14 ديسمبر 2005

 

 

لبنان لم يعد لبنان

اتجاهات

سليمان يوسف

 

 

يبدو اليوم كل شيء في لبنان مختلفاً، كما لو أنها نهاية التاريخ السياسي للبنان وللمنطقة عامة...كما لو أن الذي حدث ويحدث في لبنان، قد جاء من خارج التاريخ...كما لو أن لبنان الراهن لم يعد ذاك الذي يعرفه العالم....

لبنان دخل مرحلة سياسية وتاريخية جديدة، لكن من نوع آخر ومختلف، لم يشهد مثيلها أي بلد آخر في العالم من قبل، انها "مرحلة الاغتيالات السياسية"، ليس الهدف منها زعزعة أمن واستقرار لبنان فحسب، وإنما تبدو القضية أخطر من ذلك بكثير..إنها مرحلة انعطاف كبير في تاريخ لبنان والمنطقة عامة، الهدف منها اغتيال "لبنان الرسالة" أولاً واعادة تشكيله من جديد ثانياً، ليكون على نقيض كلي لما كان وتأسس عليه..! كما لو أن المراد من كل ما يحصل هو اعادة كتابة تاريخ لبنان والمنطقة! إذ، لا يمكن أن نفهم ونستوعب أبعاد ودوافع هذا المسلسل الإجرامي الذي يمارس في لبنان، من دون أن نضع أحداثه في سياق ما يحدث للمنطقة عامة منذ سنوات طويلة.

لبنان الذي كان يتميز بكل شيء، بنظامه السياسي وبنائه الاقتصادي وفضائه الثقافي ونسيجه الاجتماعي... لبنان الصغير بجغرافيته والكبير بتاريخه وإرثه الحضاري، كان يوماً سوقاً مفتوحة لليد العاملة، العربية والأجنبية، كان "درة الشرق" يجذب الملايين سنوياً للسياحة والاستمتاع بسحر جماله الخلاب...والأهم من كل هذا وذاك، كان لبنان منبراً سياسياً وإعلامياً حراً ومفتوحاً، وملجأ آمناً للأحرار والمنفى الاختياري، لا بل وطناً، لكل السياسيين والمثقفين العرب وغير العرب الهاربين من بطش واستبداد حكام أوطانهم في هذا الشرق العربي والإسلامي المضطرب. لكن لبنان اليوم لم يعد ذاك الذي عشناه وعاش فينا. فقد بات لبنان أضعف من أن يؤمن الأمن والرزق لأبنائه ويحمي الأحرار منهم.

لبنان ذاك الواحة الديمقراطية والقلعة السياسية، بات بلداً مكشوفاً لأعداء الحرية والديمقراطية ومسرحاً لكل أنواع الجريمة التي بدأت تنهش بجسده المنهك، بعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية المريرة، لتخطف الوطنيين الأحرار واحداً بعد الآخر من اللبنانيين المتمسكين ببقاء "لبنان الرسالة" والمصرين على أن يعود لبنان كما كان وطناً حراً لكل أبنائه .

إذ،لا يكاد لبنان يهدأ من فاجعة ألمت به، حتى ينصعق من جديد لفاجعة أخرى أكثر بشاعة وأكبر هولاً، كان آخرها، وقد لا تكون الأخيرة، في هذا المسلسل الدموي المروع، اغتيال النائب والصحافي الكبير جبران تويني، مدير تحرير جريدة النهار اللبنانية، عبر انفجار سيارة مفخخة استهدفت موكبه وهو في طريقه الى دار الجريدة.

جبران تويني، شهيد الكلمة الحرة والجريئة، تضاف جريمة اغتياله النكراء، الى سابقاتها من الجرائم السياسية التي ألمت بلبنان في السنوات الأخيرة، وطالت العديد من شخصياته الوطنية والسياسية والإعلامية البارزة. من دون شك، سيكون لهذه الجريمة آثار وتداعيات سياسية وأمنية كبيرة على لبنان، خصوصاً في ظل ما تشهده الحكومة اللبنانية من انقسام في الموقف والرأي من القضايا الأساسية المطروحة على جدول أعمالها، في مقدمها مطالبة لبنان بمحكمة دولية للنظر في قضية الحريري ومحاكمة المتهمين بها وتوسيع مهامها لتشمل جريمة اغتيال تويني وباقي الاغتيالات السياسية الأخرى، وقد تكون هذه الجريمة هي الأخطر بتوقيتها وظروفها السياسية والأمنية المتوترة، لبنانياً وإقليمياً، فقد تزامنت جريمة اغتيال جبران تويني مع تقديم القاضي الدولي ديتليف ميليس تقريره الى مجلس الأمن الدولي، حول جريمة اغتيال رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان الأسبق، والذي تضمن اتهامات لضباط أمنيين سوريين يشتبه بتورطهم في هذه الجريمة الى جانب ضباط لبنانيين. إذ يخشى الكثير من المراقبين من أن تسبب نتائج تقرير ميليس في "انفجارات سياسية" قد تدفع باتجاه "الانفجار الكبير" الذي يهدد المنطقة والفوضى التي حذر البعض منها، خصوصاً إذا ما تم فرض عقوبات على سورية ومحاصرة نظامها السياسي القائم .

بلا شك، الأسئلة كثيرة وكبيرة، تلك التي يطرحها المشهد اللبناني الراهن والمرير في وسط هذا السجال المفتوح حول مسلسل الاغتيالات والتفجيرات التي تحصد الأبرياء وحول الاختراق الأمني للدولة اللبنانية والصخب الحاد حول المستقبل السياسي لهذه الدولة، لكن ما من أحد قادر على تقديم الإجابات المحددة والواضحة في ظل تشابك الأحداث وتسارعها وتداخل المحلي مع الإقليمي مع الدولي، في هذا المشهد اللبناني الهائج. لهذا أعتقد بأن الأولوية اليوم وفي هذه المحنة الشديدة والخطيرة التي تعصف بلبنان، لم تعد هي معرفة من يقف وراء مسلسل الاغتيالات والجرائم السياسية، بغض النظر عن هذه الجهة - طبعاً من غير أن نقلل من أهمية هذه القضية في فك لغز المشهد اللبناني- وإنما الأولوية يجب أن تكون لما يجب على لبنان، حكومة وشعباً، ان يفعله ويقوم به من اجراءات سريعة ووقائية وضرورية، أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة، تضمن وحدة لبنان وعدم دفعه باتجاه المنزلق الخطير، أي حرب طائفية جديدة، يخطط لها من يقف وراء هذه الاغتيالات وتفويت الفرصة عليهم في الوصول الى "الاغتيال الكبير" الذي يستهدف لبنان المتميز بوجوده ورسالته، والحيلولة دون تحقيق هؤلاء لمشاريعهم الفئوية والطائفية في لبنان. ان ما يحدث للبنان اليوم وما يواجهه من تحديات ومخاطر، هي أكبر من قدرة لبنان على تحملها ومواجهتها بمفرده، خصوصاً والكل يعلم ما يعانيه لبنان من ضعف وتمزق في بنيانه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فلبنان لم يتعاف بعد من جراحه العميقة وآلامه الكثيرة التي تسببت بها الحرب الأهلية المريرة التي عانى من ويلاتها على مدى عقدين من الزمن. إنقاذ لبنان من محنته، بات يستوجب إدخاله غرفة العناية السياسية الدولية المشددة.

 

كاتب سوري

 

للتعليق على هذا الموضوع