيم القاعدة. واعتبر كثيرون في الولايات المتحدة، وخصوصاً وزارة الدفاع والكونغرس، موقف فرنسا من الحرب دليلا على أنها تتهرب عندما يصل الأمر الى مكافحة الارهاب. ومنع رامسفيلد الضباط من الاتصال هاتفيا بنظرائهم الفرنسيين، وأبقى الطائرات الأميركية جاثمة على أرض معرض باريس الجوي وأوقف دعوة الفرنسيين الى مناورة عسكرية أميركية (اسمها العلم الأحمر) ساهموا فيها لفترة عقود.

وبعد ثلاثة أشهر من النزاع أشارت وزارة الخارجية الاميركية الى تعاون الاستخبارات الفرنسية. وأخيرا طلب الرئيس الأميركي جورج بوش من رامسفيلد وقف اجراءاته تجاه الفرنسيين، حسبما افاد اثنان من مسؤولي وزارة الخارجية. وكتب وزير الخارجية الاميركي حينها كولن باول مذكرة قال فيها ان معاقبة الفرنسيين ليست سياسة الولايات المتحدة. ووضعت اليزابيث جونز، مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأوروبية والاوروبية ـ الآسيوية، المذكرة على منضدتها أمامها، وقالت: غالبا ما كنت بحاجة الى أن أكون قادرة على سحبها والاستشهاد بها لزملائي في وزارة الدفاع.

عملية غانزارسكي

* كان غانزارسكي، أخصائي المعادن من منطقة روهر الصناعية في ألمانيا، قد تحول الى متطرف على يد رجل دين سعودي كان يقوم بجولة على مساجد أوروبية في أوائل التسعينات، ودرس الاسلام في بعثة دينية في السعودية، وسافر الى أفغانستان أربع مرات، وتدرب في معسكرات القاعدة، والتقى أسامة بن لادن، وعاد الى ألمانيا من زيارته الاخيرة قبل تسعة أيام من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ويقول مسؤولون انه جزء من خطة اعدتها القاعدة بعد الحادي عشر من سبتمبر تهدف الى تنشيط المتحولين الأوروبيين للاسلام، بمن فيهم البريطاني ريتشارد ريد الذي حاول تفجير طائرة فوق الاطلسي اواخر عام 2001 بعبوة خبأها في حذائه. وكان رقم الهاتف الجوال التابع لغانزارسكي هو آخر رقم اتصل به منفذ العملية الانتحارية في جربة (تونس) في ابريل (نيسان) 2002 والتي اسفرت عن قتل 21 شخصا. وكان من بعض ضحايا ذلك الاعتداء فرنسيون، الأمر الذي وفر لقاضي التحقيق الفرنسي أساسا قانونيا لاعتقال غانزارسكي.

وفي 20 مايو (ايار) 2003، تلقى مركز التحالف القاعدي معلومات استخباراتية عاجلة مفادها ان أحمد مهدي، مساعد غانزارسكي، قد احتجز للتو اثناء توجهه الى جزيرة ريونيون الفرنسية الواقعة في المحيط الهندي لقضاء اجازة مدتها 14 يوماً. وكان مهدي، المغربي البالغ من العمر 34 عاما، حينها والذي كان يعيش قريبا من غانزارسكي في ألمانيا، تحت المراقبة وأظهر اهتماما مثيرا للقلق في موضوع التفجيرات عن بعد. وكانت السلطات الألمانية، التي لم تملك أدلة كافية لاعتقاله أو اعتقال غانزارسكي، تعتقد أن مهدي كان يخطط لشن هجوم في جزيرة ريونيون.

التقى ضباط متوسطو الرتب يعملون في مركز التحالف القاعدي لاعداد الخطة التالية: اجتذاب مهدي وبعده غانزارسكي الى فرنسا، ثم يقوم المحققون الفرنسيون باعتقالهما بتهمة الاشتباه في تعاونهما مع الارهابيين.

رتبت وكالة (سي. آي. ايه) أن يقوم مصدر لها باقتراح توقف مهدي في باريس وهو في طريقه الى ريونيون لمراقبة الأهداف. كان مهدي، وفق ما كشفته سجلات المراقبة، يشعر بالقلق من أن فرنسا قد لا تمنحه تأشيرة دخول يحتاجها لأنه مغربي. وفي اطار الخطة رتب الفرنسيون التأشيرة، وكان الألمان يراقبون المكالمات والاتصالات هناك في اطار تغيير الخطط.

وفي الأول من يونيو (حزيران) 2003، اعتقلت السلطات الفرنسية مهدي في مطار شارل ديغول الدولي بباريس، وأرسل الى سجن خارج باريس. وبعد يومين، كان غانزارسكي هناك أيضا.

وبدون معرفة الرجلين، كان الرجلان معتقلين في زنزانتين لا تبعدان عن بعضهما سوى امتار. وقد استخدمت السلطات المعلومات التي حصلت عليها من أحدهما لاستجواب الآخر. وخلال أيام أبلغ مهدي المحققين الفرنسيين عن الخطة والشبكة وغانزارسكي. ويعتقد المحققون الآن أن مهدي اقام صلات مع خلية هامبورغ التي استخدمت كقاعدة خلفية رئيسية لهجمات 11 سبتمبر، وان غانزارسكي كان على صلة مباشرة مع العقل المدبر المفترض لتلك الهجمات، خالد شيخ محمد.

وفي اشارة الى دور مركز التحالف القاعدي في العملية، قال وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي يوم 11 يونيو امام البرلمان الفرنسي ان عملية الاعتقال هذه حدثت بفضل التعاون المثالي بين أجهزة استخبارات البلدان الديمقراطية العظمى.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

للتعليق على هذا الموضوع