5 مايو 2006 

 

 

 

 

القوة الآفلة والقوة الغافلة

شاكر النابلسي

 

-1-

خُطبُ الرئيس الإيراني أحمدي نجاد التحريضية العاطفية الجماهيرية في مواقع مختلفة من إيران، تذكرنا بخطب الفوهرر هتلر عشية الحرب العالمية الثانية، عندما كان يقف في جماهير الشعب الألماني المقهور آنئذٍ ويخطب فيهم الساعات الطوال، متحدياً العالم ومهدداً أوروبا باجتياحها ومتوعداً اليهود بالمحارق ومعسكرات العزل..الخ. والجماهير الألمانية كالببغاوات، تردد من ورائه شعاراته. وقد تمَّ له ذلك بقوة سحر الديكتاتورية السياسية التي حوّلت ألمانيا الى مصنع كبير للسلاح، وحوّلت الشعب الألماني كله الى جيش عرمرم ضخم قام بغزو أوروبا، ومن ثم مناطق أخرى مختلفة من العالم بالتحالف مع الديكتاتورية الفاشية الايطالية، والديكتاتورية العسكرية اليابانية.

 

فماذا كانت النتيجة؟

 

انهيار الرايخ الثالث، ودمار المانيا، وتقسيمها.

 

المشهد نفسه يتكرر اليوم في ايران حين يقف أحمدي نجاد (هتلر فارس الجديد) متحدياً العالم المتمثل بالأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجيرانه من دول الخليج والعالم العربي والإسلامي القابضين على الجمر والكاظمين للغيظ، حيث لا حيلة لهم، ولا قوة رادعة. ويصر نجاد على امتلاك الطاقة النووية والقنبلة النووية، بعد ذلك، لكي تصبح إيران كما يعلن نجاد على رؤوس الأشهاد قوة عظمى في المنطقة، ويستعيد مجد الامبراطورية الفارسية القديم، ويطمح لأن يكون الآن نادر شاه الفارسي (1736-1747) الجديد، الذي سيعيد لإيران عظمة الإمبراطورية الفارسية، كما فعل جده الأعظم نادر شاه. وقال نجاد في خطبة له شمال شرق البلاد نقله التلفزيون الايراني:

 

"باتت الأمة الايرانية اليوم والحمد لله قوة عظمى، وسنحاور العالم من موقع القوة هذا". وأضاف: "كل ما نملكه هو ملك لله ولن تستطيع حفنة من الجبناء التعرض للشعب الايراني" في اشارة الى الدول الغربية. وهو ما كان هتلر يقول بالحرف الواحد عشية الحرب العالمية الثانية، متحديا أوروبا كلها، ومن أن غزوه لأوروبا وقيام الامبراطورية الألمانية سيكون كله لله. ولن يكون الإسلام ورحمته رادعاً للقوة الفارسية الجديدة من البطش بباقي بلاد المسلمين، كما لم يكن الإسلام ورحمته رادعاً للامبراطورية العثمانية للبطش بباقي بلاد المسلمين، واستعمارها، ونهب ثرواتها مدة أربعة قرون كاملة (1517-1918)، تحت راية الخلافة الإسلامية التي يتباكى عليها الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية الأخرى، والمؤسسات الدينية المختلفة.

 

-2-

إن الخوف ليس من امتلاك السلاح النووي والطاقة النووية، فدول أوروبية تملك مثل هذا السلاح وروسيا تمتلكه واسرائيل كذلك. ولكن خوف العالم من أن يقع هذه السلاح في أيدٍ ديكتاتورية غير دستورية وغير ديمقراطية حقيقةً. فالعالم يسكت عن وجود سلاح نووي في أيدي دول ذات مؤسسات دستورية، لا تتخذ قرار الحرب والسلام من خلال مزاج حاكم، أو مجرد حِلم سلطان، أو فتوى رجل دين، ولكن من خلال مؤسسات دستورية عقلانية ديمقراطية حديثة. ولذا، فالعالم يسكت عن السلاح النووي الإسرائيلي مثلاً، ويقوم ولا يقعد على امتلاك كوريا الشمالية وإيران لهذا السلاح الخطير الذي يمكن أن يُشعل حرباً عالمية ثالثة، لا تُبقي ولا تذر، لمجرد فتوى من آية الله العظمى علي خامئني المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، أو قرار بناءً على حُلم ليلة صيف لديكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ ايل. فلو امتلكت كوريا الجنوبية مثلاً هذا السلاح النووي لما قام العالم ولم يقعد، نتيجة لاطمئنانه بأن هذا السلاح في أيدي عقلاء دستوريين ديمقراطيين حقيقيين. وتلك هي الإشكالية القائمة الآن في العالم وأوساطه السياسية.

 

-3-

 

أهم ما في اشكالية الطاقة النووية الإيرانية هو هذا التحدي للفيل الأمريكي، من قبل كافة عناصر المجتمع الإيراني المسيّس. وكأن ايران تُصرُّ على امتلاك القوة النووية من أجل الاطاحة فقط بأمريكا التي تصفها بـ "القوة الآفلة".

 

ففي خطبة الجمعة، رفض اية الله احمد جنتي رئيس مجلس الحرس الثوري النافذ جداً، الانذارات الغربية لإيران وقال: "إننا اليوم أقوى من أي وقت مضى". ووصف الولايات المتحدة بأنها "دولة عظمى آفلة". والغريب أن المسؤولين الإيرانيين يركزون هجومهم على أمريكا وليس على الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن والأمم المتحدة ووكالة الطاقة الذرية، وكأن العالم إختُصر في أمريكا. صحيح أن أمريكا هي صاحبة اليد العليا في قرارات العالم السياسية والاقتصادية والثقافية، ولكنها ليست هي اليد المطلقة في هذا العالم. ولعل قرار غزو العراق أكبر دليل على ذلك. وأمريكا تحكمها مؤسسات دستورية في داخلها وفي خارجها، وليست منفلتة أو غافلة، كما هو الحال في ايران حيث الكلمة الأولى والأخيرة في كل شؤون الحياة الإيرانية متربطة بشخص واحد ومزاج هذا الشخص وهو المرشد الأعلى (الخليفة) على خامئني، ومن كانوا قبله، ومن سيأتون بعده من المرشدين .

 

صحيح أن أمريكا - ربما - تكون دولة آفلة مثلها مثل أية امبراطورية سابقة في التاريخ، فتلك هي سُنَّة الحياة ودورة التاريخ في سقوط وصعود الدول. فهذا ليس جديداً في علم التاريخ. وهناك الكثير من الباحثين الذين تنبأوا بأفول الامبراطورية الأمريكية، فلا جديد في الأمر، ولكن الأهم أن ايران دولة غافلة أيضاً، وهي لا تعلم بأنها غافلة، وتلك هي المصيبة. إيران اليوم غافلة غفلة الحالمين النازيين والفاشستيين والعسكرتاريا اليابانية، الذين شنوا حرباً عالمية ثانية على العالم كله، عندما وقفوا ضد إرادة العالم.

 

فهل تسعى ايران الآن إلى العزلة الدولية بقدميها، كما سعت من قبل ألمانيا النازية وايطاليا الفاشية واليابان العسكرتارية، وكوريا الشمالية الجمهورية الوراثية الديكتاتورية، التي يحتذي الحكام العرب الجمهوريون بها، وبنظامها الوراثي الديكتاتوري؟

 

فمن الواضح الآن أن ايران مقبلة على عزلة دولية مهلكة. فشرعة الأمم المتحدة تخبرنا أن مجلس الأمن يمكن أن يقرر بشأن الإجراءات الواجب اعتمادها دون اللجوء إلى القوة المسلحة لتصبح قراراته نافذة. وتنص هذه الإجراءات على قطع تام او جزئي للعلاقات الاقتصادية والمواصلات عبر السكة الحديد والخطوط البحرية والجوية والبريدية ووسائل اتصالات اخرى بالاضافة الى قطع العلاقات الدبلوماسية. ويمكن لمجلس الامن أن يتخذ أي تحرك يراه ضرورياً لحفظ او اعادة ارساء السلام والامن الدوليين باللجوء الى قوات جوية أو بحرية أو برية.

 

فإي مصير عسير تسعى إليه ايران، وأي مستقبل ينتظر هذا البلد المنكوب بحكم الصفويين والقاجاريين وآل بهلوي ثم الخمينيين، منذ مطلع القرن السادس عشر وحتى الآن؟

 

-4-

 

يتميز الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بالسذاجة السياسية الواضحة باعتباره لم يتولَّ منصباً سياسياً قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية بقفزة واحدة. ومن سذاجاته السياسية قوله بأن النشاط النووي الإيراني هو نشاط سلمي ليس من ورائه أية دوافع سياسية. ولا يعلم أحمدي نجاد أنه حتى وإن كانت نيات ايران السياسية حسنة تجاه دول الخليج والعالم العربي (ولو كانت حسنة فعلاً لأعاد الجزر الإمارتية الثلاث: طنب الكبرى والصغرى، وابو موسى لأصحابها الشرعيين، بعد أن سرقها الشاه بالقوة وبأخلاق القراصنة، عام 1971)، فإن أي زلزال قادم على إيران (وهي أرض خصبة للزلازل المدمرة) سوف يفجر المفاعيل النووية الإيرانية، ويفجر بالتالي المنطقة، ويحدث كارثة عظمى، الله وحده يعلم مداها.

 

فعلى من يضحك أحمدي نجاد؟

 

إن ادعاء إيران بطموحات نووية سلمية، ينسجم مع كل من المبدأ الإسلامي المعروف لدى الشيعة بالتقيّة (عدم الكشف عما تؤمن به حقيقة للكفار) وهو المبدأ الغربي المعروف بالسرية الرسمية وهو جزء من استراتيجية الخداع والمساومة الزائفة لاستهلاك الوقت، كما قال مارك هيلبرين في "الواشنطن بوست"، تحت عنوان (ايران والتفكير الخيالي). فالغرب وكل عاقل وبصير يعلم ما هي نوايا إيران من كل هذا الجهد والتحدي السياسي والعلمي.

 

فكيف يمكن لإيران أن تخرج من هذه المصيدة التي نصبتها هي بنفسها لنفسها؟

 

 

-5-

 

كان روبرت لوفيت، السياسي البارز في إدارة الرئيس هاري ترومان، يقول كلما واجه مأزقاً مماثلاً: "دعك من الجبنة لنفكر في طريقة النجاة من المصيدة".

 

فكيف تخرج ايران الآن من المصيدة التي نصبتها لنفسها بنفسها، وتدع الجبنة (القنبلة النووية) وتفكر في طريقة النجاة من المصيدة؟

 

يقول أناتول ليفين في مقاله ( الخروج من المصيدة الإيرانية) الذي نشره المركز الدولي لدرسات أمريكا والغرب، "أن الطريق الوحيد للخروج من المصيدة الحالية هي القبول بحد معين من تخصيب اليورانيوم تحت رقابة مشددة مع التركيز، في الوقت نفسه، على ايجاد موانع فعالة وقوية تحول دون استخدام اليورانيوم المخصب في انتاج الأسلحة النووية. ونحتاج في هذا المجال الى تجميد عملية التخصيب الايرانية وغيرها من القدرات النووية عند مرحلة تسبق القدرة على انتاج السلاح النووي، بثمانية عشر شهرا على الاقل, وسوف توفر هذه المهلة الزمنية الفترة الكافية لتحذير الولايات المتحدة والاسرة الدولية من اية اشارة الى تحرك ايراني محظور ومن ثم الاعداد للرد المناسب. وإن لمثل هذا الموقف عدداً من المزايا المهمة، فهو سيعيد كلا من الولايات المتحدة وأوروبا الى شروط معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية التي وقعت عليها ايران ويمنع الايرانيين من الادعاء بكونهم يخضعون لمعاملة تمييزية غير قانونية وغير عادلة. كما أنه سوف يلزم الحكومة الايرانية بالبيانات المتعددة التي صدرت عنها والتي تفيد بأنها لا تسعى الى انتاج السلاح النووي, يضاف الى ذلك ان مثل هذا الموقف سيحمل ضمنا نوعا من الخضوع للارادة الروسية والصينية واعتراضها على المنهج الامريكي الحالي, وهو أمر يسمح بالمقابل لامريكا بأن تلزم هاتين الدولتين وبقية دول الأسرة الدولية بفرض أقصى أنواع المقاطعة على ايران في حالة قيامها بانتهاك هذه الاتفاقية والتحول الى انتاج السلاح النووي".

 

فهل لدى الزعماء الإيرانيين الآن آذاناً صاغية لمثل هذا الكلام، وهم الزعماء الجامحون جموح الخيل البرية، المنفلتون من عقال كل اتفاقية أو رابط دولي، وكأنهم يعيشون وحدهم على ظهر هذا الكوكب؟

 

أم أنهم سوف يعتمدون على حلم ليلة صيف لعلي خامئني بأن أمريكا قوة آفلة، ويبنون قراراتهم بناءً على هذا الحلم؟

 

على الإيرانيين أن يتعظوا من الزعماء العرب السابقين الذين ورّطوا شعوبهم في حروب وكوارث وهزائم من خلال خطب سياسية عاطفية عنترية، وأنقادوا لنداء جماهير الشارع التي كانت تهتف باتخاذا قرارات انتحارية أدت الى انتحار هؤلاء الزعماء كما أدت الى دمار الأوطان، وفقدان الشعوب لمستقبلها ومستقبل أبنائها.

 

-6-

 

لقد اعترف المفكر الإيراني علي شريعتي الذي كان يلقّب بـ "معلم الثورة الإسلامية" الذي اغتيل في لندن 1977، بأن ما من خطر على الأمة قدر خطر المؤسسات الدينية وخاصة المؤسسة الدينية التي تحكم إيران الآن. وأحمدي نجاد الآن هو جزء من هذه المؤسسة الدينية الذي أعلن صراحة أثناء الانتخابات الإيرانية الرئاسية الأخيرة بأن لا علاقة للديمقراطية بالإسلام وبأن المرأة المسلمة لا تتساوى مع الرجل بأي حال من الأحوال ، مما يدل على أن خطاب العهد الصفوي وخطاب العهد القاجري ما زالا قائمين الى الآن في إيران.

 

إن إيران بحاجة الآن الى مفكر مثل نائيني الذي قال بأن الدساتير الحديثة والديمقراطية لا تتناقض مع الإسلام. وقاد معركة ضد رجال الدين الذي كانوا يحلمون بمشاهدة ولي العصر والإمام الغائب. ولعل أحمدي نجاد هو واحد من هؤلاء، ومن يعتبر أن القنبلة النووية الإيرانية القادمة هي هذا الولي والإمام الغائب، وبها تتحقق عودته.

 

Shakerfa@Comcast.net

 

 

للتعليق على هذا الموضوع