8 أغسطس 2005

 

 

عطش التاريخ

صبحي حديدي

 

في برنامج "دروب"، ضمن الجزء الأوّل من حلقة بعنوان "العلاقة بين الأدب والأيديولوجيا" بثّتها قناة "الجزيرة" القطرية مؤخراً، قرأت للصديق الشاعر اللبناني عباس بيضون رأياً في الرواية السورية، مفاده التالي (وأنا هنا لا أقتبس حرفياً، بل أنقل بالفصحى ما قاله بيضون بالعامية، ونشرته الفضائية في موقعها على الإنترنيت):

أنا أحياناً أقرأ رواية تبدأ رائعة وفيها قوّة كاملة، وفجأة أحسّ أنّ النصّ أخذ يسقط، ويسقط ليس بسبب عدم جدارة الكاتب وإنما بسبب آخر هو التدخّل الأيديولوجي الضمني والأفكار البسيطة الساذجة عن العالم. الرواية السورية كلها هكذا إلى حدّ كبير، وهي بجزء كبير منها هكذا. تقرأ كتاباً لعدد من الروائيين فتحسّ أنّ فيه قوّة موهبة، وتشعر أنّ الصفحات العشرين او الثلاثين الأولى قوية ومتينة، وأحياناً تشعر بمستوى كبير وعالمي. بعد قليل تشعر أنّ العمل أخذ يتدهور، وأنّ التدهور نابع أساساً من وجود التزامات أيديولوجية وموجبات أيديولوجية يرى الكاتب أنه مجبر عليها، وأنّ الأدب لا يكون بدونها، وأنّ هذه رسالة ينبغي إيصالها. وهذه الإلتزامات الأيديولوجية هي دائماً عبارة عن منظومة أفكار بسيطة وشعبية وإلى حدّ كبير ركيكة، وغالباً ما تؤدي إلى تدمير العمل الروائي.

 

والحال أنني لا أختلف مع هذا الرأي في العمق فحسب، ولا أجد فيه مقداراً من التعميم مفرطاً ومطلقاً فقط، بل أرى أيضاً أنه ينطوي على قسر في إطلاق صفة الأيديولوجيا على تلك "الإلتزامات" و"الموجبات" من جهة أولى؛ ثمّ إصدار أحكام قيمة قدحية، عن التبسيط والشعبية والركاكة من جهة ثانية. ذلك لأنّ ما يحضر بقوّة في الأدب الروائي السوري ليس الأيديولوجيا في نظري، أو ليس الأيديولوجيا الخالصة بوصفها منظومة أفكار تُفرض على النصّ الأدبي من خارجه ومسبقاً (كما يساجل بيضون)، بل هي سلسلة متباينة لمظاهر أدلجة السرد وأدلجة الشخصيات وأدلجة النوع الأدبي عموماً. في عبارة أخرى مختصرة: هي حضور شديد الطغيان للتاريخ، ولا مفرّ لأيّ تاريخ من أن يكتنفه التأدلج!

 

وبهذا فإنّ هذه الحال ليست حكراً على الرواية السورية، إذْ لعلّ للرواية اللبنانية الباع الأطول، وتحديداً في استعادة وتوظيف موضوعة الحرب الأهلية اللبنانية التي لا تكاد تخلو منها رواية لبنانية معاصرة. المسائل الفنّية، بمعنى السويّة والموهبة والمتانة والقوّة، تظلّ نسبية دائماً وفي كلّ وأيّ مشهد روائي على وجه الأرض. وكما أنّ حضور التاريخ السوري القديم أو الحديث قد يفقر أو يغني هذه أو تلك من الروايات السورية، فإنّ خضوع تسعة أعشار النتاج الروائي اللبناني لهيمنة الحرب الأهلية قد يسفر عن نتيجة مماثلة: إما أن يُفقر أو يُغني.

 

وفي ما يخصّ العلاقة بين الرواية والتاريخ عموماً، يشدّني على الدوام ذلك التشخيص البديع الذي اقترحه الكاتب والمؤرّخ الإنكليزي توماس كارلايل (1795 ـ 1881): "إن كلامنا نفسه تاريخي على نحو عجيب. ولعلّ المرء يلاحظ أن معظم الناس لا يتحدثون إلا لكي يسردوا؛ وهم يسهبون لا لكي ينقلوا ما يفكرون به، وهذه في الواقع مسألة طفيفة، بل لكي يعرضوا ما رأوا أو ما وقع لهم، وهذه مسألة لا حدود لها. فإذا انقطعت بيننا الحكاية، فإنّ دفق المحادثة سوف يتضاءل إلى حفنة كلمات مبعثرة حتى عند الأشخاص الأكثر حكمة، وسيتبخّر تماماً عند الحمقى! وهكذا، بينما لا نقوم بشيء آخر سوى إحداث التاريخ، فإننا في الآن ذاته لا نقول الكثير بمعزل عن رواية التاريخ.

 

الإنصاف، من جانب آخر، يقتضي مساجلة الصديق بيضون في الجانب "الكمّي" من حكم القيمة الذي يصدره على الرواية السورية: أنها، في التبسيط والشعبوية والركاكة، "كلها هكذا إلى حدّ كبير، أو وهي بجزء كبير منها هكذا". معظم الرواية السورية ليس هكذا في الواقع، وثمة الكثير من البراعة والتميّز والديناميكية والحيوية في مقاربة الموضوع التاريخي، وثمة استطراداً الكثير من التحدّيات الفنّية التي تخصّ الشكل والأسلوب واللغة. هنالك التاريخ بوصفه إعادة تورية فانتازية مجازية (سليم بركات)، أو إعادة تمثيل رمزي ـ مَزْجي للأزمنة والشخوص (هاني الراهب)، أو رواية داخل الرواية (فواز حداد).

 

على سبيل المثال، رواية سليم بركات أرواح هندسية، 1987، تقوم على عمارة فانتازية تيسّر تأرجح الخيال بصورة حرّة بين المشهد التسجيلي والأجواء السحرية، وبين بيروت الطبيعية وبيروت العجائبية، على خلفية زمن أسطوري متخيَّل وآخر شهد الحرب اللبنانية ونهايات الاجتياح الإسرائيلي 1982 وخروج الفصائل الفلسطينية. رواية هاني الراهب رسمت خطاً في الرمال، 1999، تستعيد عيسى بن هشام وأبو الفتح الإسكندري وشهرزاد ودنيا زاد وشهريار، ثمّ تضمّ إليهم شخصية المواطن محمد عربي محمدين، لكي تنقّل مسرح الأحداث بين أكثر من زمان وأكثر من مكان.

 

الأرجح أنّ هذه الخيارات جزء من عطش السوري إلى التاريخ أو تعطشه إلى صناعة التاريخ، في موازاة الحال العالقة التي يصنعها نظام سياسي يحظر أيّ تاريخ شعبي خارج منظومة الإستبداد. وإذا صحّ هذا، فهل في وسع السوريّ المعاصر أن يجنح إلى ترف إطراح هذا الطراز من أدلجة الواقع؟

 

s.hadidi@libertysurf.fr

 

للتعليق على هذا الموضوع