14 أغسطس 2005

 

 

من أجل خلق مناخ ديمقراطي...

وحراك سياسي مجتمعي...

سلمان بارودو

 

إن تسارع العولمة، والبحث عن الهوية الذي سببه هذا التسارع، قاد المجتمعات للبحث عن توسطات سياسية واجتماعية وثقافية تكون قادرة على أن تأخذ على عاتقها تحقيق وجهة النظر هذه، إذ تبذل جهود من أجل تحرير ما يمكن أن نسميه هنا مجال الوعي بين الإطار الوطني أو القومي الضيق، والإطار العالمي الواسع جداً.

 

ويبدو هذا السعي في نظر البعض مستحيلاً لحد ما، في الوقت الذي تجري فيه العولمة.

 

فقليلة هي العصور التي شهدت كعصرنا، بالوتيرة نفسها، وبالتراكيب الوثيقة، هذا القدر الوفير من الثورات العلمية في مجالات التقانة والمعلوماتية، وما أثرت به على السياسة والفكر الاجتماعي. وقد ازدادت المعارف من كل نوع، مما أدى إلى إعادة النظر أيضاً في العلاقات الدولية، في المجالات المختلفة، العسكرية والاقتصادية إلى درجة أن جرت بعض المراجعات للممارسات في مختلف الميادين. وما كان بالأمس من اهتمامات الفلسفة أو حتى التاريخ أصبحت له انعكاسات جدية على الاقتصاد وعلم السياسة.

 

ويرى بعض المهتمين بالشؤون الدولية، أن النظام الدولي الحالي، قد أصبح غير مستقر، فهو مشكل، في الواقع، من وحدات غير ثابتة، وجميعها في تطور، وتغير تحت أنظار العالم، ودون أن يعرف أحد إبراز قوانين له، وله القدرة على رسم المستقبل. ويدرك المشاهد الفطن، أن العلاقات الدولية، هي في الوقت الحاضر، في حالة من فوضى الصاخبة، وتشكل جزيرات من عدم الاستقرار، لا بل محاولات الانفلات من هيمنة القطب الواحد، أخذت تبرز، وإن ببطء شديد. مع ذلك فإن المراقب اليقظ، يمكن أن يلحظ ذلك في جميع مجالات العلاقات الدولية على الرغم من محاولات السيطرة عليها، أو على الأقل إخفائها عن العلن مؤقتاً.

 

وفي هذا السياق تشهد سوريا ومنذ فترة وضعاً من عدم الاستقرار والتوتر سواء من ناحية الضغوطات الدولية التي تمارس عليها، أو لمتطلبات واستحقاقات المرحلة الحالية والمستقبلية. وخاصة في أعقاب المؤتمر القطري الأخير لحزب البعث والذي أخذ منحى باتجاه التشديد على الحريات العامة وعلى نشاط الأحزاب والقوى الوطنية في البلاد وهي خطوة خطيرة، في الوقت الذي تواجهه البلاد تحديات جمة وضاغطة تفرض حلول واستحقاقات عاجلة لتقوية الجبهة الداخلية في مواجهتها كإصدار قوانين عصرية تسمح للأحزاب السياسية من ممارسة نشاطها بحرية وتسمح للمواطنين بالتعبير عن آرائها بحرية دون خوف أو إقصاء بغض النظر عن مواقفهم وانتماءاتهم، وإلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية وإطلاق سراح سجناء الرأي، نحو تأسيس لمرحلة جديدة فاعلة تثبت التعددية السياسية الحقيقية وتضمن سهولة التداول السلمي للسلطة، وعلى أن يكون الحكم الفصل لصناديق الاقتراع.

 

وفي الجانب الكوردي فلا يلوح أي توجه نحو معالجة الحالة الكوردية. بل بالعكس بدت مؤشرات ودلائل التضييق على الوضع الكوردي باستعداء الأوساط الشوفينية في السلطة وبعض الرموز العشائرية، لإثارة وتأجيج النعرات القومية والدينية والطائفية بين العرب والكورد الآشوريين والأرمن وغيرهم... لصرف الجماهير عن الحالة السياسية المزرية وكبح جماحها عن العمل معاً من أجل بناء حياة سياسية ديمقراطية متطورة وفاعلة.

 

وهذا ما يتطلب جهداً مشتركاً من كافة المعنيين، وخاصة من قبل المثقفين الديمقراطيين العرب، لكسر العقلية الشمولية وإنكار الآخر وشطب دوره من دائرة الوجود إيذاناً لفهم المختلف والتحاور معه واحترام خصوصيته ووجوده الإنساني، والبحث عن حلول واقعية، على أرضية التعدد والتباين وقبول الآخر قومياً وثقافياً.

 

من هنا، الأهمية الخاصة والقصوى أن يجري الانطلاق من وعي وطني فعلي يؤسس لمشاركة جماعية حقة.

 

إن تحقيق ذلك كله سيعزز من شأن سوريا دولياً وإقليميا، وسيساهم في خلق مناخ ديمقراطي وحراك سياسي مجتمعي، وسيتمتع في ظله كل المواطنين دون استثناء.

لأن المجتمعات الديمقراطية هي التي تستطيع الوقوف في وجه التحديات ودحر كافة المخططات التآمرية التي تستهدف الوحدة الوطنية.

 * سوريا

selman_barodo@hotmail.com

    

    للتعليق على هذا الموضوع