14 أغسطس 2005

 

 

 

حول تقاسم الثروة الوطنية الدكتور

تيسير عبد الجبار الآلوسي

 

لكل بلاد ثروتها الوطنية وحجم بعينه لتلك الثروة فضلا عن طبيعة الثروة أو نوعها؛ وبالتأكيد كيفية لاستخدامها وتوزيعها بين الضرورات الحياتية بما يعود بالخير الحقيقي على مجموع أبناء البلاد.. وإذا كان من صراعات أو حوارات وخطط دولتية فإنَّها ستكون بخصوص تلك الثروة وكيفية تنميتها والإفادة منها بطريقة صائبة... وتسقط حكومات وتأتي أخرى في ضوء إمكانات هذه الحكومة أو تلك في إدارة استثمار تلك الثروة تعزيزا وتنمية لها أو توزيعا واستفادة منها.

 

ومن الطبيعي أنْ نجد في عراقنا الجديد مناقشات تدور بالخصوص، في ظروف إنجلاء النظام الذي استحوذ على الحصة الرئيسة من الثروة الوطنية ووظفها لنزعاته وتوجهاته ومصالحه الأنانية الخاصة، وبعد أن بدأ العراقيون مشوار محاولاتهم لإعادة تلك الثروة لأهلها، شاهدنا حالات خطيرة من الاصطفافات الجديدة والنزعات والأهواء المرضية التي تتستر بتمثيلها مظلوميات العراقيين في هذه المحافظة أو تلك أو في هذا الإقليم أو المنطقة أو تلك؟!!!

 

فمحافظ البصرة يطالب بحصة من نفط تساوي ما يُستخرج من حقولها ومثله يُطالب بعض أدعياء تمثيل أهل الجنوب العراقي محدّدين مطالبهم بالثروة النفطية الكامنة في محافظات الجنوب العراقي.. وهنا وهناك تظهر مثل هذه الدعوات لتوزيعها حسبما يزعمون على مواطني محافظاتـ [ـهم: المحافظة باسم المحافظ وليس المحافظ بخدمتها وأهلها] بصيغة (مصروف الجيب!) ليتمتع بها العراقي الذي حُرِم من ثروته؟؟؟

 

والسؤال الذي يطرح نفسه على المتلقي العراقي النابه لمصالح أهله ووطنه يتمثل في: مَن الذي يطلق دعوات توزيع الثروة على محافظة أو مجموعة من محافظات الجنوب العراقي؟ وما خلفيته وهويته وما ارتباطاته؟ وما الكيفية التي يتحدث عنها في توزيع تلك الثروة؟ ومن ثمَّ ما النتائج التي يمكن أن تعود من طريقة تناوله هذه القضية الوطنية المركزية الكبرى؟

 

وللإجابة عن تلك الأسئلة لنسأل أيضا؛ ما دور الحكومة المركزية وما مهماتها في تنفيذ الخطط الوطنية لمعالجة قضية الثروة؟ هل مهمتها تكمن في تسلم عائدات البترول وتسليمها لهذا المحافظ أو ذاك ليوزعها بدورها [ومعرفته] مصاريف جيب على أبناء محافظتـ [ـه] عطايا كما كان ينثر الطغاة بعض فتات ليذروه في عيون الناس مما لا يسمن ولا يغني من جوع؟؟!

 

أم أن دور الحكومة المركزية يكمن في وضع الدراسات الجدية المناسبة لكيفية الاستثمار لتعزيز تلك الثروة وتوظيفها بطريقة مسؤولة على مشروعات حيوية تمثل في النهاية الاستجابة الحقيقية لتطلعات الشعب ومصالحه ومطالبه وحقوقه... وبوساطة توزيع الثروة على خطط البناء الستراتيجي والمرحلي نكفل الموازنات الضرورية اللازمة لإدامة الحياة الصحية الصحيحة في الاقتصاد الوطني..

 

فنحن في زمن يبتلع الغول الأفضع الغول الأقل شأنا! ونحن في عالم أصبح الاقتصاد العالمي فيه يقف على أكف عفاريت معدودة متمثلة في حيتان لا تعيش في عالمنا الفقير.. فـ 420 شركة متعددة الجنسية تتحكم في كل البشرية وثرواتها؛ بينما [محافظ] هذه المدينة يزعق مطالبا بوضع يده على ثروة البصرة أو غيرها من المحافظات.. وحقيقة الأمر لا تعدو عن كونها بين أمرين فأما جهل مطبق بعلوم الاقتصاد وفلسفة توزيع الثروة الوطنية أو خدمة لمصالح أنانية خاصة لنهب مزيد من تلك الثروة التي يجري تهريبها يوميا بعشرات آلاف الأطنان ومثات ألوف الدولارات أو التومانات!!

 

وأكثر نكاية فإن الثروة الوطنية العراقية اليوم تقع بين أيدي أخطر حالات الفساد التي تتحدث عنها المصادر الدولية المعتمدة.. وهناك أحاديث عن سرّاق دوليين وإقليميين وبضعة متعاونين ممن جاؤوا إلينا باسم الهوية العراقية وليس لهم منها غير قناع يتسترون به لمآرب صارت اليوم مفضوحة ويا للعجب في استمرار إهدار ثروتنا وسرقتها [عيني عينك] وفي وضح النهار وتوجيه البراميل إلى هذه الجارة الشرقية أو تلك الجنوبية أو الشمالية؛ وليس من شبع بل يريدون المزيد وما زالوا لم تبح أصواتهم مدَّعين أو زاعمين تمثيلهم الناس ومصالحهم!!!

 

كيف لبصريِِّ أن يرى مصلحته في وضع آبار البصرة بتصرف من يهرِّب النفط اليوم إلى إيران نهارا جهارا وهو يسمِّي نفسه المحافظ المطلق للبصرة العظيمة بأهلها وتاريخها المدني المتحضر وبعلومها؟ وكيف لشعب الجنوب العراقي وهو وريث سومر الخالدة أن يلعبوا معه لعبة تضليلية مفضوحة أن يؤيِّد دعوات تسليم نفط العراق وثرواته لممثلي دولة أجنبية أو أكثر؟؟!

 

إنَّ الثروة الوطنية ليست مرتَّب رب عائلة يوزعها مصروف جيب على أبنائه وحتى في العائلة لا توزَّع الثروة بصيغة مصروف الجيب بل بطرق تفي بمطالب الحياة كاملة تامة!! فلا محافظ يملك محافظة بأهلها وترابها وثرواتها ولا  [الفرد] يمكنه أن يعوِّضَ عن الجموع وأن يكون بديلا عن الشعب وأن يختزلهم في تصوراته ومخططاته فقد مضى زمن الحديث بالنيابة عن مجموع الناس بآلافهم وملايينهم ومضى زمن البطل القومي ولن نقبل ببدائل البطل الديني (مرجعا) أو الطائفي (زعيما) أو غير تلك المسميات اللعينة التي صادرتنا عقودا من الزمن...

 

إنَّ حكاية توزيع الثروة ليست حكاية ما ننثره من نقود بخسة على جياع بل هي ما يمكننا أن نعيد تقديمه للشعب بكل مكوناته وبكل أفراده على أساس من المساواة والعدل والانتصاف للحقوق المهضومة.. فنبني السكن اللائق لكل عراقي ونشق الطرقات ونؤسس شبكات الصرف الصحي والمياه الصالحة والطاقة الكهربائية ونغطي كل الشؤون الخدمية المناسبة من تعليم وصحة وترفيه وهو ما يستدعي بناء الركائز الكبرى التي لا تنهض على أساس الخطط البلدية المحدودة أو الخدمية الضيقة المباشرة بل تنهض على أكتاف خطط وطنية كبرى..

 

وعراقنا اليوم تسلمناه خرابا شاملا؛  فهل يمكننا أن نبدأ البناء وإعادة الإعمار من تفتيت الثروة الوطنية بين عدد من المحافظين والزعماء السياسيين والطائفيين ورؤساء بعض العشائر؟!! أم أن المسألة مسألة مركزية وطنية نُلزم حكومة منتخبة من الشعب العراقي بوحدته الوطنية أن تتجه لدراسات متخصصينا من الاقتصاديين وغيرهم لوضع التصور الذي يعود على ابن البصرة بكل الخير مثلما يعود على ابن العمارة والناصرية وأربيل والسليمانبة ودهوك والنجف وديالى والموصل والأنبار وجميع العراقيين قاطبة...

 

إنَّ إشكالية توزيع الثروة الوطنية لا تُحلّ عبر مطالب ضيقة لمحافظ أو آخر بل عبر خطة عراقية وطنية موحدة تشمل لا جميع العراقيين وتغطي مطالبهم بل تشمل الجيل العراقي الحالي والأجيال التالية.. حيث نبني الركائز الوطنية المناسبة لتوالد الثروة وتنميتها وتطويرها ولكي لا نصرف ما في الجيب حيث لن يأتينا لا ما في الغيب ولا نحصل على فتات ما في الجيب نفسه؛ إذ الحقيقة عندما نفتت توزيع الثروة على أمور خدمية بحتة وعلى ما يُسمى مصروف جيب  لن نحصل منه ولا على الفتات ذاته لأنه سيُنهب ولن نعرف له قرار؟!!

 

إن بناء البصرة وخدمة أهلها وبناء الجنوب وخدمة أهله وبناء كردستان وخدمة أهلها لن يأتي من مخططات بلدية محدودة بل من خطط وطنية مركزية تكون مسؤولة عن خلق ركائز اقتصاد متين يعود في فرصة مناسبة وقصيرة على أبناء البلاد بالخير الحقيقي الذي يعوضهم عن زمن الحرمان.. وبالتأكيد بخطط أهل تلك المدن بالتعاضد الوطني حيث كلما كبرت مساحة التخطيط تعمنقت الضمانات للنجاح في عملية البناء...

 

فلدينا النفط حاليا وهو ثروة ناضبة إن لم نحسن توظيفها ولدينا السياحة الدينية والثقافية والبيئية ولدينا ثروات معدنية أخرى ولدينا المياه والزراعة والأرض الصالحة للاستثمار والصالحة لبناء المدن والقرى والقصبات لجميع العراقيين.. لدينا كثير من فيض رحمة هذا الوطن فإذا نحن هشمناه وفتتناه ونثرناه سيذهب هباء لن نسطيع جمعه يومها لأننا سنكون عراة حفاة وستكون الريح تعصف بنا والأرض جرداء ملأى بأشواك تركناها تنبت عندنا بدل زراعتها بسنابل الخير وتمرات [حنطة ونخيلا] كنّا يوما أول دولة في العالم بحجم وجودها؟!!!

 

لا تسمحوا بلعبة اتفاق [الزعماء] على تقاسم الثروة الوطنية وإلا ما الذي جلب هذه المصيبة ونحن بصدد كتابة دستور واتفاق قانوني يجمع العراقيين كافة فما مناسبة الثروة والأموال وتقسيمها إن لم يكن الأمر تخطيطا في ليل أظلم. أيها العراقيون إنَّ ثروتكم لكم حيث أوقفتم زمن الزعامات والأشخاص الاستثنائيين الذين ينوبون عنكم.. لا يمكن أن نضع أمانتنا بيد فرد أيا كان الفرد ولماذا نضعها بيد أحد إنها بيدنا حيث مؤسسات الدولة الوطنية الموحدة وحيث مؤسسات المجتمع المدنية..

 

لا مجال لكل أمر فردي خاص بفئة أو مجموعة أو جهة حتى لو كانت حزبا بكل تاريخه النضالي فليس من منّة على الشعب ومن ناضل أو ضحى يمكنه اليوم أن يعود إلى صفوف الناس بعد أن انزاحت غمة الطغيان وسوقة سرقة ثرواتنا وعاد كل شئ للشعب..

 

سنكتب دستورنا عقدا شاملا بيننا لا يطغي فيه طرف على آخر ولا يضيع فيه حق طرف أو مكون من مكونات شعبنا.. وسنمضي لنبني مؤسساتنا كافة فننتخب برلماننا ونشخص حكومتنا ونوظف رؤساء ومديرين لكل المهمات الوطنية والبلدية المؤسساتية وليس فيهم من يصير زعيما مطلقا أو مرجعا يختزل الناس الذين كرمهم الله بالوجود أحرارا ليعملوا ويحيوا وهو الذي سيحاسب كل حي على أفعاله وليس من نائب لله على الأرض إلا استخلافه مجموع البشر فلا مرجع ديني ينوب عن الله أو يختزل البشر وليس من زعيم سياسي يستبد بهم ويصادرهم ويستلبهم...

 

أيها العراقيون عقبة كتابة الدستور أن يخرج من أيدي بعض [الزعامات] الطارئة على حياتنا وهي تلك التي تسلقت الحياة الجديدة في ظروف انفلات الأوضاع وسطوة بلطجة الميليشيات التي تدربت في إيران والعصابات التي تتسلم أوامرها من بعض بلاد العربان ومدنهم المأسورة.. حينها يكون الدستور بين أيديكم أبناء العراق الغيارى الذين يحب أحدهم الآخر أخا وشقيق حياة لا يحيا من دونه ولا يمضي بغير معاضدته ومؤاخاته..

 

المسيحي يسابق المسلم والسني يسابق الشيعي والأيزيدي يسابق المندائي وكل عراقي يسابق أخاه للتضحية من أجله وللدفاع عن حقوقه وحفظها ولا ينافسه في صحن أبنائه الذين ذاقوا الأمرَّيْن من زمن الطغيان والطاغية فهل يريد عراقي من بصرة المحبة وأنبار التسامح ونجف السلام أو من بقية ربوع عراق الخير، هل يريد عراقي أصيل منافسة عراقي آخر ولو بنسمة ريح تؤذيه؟؟

 

الثروة الوطنية يا عقلاء تاريخ الحضارة ويا ممثلي تراث الإنسانية وحكماء أزمانهم ليست مصروف جيب نترك هذا وذاك يلعب به!! أيها العراقيون لا تقبلوا بخبر اتفاق الزعامات حتى المخلصة منها.. الثروة الوطنية أنتم من يحافظ عليها فاكتبوا دستوركم بأيديكم وكفى دماء تنزف لتصب ذهبا في جيوب الموبوئين بأمراض سرقة حيواتنا ليضعوها مضغة في أفواه الـ420 شركة وعرّابيها من ملالي وزعامات وقادة خارقين هم في الحقيقة ذئاب الزمن الردئ الذي يغزونا خطفا لأطفالنا واغتصابا لبناتنا وقتلا لشبيبتنا...

 

فإلى دستور عراقي يمثلنا وإلى جمعية شعبية وحكومة وطنية ولسنا بحاجة لعصابات مافيوية ولا إلى ميليشيات دموية ولا إلى قوى الجريمة السياسية وإلا فأيها العراقيون لن نحصد غير ندامة ولات ساعة مندم... ألم يبدأ بالأمس [بعض العراقيين] مع المناضل الذي صار السيد النائب فتحول إلى السيد الرئيس وأخيرا الطاغية الذي لم يترك للعراقيين حتى دماءهم؟!! إذن لماذا يمضي بعضنا إلى السياسة نفسها ليوقعنا بطاغية جديد أو طغاة أُخَر!!!؟ ولماذا نريد بسياسة قصيرة البصر والبصيرة أن نضيع لا ثرواتنا حسب بل وجودنا أيضا؟!!!!

tayseer54@hotmail.com

 

* أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

 

للتعليق على هذا الموضوع