5 سبتمبر 2005

 

 

رحل علي عقلة عرسان جاء حسين جمعة غابت ناديا خوست

ترتيب عائلي.. الحزب أعطى والحزب أخذ

راشد عيسى

 

 

الروسي أندره جدانوف منظّر "الواقعية الإشتراكية ونظرية "الكتل" في حقبة 1947-1953 ونسخته السورية الباهتة علي عقلة عرسان

 

احتفل كتّاب سوريون مساء أمس (السبت) بسقوط واحد من أبرز رموز ربع القرن السوري الأخير: علي عقلة عرسان. وهو إذ يُزاح عن مكانه كرئيس لاتحاد الكتّاب العرب منذ العام 1977، يترك فراغاً هائلاً بين مجموعة الرموز المعتمة التي تشكل زمناً مفزعاً، غير أنه ليس من المؤكد أن يكون الفراغ مضيئاً، بين كومة الأشياء والرموز الأخرى (سيكون ممتعاً ذات يوم أن نعُدّ تلك الأشياء، مثلما فعل الفيلم الألماني الرائع "وداعاً لينين"، حين استعاد مفردات ما قبل سقوط الجدار). كان عرسان قد حصل على أعلى نسبة أصوات في انتخابات الاتحاد الأخيرة (مئتان وثمانية وستون صوتاً من بين حوالى ثلاثمئة وخمسين صوتاً)، إلا أن الكفّة المرجِّحة كانت بالطبع لقرار القيادة القطرية لحزب البعث، والتي، على ما يبدو، ستلتزم بتوصية "عدم استمرار القيادات الحزبية والنقابية والشعبية المتسلسلة لأكثر من دورتين انتخابيتين في المهمة الواحدة"، ما يعني أن قيادات أخرى، مثل صابر فلحوط، رئيس اتحاد الصحفيين، سيلاقي المصير نفسه.

 

ورغم تباشير الحدث الأولى، خروج كل من بثينة شعبان وعبدالله أبو هيف بـ"الاستئناس الحزبي"، لم يكن الكتّاب ليتفاءلوا بنتيجة كهذه، ولو أن غياب ناديا خوست عن مجلس الاتحاد شكّل ارتياحاً حتى وإن كان من دون معنى، هي التي يصفها الروائي خيري الذهبي بأنها "شكلت لفترة طويلة إرهاباً حقيقياً للكتّاب حين حوّلت نفسها إلى محكمة تفتيش متحركة، وكانت رأس الحربة في طرد أدونيس، ومحاولة طرد شوقي بغدادي بعد ظهوره على قناة "الحرة". إنها جدانوف حياً، يتجسّد في هذه المرأة، والأساس أن الإنسان حين يكون ضعيف الموهبة يحاول تغطيتها بالدفاع عن الشرف والوطن وغيره". وكان الذهبي قد وصل قبل ذلك إلى حافة اليأس: "سوريا بلد محكوم بأن لا يتغيّر. فرغم قرار التقاعد الملزم الذي يعني تخليصاً للوطن من "القرامي" (جذور الأشجار المتفحّمة) إلا أن هناك من يسعى لإدامة الركود العام". إلا أنه بعد النتيجة عبر عن سعادته بـ"ذهاب ذلك الكابوس، والرقيب المرعب. يكفي أنه ذهب، وعلينا أن نهنئ الكتّاب في الوطن العربي على التخلص منه". خيري الذهبي كان واحداً من مجموعة كتّاب مستقلين أصدرت بيانها مع بداية مؤتمر الاتحاد الأخير، مطالبة بإطلاق حرية التعبير، وتحديد المهام والمسؤوليات في مؤسسات الاتحاد بدورتين انتخابيتين، وغيرها من مطالب، إلا أنه يعرف جيداً، كما يقول، إن لا يد لهم، ولا لأي من الكتّاب، في زحزحة عرسان، فهذا قرار سياسي محض.

 

قبائل عرسان الكثيرة

خيري الذهبي، الكاتب المستقل، والمنتخب إلى مجلس الاتحاد لدورة ثانية (يعتبر المجلس معطلاً)، يرى أيضاً أن هناك عدداً من الكتّاب يجعلون من أنفسهم ملكيين أكثر من الملك، فيلحّون على جعل الرقابة أهم من الكتابة، وعلى جعل الاتحاد نوعاً من الساطور المرعب؛ فهذا ظهر في قناة |الحرة" وذاك يكتب في الصحيفة الفلانية. ولعل في كلام كاتب سوري كبير متقاعد (استصغر أن يذكر اسمه في معركة مع الاتحاد) ما يؤكد ذلك، حين اعتبر أن هؤلاء "الاتحاديين" صغار جاء بهم عرسان نفسه، يقدّم إليهم بعض الخدمات الصغيرة، وهم بدورهم يقدمون الطاعة والولاء، كما يشكلون ضمانة لفوزه في الانتخابات. وهذا ما يفسّر قول كاتب آخر: إنها قبائل علي عقلة عرسان الكثيرة، التي تتغلغل في كل مجموعة أو قائمة انتخابية، وإلا من أين له كل هذه الأصوات؟ ويضيف الكاتب أن ليس هنالك معارضة جادة في الاتحاد، بل قد يكون هنالك رأي أو فكرة معارِضة لا يمكن أن تشكّل تياراً واضحاً، ويؤكد أن البعث محكِمٌ سيطرته، فمن أين لكاتب مثل وليد معماري (عن الحزب الشيوعي) أن ينجح لولا أصوات البعثيين، حين أعطوه عدداً من الأصوات موازياً لأقل البعثيين الناجحين؟ كما تبدت سيطرته في إجراءات رادعة (قد تكون فصلاً من الحزب) بحق اثنين من الكتاب (ناصر خوري، نزيه الشوفي) اللذين خرقا قائمة البعث، ورشحا نفسيهما كمستقلَّين فلم ينجحا. فاستحقا العقاب.

 

ولكن السيطرة المحكمة دليلها الأكيد أن يجري تعيين كاتب مغمور رئيساً لاتحاد الكتّاب العرب، هو حسين جمعة، الذي تكاد النخبة المثقفة ذاتها لا تعرف عنه شيئاً، وهو البعثي أيضاً، والأستاذ الجامعي من مواليد يبرود (مسقط رأس الراحل أنطون مقدسي) العام 1949، ويحمل دكتوراه في الأدب، كما عمل في التدريس في جامعة دمشق، وهو عضو جمعية الدراسات والبحوث في اتحاد الكتاب العرب، ومن مؤلفاته: "الحيوان في الشعر الجاهلي"، "مشهد الحيوان في القصيدة الجاهلية"، "الرثاء في الجاهلية"، "قراءات في أدب العصر الأموي"، "مختارات من الأدب في صدر الإسلام"، "قصيدة الرثاء جذور وأطوار" وغيرها.

 

لا ندري علامَ يحتفل السوريون، ذهب أمس علي عقلة عرسان، جاء حسين جمعة، وفي الحالين ليس للكتّاب يد، فلينتظر السوريون ربع قرن سوري آخر.

(دمشق)

(السفير)

 

 

للتعليق على هذا الموضوع