5 يونيو 2006

 

 

 

 

 

تضامن المؤتمر القومي العربي مع الاستبداد: سورية مثلاً

سلطان أبا زيد*

 

 لم يساورني الشك لحظة واحدة، من أن الفكر ثم العقل السائد في الوطن العربي وبغالبية لا تضاهى، هو النهج الذي طرحه المؤتمر القومي العربي، ويطرحه في مؤتمراته التي تحتضنها الأنظمة العربية، وكان آ خرها المؤتمر الذي انعقد في الدار البيضاء الشهر الماضي. هذا النهج الذي ساهم في المأزق الذي أوصلنا إليه على النطاق العربي والقطري سواء، وبقي يكرر التجربة الفاشلة، التي تهمل مسألة حرية الفرد والحريات العامة بشكل عام، ومسألة الديمقراطية بالأساس كموضوعة من الدرجة الثانية. مما أدى لانهيار المشاركة الشعبية  والمجتمع المدني في القرار السياسي وتقرير مصيرها بحرية ومدّ في عمر الأنظمة العربية الفاسدة، وغدت من الخفة في موازين العلاقات الدولية لا نظير لها، أنظمة التوريث العربية، وأولها النظام الشمولي السوري، الذي يحظى بالدعم الكامل من المؤتمر القومي العربي، باسم التهديدات التي يتعرض لها النظام وباسم السيادة. وكأن هذا النظام الشمولي بقادر على صد تلك التهديدات الخارجية، من خلال كم الأفواه وتهميش المجتمع وإبعاده عن السياسة، واحتكار القرار السياسي  في نخبة خارج المحاسبة والمساءلة.

 

 وبعد هذا، هل هو بقادر حقاً على التوازن الاستراتيجي أو التصدي الذي انحدر لدرجة الممانعة آنياً، والتي يعمل المؤتمر القومي لدعم هذا الشعار. لكن النظام وصل إلى شعار لا يحتاج فيه لهذا الدعم: حيث "سورية الله حاميها".

 

ونتساءل معكم أيضاَ هل بغير البشر الأحرار وليس بنهج الرعية والأبوية ورفع الرئيس لدرجة القداسة، يمكن التصدي لأي عدوان أو تدخل خارجي؟

 

ومن هنا لمس المواطن السوري مرارة نهج المؤتمر، عندما عقد المحامون العرب مؤتمرهم في سورية، تضامناً مع الاستبداد والعسف الممارس ، نظام أقل قطري(حتى بمفهوم العارفين من المؤتمر من مندوبي المؤتمر القومي العربي)، وضع نفسه بشرعية الأمر الواقع منذ نيف وأربعة عقود،  قائداً للدولة والمجتمع، وخارج أية مساءلة أو محاسبة على ممارساته ونهجه في الاستيلاء على مقدرات البلاد شعباً واقتصاداً وثروات، واستغلالها للنهب المافيوي لعائلة الحاكم وحاشيته. ولا نعتقد أن هذا النظام بقادر حتى على الممانعةََ باقتصاره على جماهير مخابراته وأزلامه والمنتفعين من فساده المعمم!!.

 

ومن الأمانة يجب الاعتراف، أن نهج المؤتمر القومي العربي يتكيء على حقيقة الكره الشعبي لسياسة الهيمنة الأميركية المنحازة بالمطلق إلى إسرائيل والصمت على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، وكذلك إلى تبعية أكثرية الدول الغربية للموقف الأميركي بهذا الصدد، وممارسة الضغط  والابتزاز على الشعب الفلسطيني لإملاء التنازلات المجانية للمحتل الاسرائيلي،  وعلى حساب حقوقه المبد ئية والمشروعة.

 

وتبعاً لذلك، يجري تكذيب وتجاهل  كل ما يصدر عن الدول الغربية ومنظمات حقوق الانسان من استنكار لخروقات حقوق الانسان والعسف والمطالبه  بالافراج عن معتقلي الرأي، والقيام  بتلفيقات تنكر القهر والاستبداد والنهج الممارس في سورية، باسم السيادة الوطنية وصمت سياسة الانحياز الغربي لإسرائيل وغض النظر عن ممارساتها الإجرامية تجاه الشعب الفلسطيني: فهل تدخل الاتحاد الأوروبي للدفاع عن المعتقلين السوريين، وكذلك الأميركي الرسمي( لأهداف تندرج في استراتيجيتهم المشبوهة). ينفي واقع القهر والإستبداد وراء شعار  التهديدات الاستعمارية لهذا النظام. لسان حال النظام يقول: الشعب موحد، ولا يوجد صوت لمعارض، وكل من يخالفني الرأي مصيره الزنزانة، 18 عاما دون تهمة أو محاكمة للرمز الوطني الكبير" رياض الترك" مثلاَ. وهل ينفي ذلك الواقع العملي لدولة العسف والإستبداد، وفساد الدولة الراهن في سورية، وهل (الولاء والزبونية والرشوة المعممة واخفاء الحقائق عن المجتمع، -- حتى أنهم

يكذبون في إعلان حالة الطقس ودرجات الحرارة ــ حسب قول المرحوم ممدوح عدوان، ثمّ الاستهتار بحقوق الأفراد ومستقبلهم وفرض الأحادية الفكرية). يحتاج لمساندة وتضامن المؤتمر القومي العربي!!

 

وجاء في بيان المؤتمر القومي العربي، الصادر عن مؤتمره الأخير في الدار البيضاء حول الوضع في لبنان: أن أكثرية 14 آذار وحكومته تسعيان لاستغلال (مقتل الحريري!!)، لوضع سورية على أجندة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشكل دائم، من أجل الضغط على سورية، وتعريضها للتهديدات الخارجية وقرارات مجلس الأمن الدولة المجحفة.

 

وهنا يمكن طرح أسئلة عديدة حول ممارسات النظام وتعامله مع لبنان:

هل كان حافظ الأسد سيتمكن من إدخال القوات السورية إلى لبنان (حزيران -  1976) من دون ضوء أخضر أمريكي وصمت إسرائيلي؟؟!.

وهل يتذكر مندوبو المؤتمر القومي العربي، ممارسة النظام الشمولي في لبنان وما فعله بالحركة الوطنية اللبنانية وبالمقاومة الفلسطينية وشقها، واستتباع.. بعضها ممن دفعهم النظام السوري فيما بعد لشن حربهم على منظمة التحرير الفلسطينية ( فتح) في طرابلس، وليحققوا انتصارهم الباهر باخراج  بقايا المقاومة الفلسطينية من هناك، تحت الحماية الدولية؟! ألم يتجلى نهج النظام السوري في لبنان، بامتداد أجهزة المخابرات من أجل التماثل مع سورية في كمًّ الأفواه، في الوقت  كان فيه لبنان على الدوام الرئة، التي تتنفس فيها المعارضات العربية ضد الأنظمة الفاسدة وعسفها!

 

ألم يكن غازي كنعان الحاكم العرفي المفوض بشؤون لبنان، ومن بعده تفويض رستم غزالة بتلك المهمة؟ وهل سمع مندوبو المؤتمر القومي بفضائح بنك المدينة  والخوات المفروضة والتهريب بأشكله المختلفه من قبل المنتفعين وأزلام النظام في سورية ولبنان. ثم جاء

التمديد لرئاسة لحود،  بالترهيب والترغيب وتعديل الدستور من قبل الوريث الشاب، سبباً وحجة لاستخدام تلك المهزلة المكشوفة، لزيادة التهديدات الخارجية. ثم دفع ذلك لتوافق فرنسا (التي سوقت بشار الأسد لدى الإتحاد الأوربي، كولي للعهد أولاً ثم كرئيس للجمهورية ثانيا)، مع الولايات المتحدة واتخاذ القرارات المشتركة في مجلس الأمن؟.

 

لقد استخدم النظام الشمولي السوري الورقة اللبنانية وكل الشعارات الوطنية بهدف تعبئة المواطنين وراءه، واستمرا تفراده بالسلطة، ومن ثم عاد لعصر أسود مضى في الثمانينات من القرن الماضي، حيث مارس القمع العاري، وزج رموز المعارضة الوطنية في السجون، بصمت اعلامي غربي وشرقي. أما اليوم فلا يستطيع إخفاء خروقاته لحقوق الإنسان كالسابق بعصر الثورة التقنية، والتي جعلت من العالم قرية صغيرة ويعيش الانسان الخبر وقت حدوثه؟؟

 

لفت انتباهي في هذا الصدد  مقالة للدكتور( منذر سليمان)، أحد مندوبي مؤتمر الدار البيضاء بعد عودته إلى أمريكا، والتي يشكو فيها توقيفه ساعتين في المطار بين سؤال وجواب وتفتيش أوراقه ورقة ورقة. (الرابط www.alsafahat.net/ind عن القدس العربي). ويضيف بأن الأمن الأميركي ربما فعل ذلك مع رفاق له أيضاً. وأعتقد بأن  له الحق أن يشكو توقيفه مدة ساعتين" كمواطن أمريكي- عربي، أو زائر ..لا أعرف". ولكني اذكره هنا، أن يربط شكواه بما يجري في سورية من عسف وقهر دائمين!!

 

أما أن يقول: "بالاذن من الرئيس سليم الحص، الذي أحب وأجل، لست مفجوعاً على اعتقال كيلو وزملائه،... بالتأكيد حزين على تورطهم بما أدى إلى توقيفهم...الخ". هذا الاعتقال أكثر من شكوى تقيفك في مطار أمريكي ساعتين وتستطيع نشر اوراقك التي فتشوها ورقه ورقة!!

 

 أترك هذا الكلام الذي لا يحتاج لتعليق، على المدى الذي وصله نهج المؤتمر القومي العربي، بالنسبة لحرية الرأي، ولكنه يضيف : " نعم حزين على ميشيل كيلو وأقرانه لقناعتي قبل أن يكون ضحية العسف وتشدد قبضة الأجهزة الأمنية....هو ضحية أوهامه ونفاذ صبره واندفاعاته التي تحجب أحياناً.... معـــالــم الــــرؤيـــــة الـــــوطنيــــة.. ... فيسهل إطلاق الأحكام المتسرعة

والمسبقة حيال بعض القضايا أو الأشخاص، بشكل يسيء إلى الأهداف الوطنية النبيلة!!".

 

هكذا أذن!!

 

يطرح د. منذر سليمان نفسه هنا كمرجعية حصراً لمعالم الرؤية الوطنية!!، ثم لا يكتفي بذلك عندما يتهم قوى 14 آذار والحكومة اللبنانية بالعمالة: "من الحملات المغرضة في لبنان ضد سورية، وبدون مبرر عبر استغلال رخيص لمقتل الرئيس الحريري في محاولة مكشوفة لتوريم عضلات بعض أطراف المعارضة السورية".

 

ويتخذ موقف التعالي أو الاستهزاء من القيادة الكردية في العراق بوصفها ( طا لبزاني– جمع طالباني وبرزاني!!).

 

وهنا لابدّ من التعرض لمعاناة أكراد سورية من الظلم والتمييز الممزدوجين، كأكراد من جهة ولمشاركة بعض أحزابهم في نشاطات المعارضة الوطنية للنظام من جهة ثانية.

 

 لقد صرّح بشار الأسد في خطاب له أن الأكراد مواطنون سوريون ضمن النسيج الوطني في سورية، ووعد بحل إشكالاتهم، المتمثلة أساساً بوجود آلاف المواطنين الأكراد بدون جنسية، ممن لا يستطيعون تسجيل أولادهم في دوائر الأحوال المدنية، وعند تخرجهم من

المدارس، لا تعطى لهم شهادة الدراسة، وإنما وثيقة شبه رسمية. لكن هذه الوعود... ذهبت كغيرها أدراج الرياح،  بل على العكس زاد التمييز وتضاعف ضدهم، ويتعرضون لاعتقالات تعسفية، ومحاكمات استثنائية طالت المئات منهم. 

 

 وعندما تكون الأكثرية السائدة في الوطن العربي هي مع لنهج الموصوف سابقا، الأمر الذي أكدته في البَداية، والذي يمثله الدكتور منذر سليمان خير تمثيل، لا بدّ من الانتظار جيلا جديدأَ آخر غيرنا يرى في حرية الرأي والتعبير والحريات العامة والديمقراطية أولوية للابداع الفكري والثقافي والتقدم ودخول العصر، وأساساَ  للحمة الوطنية الفعلية من أجل صد العدوان والتدخلات الخارجية.

fozmon@yahoo.fr

 

* كاتب سوري

 

للتعليق على الموضوع