28 نوفمبر 2005

 

الصفيح والخيش

صبحي حديدي

 

 

 

زكريا تامر روائي سوري، له 75 رواية، أشهرها "دمشق الحرائق"، وأكثرها شعبية روايته "نداء نوح"، وهو يُعتبر أبرز كتّاب أدب الأطفال في العالم العربي! ومحمد الماغوط كاتب مسرحي، أبرز إنجازاته مسرحية "ضيعة تشرين" بالتعاون مع دريد لحام ونهاد قلعي، والتي تنتقد عهد الوحدة وجمال عبد الناصر؛ وله مع ذلك مجموعة شعرية بعنوان "حزن في ضوء القمر"! وأمّا ثالثة الأثافي فتلك التي تقول إنّ رياض الترك صاحب خطّ ماوي (نسبة إلى ماو تسي تونغ) اختلف فيه مع خالد بكداش؛ واعتُقل سنة 1980 وأفرج عنه سنة 1998 بعد أن تعهّد بـ "ترك السياسة وقضاء ما تبقى من حياته في سلام وأمان"؛ و"خلال السنوات الثلاث التالية تجنّب الترك الحياة العامة فلم تضايقه السلطات الحكومية"، حتى ظهر في برنامج على "الجزيرة" وتحدّث "بسلبيّة بالغة عن الحكومة السورية"، ولهذا فقد اعتُقل مجدداً، ثم أطلق سراحه بأوامر من الرئيس بشار الاسد في تشرين الثاني 2002؛ ومنذئذ "أقلع نهائياً عن كلّ نشاط سياسي"!

 

هذه ثلاث عيّنات من العثرات الخطيرة التي يسقط فيها الكاتب السوري سامي مبيّض، في كتابه "فولاذ وحرير: رجال ونساء صنعوا سورية 1900 ـ 2000"، الذي صدر بالإنكليزية قبل أسابيع في سياتل، الولايات المتحدة، عن دار النشر Cune Press، في 624 صفحة. ويقترح هذا المجلد تعريفات، أو تراجم كما يقول المصطلح الفصيح، عن 341 من رجال ونساء سورية في القرن العشرين، هم "أبطال وأنذال السياسة والثقافة والطموح الوطني" كما جاء في كلمة الغلاف الأخير. لا نعرف حكمة استخدام صفة "أنذال" Villains هنا، ولكننا نرجّح أنّ العثرات آنفة الذكر جديرة بأن تقلب الفولاذ صفيحاً، والحرير خيشاً!

 

وكان هذا العمل سيشّكل إسهاماً جدّياً وجوهرياً في جهود كتابة تاريخ سورية خلال القرن العشرين، لولا أنّ تلك العثرات تجعل الركون إلى معلومات مبيّض أقرب إلى المجازفة المفتوحة. غنيّ عن القول، طبعاً، إنّ صواب المعلومة هو الركن الأوّل في أيّ تأليف من هذا القبيل، يرقى في مستوى الخدمة المرجعية إلى مصافّ القاموس اللغوي والموسوعة العلمية. ذلك لانّ الخطأ هنا قاتل ولا استئناف فيه، ليس عند القارىء السوري الذي سوف يميّز دون عناء بين زكريا تامر ومحمد الماغوط ورياض الترك كما يعرفهم، وهؤلاء أنفسهم كما يعيد مبيّض إنتاجهم، بل عند القارىء الأجنبيّ الذي سوف يعتمد معلومات الكتاب دونما مساءلة، ولا ملامة عليه في ذلك.

 

زكريا تامر

 

ليست هنة عابرة أن يُقال عن زكريا تامر إنه روائي Novelist، إذا كان الرجل لم يكتب رواية واحدة يتيمة في حياته من جانب أوّل، وإذا كان من جانب ثانٍ ـ هو الجوهري الأكثر أهمية ـ أحد أساتذة فنّ القصة القصيرة في الأدب العربي، وأحد كبار كبارها وهم أصلاً قلّة قليلة. هذا خطأ قاتل، ومثله أن يُختزل الرجل إلى قاصّ للأطفال، ليس استهانة بأدب الأطفال، بل ببساطة لأنّ تامر ليس أديب أطفال أكثر من أيّ قاصّ أو روائي أو شاعر خاطب بعض أدبه الطفل هنا وهناك، بين حين وآخر. (لعلّ البعض يتذكّر السلسلة الشهيرة لدار "النورس" في بيروت السبعينيات، التي قدّمت للأطفال مختارات أدبية كانت بينها قصائد من سعدي يوسف ومحمود درويش وآخرين، كما نشرت لزكريا تامر نفسه إذا لم تخنّي الذاكرة).

 

محمد الماغوط

 

ليست هنة عابرة، كذلك، أن يُختزل شاعر كبير مثل محمد الماغوط، أحد أبرز روّاد الحداثة الشعرية العربية ـ والرائد الأبرز على صعيد شكل وموضوعات قصيدة النثر تحديداً، في يقيني الشخصيّ ـ إلى محض كاتب مسرحي تعاون مع لحام وقلعي. هذا، هنا أيضاً، لا يمسّ في شيء احترام الكتابة للمسرح بوصفها واحدة من أعرق وأخطر الفنون. لكنّ الاحترام ينبغي أن لا يطمس الحقيقة التي تقول إنّ الماغوط شاعر أوّلاً، وبعد "حزن في ضوء القمر"، 1959، كان قد أصدر مجموعتين شعريتين هما "غرفة بملايين الجدران"، 1964، و" الفرح ليس مهنتي"، 1970. يُضاف إلى هذا أنّ مسرحياته "المهرّج"، 1974؛ و" المارسيليز العربي"، 1975؛ و"العصفور الأحدب"، 1976 (وهذه، جميعها، لا يأتي مبيض على ذكرها البتة!)، أكثر أهمية بما لا يُقاس من "ضيعة تشرين" والمسرحيات الخفيفة التي تعاون فيها مع لحام.

 

ومبيّض، الذي يدرج وزيرة المغتربين بثينة شعبان في عداد كتّاب وفنّاني سورية، يتجاهل عشرات الأسماء اللامعة التي لا يصحّ أن تغيب عن عمل موسوعي من هذا الطراز، مثل عبد الباسط الصوفي وسعيد حورانية وهاني الراهب وممدوح عدوان وسليم بركات، في الأدب؛ ونذير نبعة ومروان قصاب باشي وسعيد مخلوف، في الفنون التشكيلية؛ وأبو خليل القباني (الذي عاد من مصر إلى سورية في العام 1900 ليستأنف نشاطه المسرحي، ويصبح تاريخ عودته سنة تأسيس المسرح السوري الحديث) وفايزة أحمد وسعاد حسني ونجاة الصغيرة (ما دام قد أدرج أسمهان وفريد الأطرش)، في فنون المسرح والغناء.

 

 

وأمّا سيرة رياض الترك، فإنّ من الخير لي أن أدع التعليق للقارىء، الذي يعرف أنّ أحدث مبادرات الترك (تارك السياسة نهائياً، حسب مبيض) كانت المطالبة باستقالة بشار الأسد!

s.hadidi@libertysurf.fr

 

للتعليق على هذا الموضوع