12 أغسطس 2005

 

 

 

 

"العنف باسم الإسلام"...

الشيخ عفيف النابلسي*

 

 

لأي شيء يحدث هذا القتل العبثي في أكثر من مكان في العراق، وفي غيره من بلدان العالم بإسم شريعة الاسلام، التي تخترق كل يوم بألف ألف فتوى من النوع الخشبي الصنمي التكفيري، وتُحمّل ألف ألف ضحيةٍ بريئةٍ دون ذنب.

 

فهل الإسلام يدعو الى قتل الناس غيلة وعلى قارعة الطريق لمجرد الاختلاف في الرأي أو المذهب أو الدين؟ وهل الإسلام يدعو الى العنف وسيلة في الوصول الى السلطة والحكم؟

 

إن أسوأ ما يحدث هو أن أولئك الذين يروجون للعنف الدموي على أنواعه المتعددة، لا يحتاجون الا الى أهوائهم في تفسير الإسلام، بلغة تخاطبٍ تدل على وهن أصحابها النفسي، وشرودهم الفقهي، وتهافتهم الفكري.

 

وشريعة هؤلاء ليس بالضرورة أن تلازم المعايير والبديهيات والثوابت، وتجري مجرى المحكمات من آيات القرآن الكريم، والأخبار القطعية عن الرسول محمد(ص)، وإجماع المسلمين، بل ولا أن تخضع للعقل وميزانه في تحديد القبح من الحسن، والحق من الباطل، والبريء والضحية من المجرم والجلاد. والا كيف نفسر ظاهرة التكفير والانتقام وقتل المدنيين، وخطف المستأمنين وذبحهم، وإحداث الفوضى واستثارة الضغائن والأحقاد، وتعريض الناس للخوف والترويع والترهيب؟

 

إن ادعاء " الإسلامية الثورية " والحفاظ على قيم الدين لا يكون بالقسوة والتشدد والبطش واستخدام العنف الذي يتسبب بقتل الأطفال والابرياء، لأن ذلك ينافي حقيقة الدين الإسلامي وسماحته.

 

وفي القرآن الكريم قصص معبرة وآيات مثيرة للاهتمام والتفكر حول محور التسامح واللين والرأفة وحرمة إراقة الدماء وغيرها من قواعد الحدود التي تراعى فيها أعلى درجات الاحتياط. إذ الأصل في الإسلام ليس العنف بل اللين، والاختيار والحرية لا الإكراه والقسر والإلزام.

 

فعجباً من أولئك الذين يمارسون العنف كما تمارسه إسرائيل وأميركا، ويبررون لأنفسهم قتل الناس مسلمين ومسيحيين، كيف لا يتأملون سير الأنبياء، وكيف كانت معاملتهم مع أعدائهم وخصومهم؟ وكيف لا يستحضرون تاريخ رسول الهداية والرحمة محمد(ص)؟

 

فما معنى أن يقوم شخص بتفجير نفسه في مجموعة من الأطفال يلهون على قارعة الطريق؟ وما معنى تفجير شخص نفسه بجمع من المصلين في مسجد أو حسينية؟ وما معنى أن نخطف صحفياً أجنبياً ثم نرمي بجثته الى جانب الطريق؟ ومن الواضح أن المبررات نفسها التي تقضي بقتل الناس في العراق كيفما كان، يتم تطبيقها في البلاد الغربية حيث يتم استهداف المدنيين.

 

فأين احترام الأنفس التي أمرنا بها ديننا، والتزام أداب الحوار والمعاشرة، ومعاملة الناس بالمحبة والرفق؟ فهل الاختلاف يبرر كل هذه الدموية، وهل نحن قيّمون على المجتمع فنفرض ما نفرض، ونحرّم ما نحرّم، ونسوّغ لأنفسنا ما نشاء من أفعال ما أنزل الله بها من سلطان. وإذا كان الدين لا يُفرض بالإكراه كما هو صريح القرآن الكريم، وإنّما ترك الله للناس حرية أن تؤمن أو تكفر، فهل نحن أولى من الله بفرض ما لم يفرضه عليهم، وهل نحن أولى منه بالاقتصاص من الذين لا يؤمنون به، بحيث نبرر لأنفسنا قتل كل من لم يتكلم كلامنا ويفعل أفعالنا؟

 

 

تُرى هل هذا المنهج وفقاً لهؤلاء يعزز مكانة الإسلام ويرفع من شأنه، وهل الطمع في الأمجاد والعزة أن نترك الأعداء الحقيقيين، والمحتلين الغاصبين، لنثأر من المدنيين بهذا الشكل الوحشي؟ فما الفرق إذاً بين الإسلام والعنصرية والصهيونية والطائفية؟

 

إذا كنا لا نقبل بالاختلاف والتعايش؟ ما الفرق حينئذٍ بين رسالة الإسلام السمحاء، القائمة على الانفتاح الحضاري، والحوار الإنساني، وغيره من الإيديولوجيات والمذاهب القابضة على الفكر، والمقيدة للحرية، والنابذة للآخر وعدم الاعتراف به الا باعتباره عدواً يستوجب القتل والأذية؟

 

هي محنة وأي محنة، ومصيبة ما بعدها مصيبة، تهدد الإسلام قبل أي شيء آخر وتنتج الجمود، وتُشمت بنا الأعداء، نحن المسلمين الذين نتوق الى أن نثبت لأنفسنا قبل الآخرين، أننا نستحق هذا الدين الذي هو أكمل الأديان، وهذا النبي الذي هو خاتم الأنبياء وأعز المرسلين.

 

واستدرك بملاحظة اخيرة حول ما شهدته بعض العواصم الغربية من تفجيرات مهولة من قبل مجموعات حظيت باحترام هذه الدول، وعاشت بأمان وحرية، واستفادت من الخيرات والخبرات والمعارف الموجودة هناك، ما لم تستطعه في بلاد الاسلام والعرب. ومع ذلك نرى إجحافاً وإنكاراً تُرجم عنفاً على المدنيين، اعتقاداً ان ذلك يحقق النصر على الكفار، الذين يستحقون جميعهم الرجم والموت.

 

نعم إن الادارات الغربية والحكومات الاستكبارية سلبت المسلمين خيراتهم، واستباحت ارضهم، واغتصبت حقوقهم،ولم تقف الى جانب الحق خصوصاً في قضية فلسطين، ولكن هل ديننا يبيح قتل العوام كيفما كان، وهل يسمح بأذية الناس الذين التزمنا واياهم عهداً من الامان واحترام المواثيق والقوانين؟

 

فبأي شرع نقتل ونخرب وندمر ونعبث بمصالح الناس، الذين عشنا وأياهم ردحاً من الزمن، نرتع في ارضهم ،وننعم في ظل قوانينهم بأعلى درجات حرية الرأي والمعتقد؟ فهل جزاء الاحسان الا الاحسان؟ أم أننا سنبقى ننقم على كل شيء غربي، حتى لو كان طفلاً بريئاً، أو مسالماً منعزلاً ، أو امرأة محايدة ، او عجوزاً بالياً؟

 

فلا وربك لا يؤمنون بشرع الاسلام وإنما شرع العابثين.

 

حفظ الله الاسلام وقرآنه، ووقى المسلمين شر فتنة تقضي على إخوّتهم، فلا يعرفون بعدها الا العداوة والكراهية والبغضاء.

 

(اقسام من مقالة طويلة)

 

*رئيس هيئة علماء جبل عامل

(نقلاً عن "النهار")

 

للتعليق على هذا الموضوع