13 يوليو 2005

 

 

الجزيرة

شريف مليكة

 

عثرت مصادفة على تلك الكتابات السرية أثناء مداعباتى للإنترنت مؤخرًا،  ووجدتنى مضطربًا أولا لخطورة المستندات ـ إن أردنا أن نسميها مستندات ـ ومدفوعًا ثانيةً لنشرها كاملة بين أيديكم لتحكموا أنتم عمَّا إذا كانت حقـًا تستحق كل هذا الإهتمام من ناحيتى.. ولا أخفى عنكم سرًا لو قلت أننى ترددت لأسابيع طوال ـ أو حتى بضعة أشهرـ حتى قررت أخيرًا أن أضع هذه المعلومات على الورق،  بل وأنشرها على الملأ  ليقرأها من يقرأها،  وأنا أعلم بعاقـِبة مثل تلك الأمور فى أيامنا هذه..  وبسبب هذا التردد القاتل،  لم أشرك أحدًا فى إتخاذ هذا القرار،  حتى أقرب الناس إلىَّ..  وقد يستغرب البعض مثل هذا التصرف،  أي التضارب بين التكتم التام لأسابيع أو شهور،  ثم الإفصاح الكلـِّى بالحقيقة كاملة على الملأ..  وأنا معكم فى ذلك التعجب، أو حتى التهكم إذا إختار أحدكم أن يسخر من تصرفى هذا،  ولكن دعونى أولا أفسر هذا القرار.

 

قبل أن أبدأ سأوضح لكم بعض النقاط التى قد تساعدكم على تفهم موقفى هذا.  أولا كيف عثرت على تلك المكاتبات؟..  كنت ذات يوم وحيدًا بالمنزل،  حيث ذهبت زوجتى وأولادى لزيارة أهلها لبضعة أيام،  ومكثت فى غرفتى أزاول عذوبيتى الغائبة لزمن طويل،  حين جلست أمام شاشة الكومبيوتر أقرأ ـ كعادتى ـ الأخبار حول العالم.  وجدت خبرًا صغيرًا فى أحد الصحف الأمريكية الشهيرة ـ ولن أذيع إسمها على الأقل فى الوقت الحالى ـ يدعى كاتبه بأنه قد عثر على بعض المكاتبات بين أفراد يبدون وكأنهم من مركز المخابرات الأمريكية،  حول أناس من أصل شرق أوسطى،  وكيف أن هذا الكاتب وجد أن تلك المعلومات،  وإن خلت من الأهمية الإستراتيجية،  ولكن كان يجب أن تحاط فى رأيه بدرجة ما من السرية،  لا تتيح لمثله أن يعثر عليها فوق صفحات الإنترنت بل وينشرها... الخ.  ووجدتنى ـ مدفوعـًا بفضولى المعهود ـ أقتفى أثر ذلك الخبر الصغير وأتعقب خطى ذلك الكاتب حتى عثرت على تلك الكتابات عينها على صفحات الإنترنت،  بل وتتبعتها الى مصادرها الأولى فوجدت العجب!  وفى نهاية الليلة كنت قد جمعت عشرات من الرسائل الإستخبارية بين شخصين أو جهتين من خلال موقع إلكترونى،  محاط بالسرية المفترضة،  وإن كان كما ذكر كاتب المقال مباح لأى فضولى مثلى،  جمعتها فى ملف حول ذلك الموضوع،  وإحتفظت بها داخل ذاكرة الكومبيوتر تحت عنوان "الجزيرة"..  أغلقته وجلست أمام الشاشة السوداء لساعات أحملق فى سوادها وأتساءل عن أهمية تلك المعلومات،  وقد إرتجفت أطرافى جزعـًا من عاقبة حصولى عليها..

 

مكثتُ فترة صامتـًا لا ألوى على شيئ.  ومضت بى الأيام بوتيرتها الطبيعية بين العمل والقراءة والأصدقاء،  وعادت أسرتى من سفرها،  وعاد الضجيج الى البيت من جديد مخففـًا حدة الوحدة وثقل كتمان الخبر عن الجميع..  كنت حينئذ مقتنعـًا تمامـًأ بأن إشراك أى شخص بمكنون سرِّى الخطير قد يؤدى الى إفشاءه من جانب،  أو يؤدى بذاك الشخص الى نفس المعاناة التى أمر بها،  على الجانب الآخر،  فآثرت الصمت..  أيام وأيام تمر رتيبة ومازلت فى صمتى أعمل وأخرج وأدخل ثم أنفرد فى آخر كل ليلة بتلك الرسائل أقرؤها مرات ومرات،  وأفكر فيها،  وعنها،  وأكاد أجن لعدم مقدرتى فى مشاركة أحد بمكنون سرِّى الخطير..  وذات أمسية وكنت جالسًا أمام مكتبى،  تعبث أناملى بكوب الشاى الخالى إلا من بقايا الزهور البنية الذابلة القابعة فى قاعه،  افكر فى تلك المسألة، لاح لى الحل "الثالث"..  لا لن أبقـِى السر لى حتى أطق غيظـًا،  ولن أبح به لأحد فيشاركنى كمدى بلا طائل،  بل سأعلنه ليس لفرد اوإثنين بل للجميع،  عملا بالمثل القائل " يا خبر بفلوس بكره يبقى ببلاش  وحيث أننى لم أحصل على الخبر بطريق غير مشروع،  وحيث أن الجميع سوف يعلمون بالخبر بعد نشره على الملأ،  فأن محاولة الضغط علىَّ،  أو على عدد محدود من أصدقائى يعرفون بالخبر،  من قـِبـَل أجهزة المخابرات،  سيكون بلا طائل لو نـُشرت القصة فوق هذه الصفحات وقرأها الجميع،  إذ أن السر لن يعد سرًا حينذاك،  بل وسيحمينى إعلانه شخصيـَّا،  حيث أن مصدر الضرر سيكون جليـًّا لو وقع بى مكروهٌ بعد النشر..  مددت يدى ليلتها،  وأطفأت المصباح أمامى،  وتسللت الى فراشى مطمئنـًأ الى هذا الإستنتاج ورحت فى سبات عميق..

 

ماذا عرفتُ ياسادة؟ حكاية كالخيال!!  ولِما كنت أصدقها شخصيـًا لو لم أكن قد رأيت هذه الرسائل بأم عينى..  والمكاتبات تأخذنا الى سبعينيات القرن العشرين حين بدأت الخطة تحاك وبالتدريج تنفذ على مستوى واسع ..  فى أوائل المكاتبات فكرة لنشر إستمارات "القرعة"  بين أفراد شعوب العالم الثالث وذلك بغرض الهجرة للولايات المتحدة..  وخلال السنين التالية ومع تنامى التيار الدينى العنيف بين الشعوب العربية،  نشأت الفكرة الجهنمية لإستقطاب أشخاص منتقين من بين سكان تلك الشعوب،  يقدر عددهم بالعشرات أولا،  ثم بالمئات والألوف على مدار سنين قليلة،  عن طريق قرعة مزوَّرة معلومة النتائج،  يهاجر من خلالها هؤلاء المنتـَقون الى جزيرة فى المحيط الأطلسى مملوكة للمخابرات الأمريكية جنوب غرب جزر "برمودا" ،  ولكن كينونة تلك الجزيرة غير معلن،  ولا وجود لها فوق خرائط المساحات والمناطق البحرية المعروفة،  ولا يعرف بوجودها أحد..  بمعنى آخر فإن تلك الأرض فى الواقع مكان لا وجود له على الإطلاق إلا عند القلة القليلة التى تملك بزمام تلك المعلومات البالغة السرية..  أما الأغرب فعلا فهو إعداد تلك الجزيرة للحياة كأى مدينة أمريكية متوسطة الحجم،  بل وتجنيد ما يزيد عن إثنين مليون أمريكى من مختلف الأعمار للحياة بها فى كافة المجالات الحياتية المعروفة،  وذلك لإستقطاب هؤلاء العرب ليعيشوا بينهم كمهاجرين،  يفترضون الهجرة للولايات المتحدة،  ليراقبوا تصرفات هؤلاء العرب وعوائدهم عن قرب على مدار السنين،  فى محاولة لفهم سلوك تلك العينة من البشر فى تلك البيئة المحكومة،  وإستنباط قواعد للتعامل مع بقية الشعوب بحسب توجيهات خبراء علوم الإجتماع (السوسيولوجى) ودراسة تاريخ الشعوب(الأنثروبولوجى)..

 

وفعلا هاجر الى تلك الجزيرة الوهمية،  بحسب ما جاء فى تقرير بتاريخ 13 مايو 1999:  "...وصل الى الجزيرة حتى الآن 100342 (مائة ألف وثلاثمائة وإثنين وأربعين) مواطن من مختلف البلدان العربية موزعون حسب التعداد النوعى والعرقى والدينى لسكان الدول العربية..."  وجاءت بعض الملاحظات عنهم مشوبة بالطرافة حينـًا وبالإستنكار أحيانـًا..  وكانت أصعب مشكلة تواجه الإدارة بصددهم هى إجبارهم على البقاء فى الجزيرة،  منعزلين نهائيًا عن العالم الخارجى، لأعوام وأعوام لأن خروجهم منها كان سيهدد كتمان أمر هجرتهم المزعوم.. فجاء فى خطاب بتاريخ 12 ديسمبر 1998 : "ماذا لو أراد بعض اللبنانيون الموارنة العودة لقضاء الكريسماس فى لبنان مع الأهل؟ لابد أن نمنع هذا بشدة لأنه قد يفشى بسر المشروع الى الأبد...  أعلننا لهم أن إجراءات الهجرة تستلزم بقاؤهم حتى إستيفاء جميع الأوراق،  وإلا فسيستلزم الأمر إعادة تقديم طلبات الهجرة من جديد...  وقد أفلحت هذه الحجة فى إستبعاد فكرة السفر لدى الجميع بحسب التقارير الميدانية التى وصلتنى بالأمس..."  ولك أن تتخيل عزيزى القارئ مدى إنعزال هؤلاء المهاجرون عن أوطانهم الأصلية من خلال كلمات هذا الخطاب بتاريخ 16 نوفمبر 1981 : "... ولم يعلم أى من المصريين بواقعة إغتيال الرئيس السادات،  إلا بعدها بأسابيع وعن طريق محطات الإرسال العربية الداخلية المبرمجة.." أى أنهم كانوا يزيعونهم أخبار منتقاة ومختارة بعناية بحسب رؤية الجهاز المسيطر على العملية!!

 

ولكن دعونا من كل هذا الآن،  و تأملوا معى كيف عاش هؤلاء العرب المهاجرون اللذين وصل تعدادهم فى تقرير لاحق (23 مارس 2004 ) الى 176215 (مائة وست وسبعين ألف ومائتين وخمسة عشر)..  تقول الخطابات بأن الجهات المتابعة لسلوكهم الجماعى قد فوجئت بتمركز هؤلاء المهاجرون فى أحياء متفرقة فوق الجزيرة ليصنعوا لأنفسهم أحياء أو مناطق سكنية شبه منعزلة،  وبخاصة المهاجرون المصريون والشوام والخليجيون، كل فى محيطه الخاص ودائرته المقفولة بالرغم من محاولة السلطات لتجميعهم فى أحياء أو ضواحى مشتركة لتسهيل مراقبتهم..  وفى تقرير بتاريخ 21 أغسطس 2000 : "وكان أول عمل جماعى للعرب بعد خمس سنوات من بدء التجربة هو بناءهم لجامع إسلامى سنـِّى،  ثم بعدها بعدة شهور،  وبتقارب زمنى غريب، قامت كنيسة أرثوذوكسية مصرية،  ثم كنيسة ونادى إجتماعى للجالية الشامية يرتاده الموارنة والسيريان الأرثوذوكس.  وقد لاحظنا إرتباط السريان الشوام بالكاثوليك اللبنانيين وليس بالأرثوذوكس المصريين،  كما لاحظنا عزلة الشيعة المسلمين بوجه عام عن ممارسة عبادتهم فى الجامع السنى وعزوفهم عن إقامة جامعًا خاص بهم، كما شاع نوع من الحذرفى المعاملات بين السنة والشيعة وبين المسيحيين والمسلمين وإن لم يؤد ذلك الى أية مواجهات عنيفة على مدار الوقت..."  وبعد بضع سنوات، وتحديدًا فى 25 أكتوبر2003 ذُكـِر فى خطاب : "... زاد الإتجاه الدينى بشكل ملحوظ ، وخصوصًا بعد تعيين الشيخ (أحمد محمد غنيم) بمجلس إدارة الجامع،  ثم قيامه بالوعظ والإرشاد به أسبوعيًا،  وهو شاب مصرى حاصل على مؤهل متوسط ،  جيئ به فى ديسمبر 2001،  لمراقبة تأثيره على العرب بالجزيرة..  وقد لوحظ بعد تنامى التدين، إزدياد عزلة بعض الممارسين المواظبين على زيارة الجامع،  بشكل مبالغ وتخلفهم عن حضور الإحتفالات المدنية بالجزيرة،  بل والمشاركة فى النشاطات الإجتماعية المختلفة تدريجيًا،  وخصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر وبعد حرب أفغانستان.."

 

خطابات.. وخطابات..  عن أحوال وشئون جماعة من البشر، ليست بالقليلة،  تعيش فوق جزيرة مجهولة،  حياة كريمة ومجزية من ناحية،  ولكنهم فى الحقيقة يعيشون أكذوبة كبيرة،  تحت المجهر وكأنهم فئران للتجارب.  لم أكن أعلم كم ستمتد تلك الخدعة وإن كنت شككت فى إمكانية إستمرارها لمدة طويلة وذلك بسبب خطاب قرأته بتاريخ 26 يناير 2005 يقول : "... ومن غير المعقول،  بل و سيصعب تصديق أنه قد حصل فعلا،  هوما حدث الأسبوع الماضى.  أنت تذكر طبعًا يا "ستيف" العاصفة التى مرت بنا وكانت سببًا فى خلع عامود الرادار، والذى إستغرق إصلاحه بضعة أيام..  فوجئنا فى اليوم التالى بسفينة صيد يونانية متوسطة الحجم دفعت بها الأمواج الثائرة تجاه شاطئنا، وتحطم جزء من مقدمتها إثر إرتطامها بالصخور عند الجانب الشمالى للميناء.  وبالطبع إنتشلها عمالنا بقواربهم البخارية وجذبوها للمرفأ حيث إضطلعوا بإصلاحها.  وقد إستغرق ذلك تسعة أيام،  تصادق خلالها البحارة اليونانيين مع بعض عمال الميناء،  وكانوا يقضون أمسياتهم يشربون ويرقصون معًا فى الحانات القريبة.  وفى يوم رحيل السفينة إكشفنا غياب ثلاثة عمال،  مصرى ومغربى وفلسطينى،  والأرجح أنهم تسللوا الى السفينة وغابوا فى كوَّته عن عيون بقية العمال حتى أبحرت.  والعجيب أنهم، بإستثناء المغربى،  تركوا ورائهم زوجاتهم وأطفالهم،  ولا نعرف لليوم مصيرهم..."  

 

ولابد أن ذلك الهروب كان كفيلا بزلزلة مشروع "الجزيرة" الى الأبد..  خروجهم للدنيا كان بالقطع سبيلهم لتفهم حقيقة هجرتهم المزعومة،  وواقع عزلتهم عن العالم فوق سطح تلك "الجزيرة" المحاطة بالمياه والصخور من كل إتجاه..  "الجزيرة" التى أمضوا فوق أرضها زهرة عمرهم،  فصارت لهم الأمس الفضولى المتسائل،  والحاضر المصارع المكافح، والغد الآمن وإن كان ما يزال فى علم الغيب.. ولكن لابد أن ينهار الحلم فوق صخرة الواقع..  لابد ليد الحقيقة القابض أن ينتزع غرس الوهم الذى ظنوه حياتهم،  منذ أن جاءوا ذت يوم مهاجرين الى "الجزيرة" وحتى أبحروا فى ذلك اليوم على متن تلك السفينة..

 

ولكن العجب العجاب،  أيها القارئ العزيز،  هو ما جاء فى خطاب لاحق بتاريخ 13 أبريل 2005 : ".. وبعد بضعة أسابيع فوجئنا بالسفينة اليونانية عينها ترسوا بالمرفأ ويرتجل من فوق سطحها العمال الثلاثة،  وبهدوء عاودوا أعمالهم فى الميناء وكأنهم لم يغيبوا عنها..  وفى راحة منتصف اليوم تجمع حولهم العمال يرحبون بعودتهم،  وكان بينهم عدد لا بأس به من العمال العرب،  وهنا بدأوا يقصون عليهم تفاصيل مغامرتهم بكل نشوة وتلذذ..  والعجيب هو ما جاءنا فى تقارير من عدد من العمال المراقِـِبين لهم،  فقد أدركوا بالفعل واقع "الجزيرة" وحقيقته،  ولكنهم إختاروا العودة والبقاء،  بالرغم من كل ذلك..  بل ولقد علمنا بما لا يدع مجالا للشك،  أن الخبر قد إنتشر بين معظم الجاليات العربية فى"الجزيرة" ،  وإن إرتسم رد فعلهم ـ بلا إستثناء ـ بالسلبية المثيرة للفضول..."

 

وما يزال الحال على ما هو عليه الى يومنا هذا ـ على ما أعتقد ـ ولكنى أجزم أن هذا هو كل ما أعرفه، عزيزى القارئ ،  عن هذا الموضوع..

 

للتعليق على هذا الموضوع