7 يونيو 2006

 

 

 

 

 

تجهيل البعض وجاهلية البعض الآخر

سهيل أبو فخر*

 

      كان هذا الأسبوع حافلاً! فبعد صدور بيان مثقفي السويداء، طرق زوَّار الفجر-في وضح النهار- باب بيتي، حيث كنت خارج المنزل، عدة مرات خلال ثلاث ساعات. كل ذلك من

أجل دعوتي لتناول فنجانٍ من القهوة!

 

      عندما عدت إلى المنزل عادوا مثلي تماما! تمت دعوتي بطريقة مهذبة تُحسب لهم بالنسبة لما في ذاكرتنا الفردية والجماعية من طرقٍ تعسفيةٍ نأمل أن تكون قد مضت إلى

غير رجعة، وتُحسب عليهم بالنسبة للعصر الذي نعيش ولأمنياتنا الفردية والجماعية أيضاً في عدم استضافة زوار الفجر، سواءٌ أكان ذلك فجراً أم ليلاً، عصراً أم ضحى.

 

سُئلت إن كنت مع ضرورة إطلاق سراح معتقلي الرأي فأجبت بالإيجاب. لم يثر جوابي حفيظة السائل، وكأني به أصبح متفهماً لهذه النقطة. بيد أنه-على ما يبدو- مستاء من تأييد

إعلان بيروت دمشق— دمشق بيروت، فسألني إذا ما كنت أؤيد هذا الإعلان فعلاً، أجبته بالإيجاب أيضا. لكن المشكلة لا تكمن ها هنا، فهو يظن أن هذا الإعلان لا يكتسب قوته من قوة الموقعين عليه بل من عوامل خارجية! لن ندخل في عالم اللامرئيات، يكفي أن نقول أن من وقَّع على هذا الإعلان قد وقَّع نصاً واضحاً محدداً، فلا يحق لنا أن نرجم أحداً بالغيب ونتهمه باتهام لا سند له، ثم نطلب منه أن يبرر موقفه.

 

      انتهت "المقابلة".. خرجتُ.. مشيتُ.. مزدهياً؟ مكسوراً؟ منتصراً؟ مهزوماً؟ لا أدري. غير أن طراوة المساء جعلت بشارة الخوري يمشي إلى جانبي منشداً:

الأرض... سوريـا أحبّ ربوعـها         عندي ولبنانٌ أعزّ جبالهـــــا

تشتاق عيني قبل يغمضها الردى            لو أنها اكتحلت ولو برمالها

 

      عدت إلى المنزل. الساعة العاشرة والنصف ليلاً. زارني صديقان من حزب البعث العربي الاشتراكي. كانت زيارة ودية، فنحن أبناء منطقة واحدة تجمعنا صلة القربى ووحدة المصير. سألني الزائران إن كنت مع إعلان بيروت دمشق، وكأنهما يأملان في أن يكون جوابي نفيا. ولما كان الجواب هو العكس، استغربا أن يؤيد شخص "جيد" مثلي هكذا إعلان. سألت زائريَّ إذا كانا قد قرآه، فأجابا بالنفي. قلت لهما: أليس من الأفضل بل من الواجب أن يطَّلع عليه كل عضو في الحزب بغية اتخاذ موقف قوي منه سواءٌ أكان هذا الموقف سلبيا أم إيجابياً؟ أهذا جهلٌ أم تجهيل؟ كرَّم الله وجهك يا علي، فالإنسان عدوُّ ما يجهل! وقبل أن أتلقى جواباً منهما، قدمت لهما نسخةً عنه، قرأها الأول ثم أعطاها للثاني فقرأها بدوره. راح كل منهما ينظر في وجه الآخر، ثم ساد الصمت، والصمتُ أبلغُ!

 

      في اليوم التالي جاءني صديقان شيوعيان. شرح أحدهما موقفه من الإعلان فأشار إلى نقطتين سلبيتين، أولاهما أنه يخلو من الإشارة إلى الإمبريالية الأمريكية، والنقطة الثانية أنه جاء في توقيت يتناغم مع القرار 1680 الموجه ضد سوريا. سألته عن النقاط الأخرى، قال إنها إيجابية. سألته هل ورد في بلاغكم الذي أصدرتموه أن جميع النقاط إيجابية باستثناء هاتين النقطتين، أجاب بالنفي لكنه أشار إلى استغرابهم لجوء السلطات إلى اعتقال بعض الموقعين عليه. سألته إن كان قد قرأ الإعلان "سيء الصيت"، قال لا. قلت له كيف تتخذ موقفاً من شيء تجهله؟ أما بالنسبة للتوقيت يا صاحبي فهو في بلادنا العربية غير مناسب إلى أن تطلع الشمس من مغربها (حسب القرآن الكريم) أو تهتزَّ جدران أريحا (حسب الكتاب المقدس). أما بالنسبة لخلوِّه من الإشارة إلى أمريكا فهذا غير صحيح، وقرأت له الفقرة التي تنص على "تعزيز المواجهة المشتركة للعدوانية الإسرائيلية ومحاولات الهيمنة الأمريكية، وإرساء العلاقات على أسس نابذة لمشاريع الإلحاق والاستتباع". أما بالنسبة لاستغرابكم لجوء السلطات إلى أسلوب اعتقال بعض الموقعين عليه، فحمداً لله أنكم تستغربون، فعندما أقول أستغرب على فلان أو علان قيامه بمثل هذا التصرف فهذا يعني أنه لا يقوم به عادة، إنما جاء هذا التصرف استثناءً مخالفاً للقاعدة، فهل الاعتقال السياسي نادر الحصول في بلادنا كي نستغربه؟ ثم تقولون في بلاغكم "إن القضايا السياسية الكبرى لا تعالج بإجراءات أمنية وحسب، بل بفضح جوهر السياسة والمخططات الإمبريالية الصهيونية..."، يتضح من هذا القول أنكم موافقون على الإجراءات الأمنية، لكنكم لا تكتفون بها. لقد قال الشعب المصري "كفاية!"، أما أنتم فما زلتم تنشدون "مش كفاية"، أية مازوخية هذه؟! كيف يمكن مواجهة المخططات الأمريكية؟ هل نواجهها بملايين العاطلين عن العمل أم نواجهها بفتياتنا اللواتي يتسوَّلن عملاً في محلٍ تجاري أومكتبٍ أو عيادةٍ بمرتب شهري لا يتجاوز 1500 ل.س مما يدفعهن لأن يبعن الغالي والرخيص بغية الحصول على 500 ليرة إضافية؟ هل نواجهها باعتقال الأدباء والمفكرين وتبجيل اللصوص والمخبرين؟ هل نواجهها بالخطابات الطنانة ونحاكمها في محاكمنا الاستثنائية فتكون نسياً منسيا؟ هل نواجهها بارتداء العلمانية قميصاً والعروبة سروالاً والروحانية جلباباً أم نوجهها بعوراتنا المكشوفة وخيراتنا المنهوبة وأعيننا المعصوبة؟ في نضال شعبنا ضد الاستعمار الفرنسي أيام سلطان الأطرش وإبراهيم هنانو وصالح العلي، كان الثائر يهجم على الدبابة بجسده العاري فينتصر عليها. كان ذلك الثائر أميِّـاً لا يعرف القراءة والكتابة ولم يكن ليحفظ عن ظهر قلب مناهج التربية القومية الاشتراكية، فعاشت أميتهم وبئس تعليمكم!

 

أصبحت الساعة الواحدة ليلاً، أخذني الحديث فلم أقم بواجب الضيافة، استدركت الأمر وأنشدت باللغة الجاهلية التي يفهمها صاحبي:

وأطلسَ عسَّالٍ وما كان صاحباً           دعوتُ بنــاري موهنــــاً فأتاني

تعشَّ فإن عاهدتني لا تخوننـي            نكن مثلَ من يا ذئبُ يصطحبانِ

 

* السويداء- سوريا

 

للتعليق على الموضوع