23 اكتوبر 2005

 

 

 

عن المواطنة والمجتمع المدني والتجربة اللبنانية

ملاحظات حوارية

الدكتور سعود المولى

 

 

 منذ 1989 (أي مع بداية انهيار المعسكر إلاشتراكي "وعلى رأسه إلاتحاد السوفياتي")، انتشرت كتابات أميركية تُعيد نبش مفهوم  وفكرة "المجتمع المدني" وتركّز عليها "بحيث حولّتها إلى اداة تحليلية، وإلى قيمة معيارية، وإلى دعوة تغييرية في آن معا" (بحسب قول عزمي بشارة)..وكانت الفكرة قد راجت أولا" في السبعينات وذلك إبان الصراع بين نقابة العمال (تضامن) وبين الدولة في بولونيا. إلا أنها لم تكتسب نفس الحفاوة قبل سقوط جدار برلين . ولعل السبب في ذلك يرجع إلى قوة وهيمنة التراث الماركسي وتنوعاته المختلفة في الوسط الثقافي والفكري للمشتغلين والباحثين في العلوم إلاجتماعية السياسية. ولم تشهد الفكرة (ولا المفهوم ) انتشارا" وتداولا" في بلادنا قبل عام 1992(أي تاريخ انتهاء حرب الخليج الثانية وانعقاد مؤتمر مدريد للسلام والسقوط النهائي للمعسكر الشيوعي وتفكّك إلاتحاد السوفياتي). ومن ملاحظتنا وخبرتنا في لبنان أكّدنا مبكرا"( في ندوة مركز دراسات الوحدة العربية حول المجتمع المدني – بيروت 1992) بأن انبعاث فكرة ومفهوم المجتمع المدني قد ترافق مع ضمور شديد في السياسة والمجتمع. وقد أشار عزمي بشارة إلى نفس إلامر في تحليله لرواج الفكرة في فلسطين المحتلة بدءا" من عام (1989) فأعاد ذلك إلى ضمور شديد في السياسة والمجتمع عقب أزمة إلانتفاضة (المقصود إلانتفاضة إلاولى 1987) التي بدأت تستنفد طاقاتها وطاقات المجتمع ، ثم أُفولها ونجاح اسرائيل في فرض شروط الهزيمة على السياسة والمجتمع الفلسطيني . وهو يذهب أبعد من ذلك حين يقرر بأن سيطرة المفهوم الجديد (المجتمع المدني) بعد اجهاض إلانتفاضة هو "عملية اجهاض سياسية، ‘ عملية لا تسييس" ودورها هو دور "العميل المزدوج الذي يعادي السياسة باسم الديمقراطية ثم يدير ظهره للديمقراطية باسم كونها معركة سياسية والواجب هو ليس خوضها وانما بناء المجتمع المدني"( كتابه عن المجتمع المدني- مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت 1998)...

وأنا شخصيا" من الذين يوافقون عزمي بشارة على ان المجتمع المدني دون سياسة وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية هو عملية اجهاض.

       ولقد تحولت عبارة المجتمع المدني إلى موضة او تقليعة في الوطن العربي بدءاً من مطلع التسعينات من القرن الماضي، بحيث أخذ المصطلح "يحتل موقع الصدارة في التحليلات إلاجتماعية والسياسية العربية"، وبحيث انتشرت الدعوات إلى "تفعيل المجتمع المدني" وإلى تأسيس لجان المجتمع المدني وتكوين المنظمات غير الحكومية في أكثر من قطاع ومجال، "مما يُعبّر أحسن تعبير عن حضور هذا المفهوم لدى النخب الثقافية واعتباره أداة لعبور إلازمة وتجاوزها " ، على حد ما جاء في مقالات لماركسيين عرب... وبغض النظر عن الثرثرة الفارغة والطنطنة الركيكة في الكثير من الكتابات والمقالات العربية حول المجتمع المدني، فان الشيء الذي تكشف عنه تلك المقالات هو "استخدام المفهوم" اولا" ،و"لعبورأزمة" ثانيا"... أما إلازمة فهي أزمة نخب ثقافية بعينها وجدت نفسها بعد سقوط إلاتحاد السوفياتي خارج المجتمع وخارج السياسة ، فاستخدمت المفهوم لعبور أزمتها هي وليس أزمة مجتمعاتها. ذلك ان "غموض المفهوم واسترخاءه خارج السياسة" (على حد وصف عزمي بشارة ايضا) يجعل من السهل تطويعه في خدمة عدة أنواع من السياسات ، قد يكون بعضها او معظمها معاديا" أصلا" للديمقراطية وللحرية ولحقوق إلانسان.

ويبدو أن هذا إلاستخدام إلانتهازي هو الذي حصل بعد عام 1990 . فمع سقوط المرجعية الرسمية للتيار اليساري في العالم العربي (المعسكر إلاشتراكي بقيادة موسكو) ومع دخول البلاد العربية في مفاوضات مدريد وانهيار النظام العربي الرسمي بعد حرب الخليج وإجهاض إلانتفاضة إلاولى في فلسطين ، فان "المجتمع السياسي" قد خضع بالكامل للانظمة المحافظة وللدكتاتوريات التقدمية الحديثة من جهة ، ولتيارات العمل السياسي إلاسلامي من جهة اخرى . وقد أدى ذلك إلى أزمة شديدة لدى النخب اليسارية والقومية يصفها عزمي بشارة "بالبطالة السياسية وبالهامشية المفروضة" ومن هنا سرعة تلقف هذه النخب لمفهوم وفكرة المجتمع المدني  واحتشادهم خلفه لخوض معاركهم في مكان خارج المجتمع السياسي . وهكذا شهدت البلاد العربية ومنذ عام 1992 ظاهرة تفريخ مئات المنظمات غير الحكومية ومراكز أبحاث الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق إلانسان والبيئة على يد مناضلين سابقين في اليسار القومي والماركسي وخصوصا" في جناحه الشيوعي السوفياتي (الموصوم عادة بالستالينية وبالجمود) وأخذ هؤلاء يطلقون على عملهم وعلى منظماتهم اسم المجتمع المدني.

ولا يهدف هذا الكلام إلى اصدار حكم قيمي على تجربة التسعينات ، إلا ان تسجيل هذه الملاحظات، والإنتباه إلى خفوت صوت وضمور حضور تلك المنظمات والجمعيات بعد 11 ايلول 2001، يحتاج إلى أكثر من قراءة وتفسير .

وباعتقادي فان احتدام الصراع السياسي الخارجي والداخلي، وعودة "جماهير" المجتمع الاهلي والطوائف والعشائرإلى احتلال ساحات العمل المباشر والحضور السياسي الفاعل وخصوصا" بعد الحملة الاميركية على افغانستان ، ثم حملة غزو العراق، قد دفع الى الخلف بورشات العمل والندوات والمؤتمرات  وحلقات الدراسة وغيرها من إلاطر واللقاءات التي كانت تنعقد في فنادق الدرجة الاولى في القاهرة وبيروت وتونس وعمّان ...

وما اريد أن أخلص إليه هنا هو أن ما سبق لا يستهدف النيل من تلك الهيئات والمنظمات وفيها مناضلون ومناضلات أحترمهم وأُقدر جهودهم ، وانما الاشارة إلى حقيقة كيفية تسرّب فكرة ومفهوم وممارسة المجتمع المدني إلى بلادنا العربية، وإلى ضرورة بلورة اطار جديد لتصوّر المجتمع المدني ] أو بإلاصح للعلاقة بين المجتمع والدولة [ في بلادنا بما يجعل مؤسسات المجتمع المستقلة والناشطة قاعدة للعمل السياسي  الديمقراطي وللنضال في سبيل القضايا العامة(وليس فقط القضايا الجزئية) ويجعلها تعيد انتاج ذاتها مجتمعيا" باستقلال عن الدولة (وليس بالضرورة معها أو ضدها) وعن أموال المساعدات إلاجنبية التي ربما كانت ضرورية في المراحل الماضية.

 

       المسألة الاخرى في حديثنا عن المجتمع المدني في لبنان هو ملاحظة وتسجيل تلك  الحقيقة المعروفة في كل العالم العربي وهي وجود وقوة واستمرارية مؤسسات "المجتمع الاهلي" في بلادنا.. وذلك رغم استخدام تعبير "السياسة المدنية" في تراثنا الفكري كما عند الفارابي وابن خلدون (وهما يربطانها بالنموذج المثالي "المدينة الفاضلة" لدى الفلاسفة). وبغض النظر عن انتماءات وغايات القائمين على الجمعيات المعروفة باسم  المجتمع المدني فإن الجميع قد استخدم المصطلح في تقابل عدائي مع "المجتمع الاهلي" أو الاصلي – التقليدي. ففي وعي المثقف العربي الحديث (وبغض النظر عن التصاق المصطلح بالتجربة الغربية وبالممارسة الديمقراطية الليبرالية) فإن "المجتمع المدني" هو القيّم على الشأن الخاص المتعلق بالفرد وحياته الشخصية ، وهو القائم على البنى والتنظيمات الحديثة بمواجهة او في مقابل المجتمع الاهلي او البنى التقليدية القديمة من دينية وعشائرية ومناطقية، الامر الذي يجعل المصطلح كما يستخدمه المثقف العربي شديد الإلتصاق بتشكل حقوق المواطن ووعي هذا الاخير مواطنيته في اجتماع سياسي مدني  على النمط الغربي حيث المدني مواجه للديني من جهة وللسلطة التوتاليتارية( او العسكرية) من جهة اخرى ، فيكون المجتمع المدني قيّما" أيضا" وفي آن معا" على الحرية والديمقراطية في مواجهة السلطة والدولة، وعلى الحداثة والتقدم في مواجهة الدين والبنى التقليدية .

والحقيقة أن هذا إلاستخدام يثير اشكالية اساسية هي لغوية مفاهيمية. ففي حين اننا نجد في اللغات الاجنبية الغربية تطابقا" وتدرجا" في الإشتقاق اللغوي والمفاهيمي معا" بين مصطلحات: civique- civil -cité وcitoyen ، فإن تعبير المواطنية الذي شاع استخدامه لترجمة Citoyenneté يخرج عن المدنية والمدني ويستعير تعبير الوطن كأساس للاشتقاق .. وهذا أمر لا يعكس فحسب اشكالا" لغويا" وانما ايضا" اشكالا" مفاهيميا" في المصطلح. من هنا تفضيلنا استخدام المصطلح الذي شاع في تراث العرب والمسلمين والصادر عن اجتماعهم السياسي وهو المجتمع الاهلي، بما هو وعاء لبشر ينتجون سياسة وثقافة وسلعا" وعلاقات تبادل في علاقاتهم بالدولة بما هي هيئة حاكمة ومنظمة وضابطة لعلاقات هؤلاء البشر ( على حد تعريف وجيه كوثراني).. ان هذا يجعلنا نقرر بان مصطلح المجتمع الاهلي في التاريخ الاجتماعي السياسي العربي هو الذي يوازي مفهوم المجتمع المدني الحديث من حيث دلالة استقلالية المجتمع عن الدولة عبر مؤسسات ومنظمات مستقلة او شبه مستقلة او وسيطة. أن هذا لا يعني استبدال او المفاضلة بين مؤسسات حديثة ومؤسسات قديمة ، ولا التبشير بنموذج تاريخي ناجز او العودة إلى الاصول التاريخية بقدر ما نهدف إلى ايجاد واستخدام مصطلح ومفهوم يعبّران عن حقيقة الانتظام الاجتماعي والمجتمعي في بلادنا.

وهكذا يبدو المجتمع المدني او الاهلي ، نمطا" في تنظيم المجتمع يتعلق بعلائق الافراد فيما بينهم لا بصفتهم مواطنين في دولة ولكن من حيث هم منتجون لأوضاعهم المعيشية ولمعتقداتهم ومقدساتهم وحرماتهم . ويبدو أيضا" مُسمى يُطلق على البنى والتنظيمات المختصة والمنتجة لأوضاع الناس العائلية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والخارجة عن اختصاص سلطة الدولة.

ان ما سبق يبدو ضروريا" في ضوء ما نعرفه عن الدلالات العديدة لمفهوم civil كما ترد في المعاجم الفرنسية وإلانكليزية وإلالمانية والممكن ايجازها بما يلي :

1-   انه متعلق بالدولة.

2-   انه متعلق بالتعامل العادي للدولة مع مواطنيها لتمييزه من التعامل العسكري والجنائي والاكليركي  او الديني.

3-   انه متعلق بالتعامل مع مواطني دولة لتمييزهم عن القوى الاجنبية كما هو الحال في استخدامنا لعبارة الحرب الاهلية guerre civile- civil war  بمعنى الداخلية أي بين مواطني الدولة.

اذن ، نحن امام تذكير مستمر لنا بأن civilلا يشتق من civilization (مدنية) وإنما من civis مواطن ومن civitas (المدينة العتيقة) باللاتينية وهو في كل إلاحوال مفهوم  غير مستقل بقدر ما هو متعلق بالدولة  . وفي دلالات اخرى له انه علماني اي منفصل عن شؤون الدين وعن الشؤون العسكرية وعن الجنائي (( القانون الجنائي مثلا" هو جزء من القانون المدني ولكن في الجنائي تدخل الدولة كطرف يمثل الحق العام اما القانون المدني بمعناه الضيق فهو تنظيم للعلاقة بين المواطنين لا تدخل الدولة كطرف فيها إلا اذا تحوّلت إلى جنائية )). ولن ندخل هنا في استعراض نظري وفكري لكيفية نشوء وتبلور المفهوم في التجربة الغربية المعاصرة بدءاً من توماس هوبز ووصولا إلى غرامشي ، انما سنقول ايجازاً واختصاراً بأن المجتمع المدني هو مجموعة العلاقات المنظمة للمجتمع أي انه المجتمع المنظّم سياسيا" (في العقل الغربي). فهو عند توما الاكويني (civitas) مساو للدولة التي اعتبرها السكولائيون حاملة قيم المجتمع : الحرية الفردية ، ودولة الحق ، والضريبة الحيادية .. وهي عند بعض الانسانويين humanists نمط حياة مدني (مديني).. أما نظريات العقد الاجتماعي فهي لا تبدأ بالجماعة كمعطى طبيعي كما عند أرسطو ، وإنما بالفرد وبتخيل الجماعة (communauté) كمجتمع (société) اي كعلاقة منعكسة متوسطة بين افراد ذوي إرادة حرة. الانسان هنا فرد والمجتمع عبارة عن تعاقد او علاقة متبادلة بين افراد من منطلقات نفعية او أخلاقية او عقلانية...

ومن توماس هوبز وجون لوك إلى مونتسكيو إلى جان جاك روسو، تبلور المجتمع المدني باعتباره كتلة بشرية ساكنة في مقابل الدولة صاحبة الحق والارادة. وبالرغم من الدلالة السلبية لمفهوم المجتمع المدني في الفلسفات الحقوقية فإن مفهوم التعاقد ( او العقد الاجتماعي) الذي يشكل المجتمع والدولة طرفيه الاساسيين قد مهّد لممارسة حرية المجتمع ولكبح السلطة المطلقة للحاكم ، وتلك هي البداية التأسيسية للديمقراطية فكرا" وممارسة.

اما عند هيغل فان المفهوم سيتخذ دلالة اكثر سلبية لانه غير قادر على تحقيق الحرية. فهو ( أي المجتمع المدني ) يتشكل من مؤسسات خاصة تتمثل في الاسرة والحرفة والتجمع الصغير تحميه الدولة المعبّرة عن إرادة عليا والمجسّدة سياسيا" وتاريخيا" لمعقولية "الفكرة المطلقة". فالدولة هي التي تحقق الحرية وهي تمنّ على المجتمع بالحرية وتسهر على رعايته وفق مشيئة سياسية وغائية تاريخية تجسّدان المطلق . فالمجتمع المدني عند هيغل هو الحيّز الاجتماعي والاخلاقي الواقع بين الاسرة والدولة . ووجوده يفترض طبعا الدولة . وهو يصبح وسيطا بين الفرد والدولة كمؤسسات وتجمعات يفرزها المجتمع ويتم من خلالها تنظيم العلاقات بين افراد المجتمع.

اما في الوعي الماركسي الكلاسيكي فإن المجتمع المدني هو المجتمع البورجوازي ، وهو مرتبط بوجود الدولة، فهو التوأم السياسي للدولة الحديثة . وبما أن الهدف هو ذوبان الدولة في المجتمع (او اضمحلالها التدريجي) فهو سيزول كمفهوم مع اندثاره كواقع. وقد عبّرت الماركسية افضل تعبير عن رؤيتها للمجتمع المدني في مقطع شهير من كتاب الايديولوجية الالمانية :"يشتمل المجتمع المدني على جماع علاقات الافراد المادية ضمن مرحلة معينة من تطور القوى المنتجة. انه يشتمل على مجمل الحياة التجارية والصناعية لمرحلة معينة، وبذلك يتجاوز الدولة والامة، بالرغم من أنه لا بد له على أية حال من تأكيد ذاته في الخارج من حيث هو دولة وفي الداخل من حيث هو قومية. إن المجتمع المدني بصيغته هذه لا يتطور إلا مع البورجوازية ومهما يكن من امر فإن التنظيم الاجتماعي المشتق بضرورة مباشرة من الانتاج والتعامل والذي يشكّل في جميع العصور أساس الدولة وكل البقية الباقية من البنية الفوقية المثالية قد سُّمّي على الدوام بهذا الاسم نفسه"(اي المجتمع المدني).إن هذا النص يقول لنا بان المجتمع المدني هو البنية الاجتماعية  التي هي مسرح الصراع الطبقي اولاً والاساس الذي يرتكز عليه كل تطور اجتماعي ثانيا (حسب الماركسية)..

غير إن انطونيو غرامشي سار في اتجاه معاكس حين كتب بأنه "باستطاعتنا في هذه اللحظة تثبيت مستويين فوقيين اساسيين: الاول يمكن ان يدعى المجتمع المدني، الذي هو مجموع التنظيمات التي غالبا ما  تسمى خاصة، والمجتمع السياسي او الدولة . هذان المستويان ينطويان من جهة اولى على وظيفة الهيمنة hégémonie حيث ان الطبقة المسيطرة تمارس سيطرتها على المجتمع ومن جهة اخرى تمارس الهيمنة المباشرة او دور الحكم من خلال الدولة او الحكومة الشرعية".. وبهذا فان غرامشي حين يجعل المجتمع المدني بناء  فوقيا، فإنه يدخل دلالة جديدة في كون المجتمع المدني فضاء للتنافس الايديولوجي (باعتباره يحتوي على العلاقات الثقافية – الايديولوجية  ويضم كل النشاط الروحي – العقلي) في حين يكون المجتمع السياسي فضاء للسيطرة السياسية بواسطة القوة / السلطة Pouvoir-Power . ووظيفة الهيمنة التي للمجتمع المدني هي وظيفة توجيهية للسلطة الرمزية التي تمارس بواسطة التنظيمات التي تدعي أنها خاصة مثل دور العبادة والنقابات والمدارس.. وقد دعا غرامشي (فيما دعا اليه) إلى إنشاء "كتلة سياسية اقتصادية تاريخية متناسقة جديدة بدون تناقضات داخلية، موضحا بأن سيادة اية طبقة اجتماعية او تحالف طبقي تستوجب هيمنتها "ان تفوق اي كتلة اجتماعية يتخذ شكلين اثنين هما: السيطرة، والارادة الثقافية –إلاخلاقية(او الهيمنة)".. فالهيمنة هي القيادة لإيجاد سياسة ثقافية تهدف إلى تنسيق وتوحيد مواقف الفئات والطبقات الاجتماعية كمقدمة لا بد منها لتحقيق السيادة السياسية. وحسب غرامشي فإن أداة هذه العملية هو الحزب الطليعي ، او " المثقف الجمعي".

 

غير أن الفصل المنهجي عند غرامشي بين مجتمع مدني ومجتمع سياسي لا يشير إلى انقسام وظيفي في  المجتمعين . فالواقع الفعلي هو أن المجتمع السياسي و المدني متطابقان . وما يفعله غرامشي هو التمييز داخل الدولة بين لحظة القوة التي تمتلكها الدولة وبين لحظة التسوية ( وهي لحظة المجتمع المدني ). فالدولة ليست فقط أداة عنف وإنما هي ومن خلال  لحظة التسوية او الهيمنة الايديولوجية تقود المجتمع وتحضر فيه بوجهها القيادي والسيطرة بشكل خفي على المجتمع عبر تحكمها بكل المؤسسات (المدرسة ، الجامعة ،النقابة ، الاحزاب ....)

إذن  يبدو ، وكأن هناك بعدين لعلاقة الدولة بالمجتمع : احدهما ُبعد قهري والبعد الثاني

 تسووي . ومن هذا المنظور لا تعود الدولة أداة قهر بل تصبح وظيفتها ان تكون نقطة توازن بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني .

 

إذن وكخاتمة فإنه يمكن القول بأن مفهوم المجتمع المدني (ونشأته وتطوره)  قد جاء مقترنا بولادة الدولة الحديثة (نشأتها وتطورها) . وهناك قواسم مشتركة تناولها الفكر الغربي أثناء صياغته  لمفهوم المجتمع المدني .وذلك منذ العقد الاجتماعي وحتى أطروحات غرامشي . فالمجتمع المدني يظهر باعتباره رابطة اختيارية يدخلها الافراد طواعية والعضوية فيها غير قائمة على الاجبار وينضم إليها الافراد بمحض إرادتهم إيمانا منهم بأنها قادرة على تلبية مصالحهم والتعبير عنهم .  ويتكون المجتمع المدني بهذا المعنى من المؤسسات الانتاجية والطبقات الاجتماعية والمؤسسات التعليمية والدينية والنقابات العمالية والروابط والاحزاب السياسية والنوادي الثقافية والاجتماعية . أما استقرار المجتمع المدني وتمتعه  بوحدته وأداؤه لوظائفه فهي مرتبطة وملازمة للدولة والمجتمع السياسي. وعند قيام المجتمع المدني فليس بالضرورة أن تكون الدولة ديمقراطية ولكنها غير مطلقة السلطة وهي تخضع اثناء أداء  مهامها لقواعد عقلانية . وتتمتع مؤسسات المجتمع  من حيث المبدأ باستقلالية نسبية من النواحي المالية والادارية والتنظييمة (عن الدولة) وبالتالي فهي تجسد قدرة أفراد المجتمع على تنظيم نشاطاتهم بعيدا عن تدخل الدولة .  غير أن الدراسات الاجتماعية والسياسية المعاصرة قد اخذت تصب الاهتمام تدريجيا على اكتشاف الممارسات الاجتماعية  (مدرسة فرنكفورت : ادرنوماركوزهابرماس ) وعلى التركيز على الرأسمال الرمزي والفاعلين الاجتماعيين (بيار بورديو) مما دفع بالحوار حول المجتمع المدني والديمقراطية وحقوق إلانسان باتجاه اكتشاف وتوسيع آفاق الفهم الديمقراطي عبر ربطه بالعدالة الاجتماعية (نعوم شومسكي) واستنباط أشكال جديدة من الفهم والممارسة تبقى مفتوحة على مختلف الممكنات .

 

والحال أن بلادنا العربية والاسلامية قد عرفت ومنذ مئات السنين مشاركة الناس في التنظيمات والجمعيات والمؤسسات الاهلية المستقلة . وتشير كلمة الاهلي والاهلية ، ( وهي مستخدمة   في مصر أكثر من  لبنان) على معان مهمة في اللغة العربية مثل إلارتباط بالقاعدة العريضة من السكان وتعبيرها عن مبادرات صادرة عن تلك القاعدة من المجتمع وليس الدولة . وقد تنوعت الصياغات التنظيمية لتلك الخبرة الغنية وتوسعت وامتدت إلى المفاهيم والفلسفة ، التي تحدد توجهات المجتمع إلاهلي وتؤثر عليها . فلم تعد مقتصرة على مفهوم الخيرية ، والرعاية الاجتماعية (وهما شكلا المنطلق الاساسي للمجتمع الأهلي ) وإنما تعدته إلى طرح التنمية والمشاركة الشعبية إلى إعادة النظر في المفهوم نفسه بناء على التجربة الغربية ذاتها . ذلك أن جزءا كبيرا من مظاهر المجتمعات الغربية قد تحولت أو هي قيد التحول ولم تعد مفاهيم المجتمع المدني التي نشأت في حالة نقض للطابع الديني للدولة وللسياسة صالحة لفهم الحوار والنقاش الثري الجاري في الغرب منذ التسعينات حيث احتل الدين مثلا دورا أساسيا في مناهضة سلطات الدولة في اوروبا الشرقية وفي الصراع مع الحزبية البيروقراطية اللادينية .. كما عاد مع البابا وتحركاته الدور المحرك للكنيسة في المجتمع باتجاهات  الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان والتصدي للقهر الاجتماعي والطبقي وللتمييز العنصري   وللرأسمالية المتوحشة والعولمة .. إن الاطروحة التي تحصر مفهوم المجتمع المدني في قالب الفلسفة الليبرالية (أو المادية) المعادية للدين وللجماعات هي مما تجاوزه الزمن والواقع في اوروبا الغربية بالتحديد حيث العودة إلى مفاهيم التنوع والتعدد واحترام الإختلاف وحيث يطرح الوجود الاسلامي إشكالات وأسئلة جديدة  لا يقدر  المعنى العلماني القديم على مواجهتها حيث كان يرى إلى كل تعبير ديني بعدا  ثيوقراطيا ورمزا رجعيا ينبغي معاداته وسحقه بالدعوة إلى استقلالية الدين عن الدولة بل إلى فصله عن السياسة المدنية . إن هذه النظرة الاحادية المدمرة للمجتمع وللسياسة المدنية معا هي مما يقود إلى احتكار فئوي للسلطة ، أداته الحكم العسكري . وهي مما تخلى عنه الغرب حيث عاد الدين يلعب دورا بارزا في السياسة من خلال مؤسساته التي هي جزء من المجتمع المدني  لا خارجة عنه ولا نقيضة له ، ومن خلال الدعوات الكونفدرالية الاوروبية التي تعيد طرح مسألة   العلاقة بين المجتمعات المتعددة وبين تعبيراتها السياسية ..

 

       وفي هذا  إلاطار تبرز التجربة اللبنانية المعاصرة باعتبارها أفقا نظريا وفكريا لإنتاج معرفي جديد حول أطر وأشكال العلاقة بين الدولة والمجتمع .

فلقد استطاع لبنان أن يعطي  المثل على نمط حضاري ينبع مباشرة من بنيته المركبة . واستطاع المجتمع اللبناني أن يصنع تجربة تقوم على " الديمقراطية التوافقية " وعلى "التعددية الدينية الثقافية" وعلى بناء دولة ميثاقية – دستورية هي الانسب لأي مجتمع مركب . إن بناء الدولة في لبنان جاء منسجما إلى حد كبير مع طبيعة المجتمع اللبناني وخياراته الاساسية . ومن هذا الانسجام  بالضبط استمد النظام اللبناني قوته إلاساسية رغم وجوده عند تقاطع الاهواء والتيارات الاقليمية والدولية المختلفة التي كان كل منها يجد في الداخل اللبناني صدى قويا نظرا لتعقد هذا الداخل وانفتاحه في آن معا.

 

ومنذ تأسيس الكيان اللبناني (إعلان لبنان الكبير  1920 ودستور1926 ثم ميثاق 1943 ) برز إلى الوجود اتجاهان اثنان تنازعا الكلام حول التجربة اللبنانية :

 

1- اتجاه قانوني حداثوي  يدعو    إلى بناء "دولة حديثة " ، دولة "القانون والمؤسسات " ومجتمع مدني – سياسي حديث ، يتجاوز "المجتمع الاهلي الطائفي العشائري المناطقي " وهو ينظر إلى تلك الروابط على انها "عصبيات متخلفة " تشد المجتمع اللبناني إلى الوراء وتمنع تطوره وتعيق نموه ناهيك عن كونها أصل الحروب الدورية .

 

2- اتجاه طائفي – ميثاقي  اعتبر إلتزام ميثاق 1943 ووثيقة الوفاق الوطني (1989 ) هو المدخل الاساس لقيام  دولة من نوع جديد اسماها الصيغة اللبنانية المميزة تقوم على التوفيق بين الاعتبارات الطائفية والاهلية ، وبين اعتبارات المواطنية والمجتمع الحديث .

ولئن بدا للبعض أن التعدد في المجتمع اللبناني حالة خاصة ينبغي تجاوزها لصالح "الدولة الحديثة " ، اللاطائفية ، العلمانية ، القوية ،القادرة على تذويب الاختلافات وتحقيق الانصهار الوطني (أو الوحدة القومية السورية أو العربية) ، فإن مسيرة العالم اليوم باتجاه اعتبار التنوع والتعدد ثروة حضارية (حسب قول الإمام موسى الصدر)   خصوصا في المجتمعات الباحثة عن أسس جديدة لوحدتها وعن معنى ومضمون لهويتها ، قد اعاد الاعتبار إلى النقاش حول العلاقة بين الطائفية والتعدد الطائفي وبين صورة الدولة الحديثة المرتجاة .

ونحن من تجربتنا المتواضعة خلصنا في السنوات الاخيرة ( في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني واعلان بيروت) إلى تحديد جملة من المنطلقات  لترشيد الحوار حول الدولة والمجتمع نوجزها بما يلي :

 

ان الدولة في جوهرها هي جهاز ادارة وضبط للنشاطات والمصالح المشتركة في المجتمع، وليس لها غاية تستمد منها شرعيتها . انها مؤسسة من مؤسسات المجتمع ، وان كانت المؤسسة الكبرى بامتياز او مؤسسة المؤسسات . وهي بهذا المعنى لا تستطيع ان تشكل اختزالاً للمجتمع او تعبيراً صافياً متعالياً كلياً عليه اوإلغائياً له. وهذا المعنى يتأكد في المجتمعات التي لم تستطع الدولة فيها تفكيك النسيج الاجتماعي وارساء علاقة بين افراد وجهاز دولة متضخّم السطوة على الدوام.

والدولة في ادارتها ورعايتها للصالح العام المشترك تبقى مشدودة إلى الغايات التي يحدّدها المجتمع. فالشرعية التي تمتلكها هي شرعية وظيفية يمكن الحكم عليها بمعايير الفعالية والمردودية وبمدى انسجامها مع التوجهات الاساسية للمجتمع.

ان الدولة المطلوبة هي الدولة المتصلة بالمجتمع المتكاملة معه، في معادلة قيادة وإنقياد في الوقت نفسه : قيادتها للصالح العام المشترك، وإنقيادها للغايات التي يحدّدها المجتمع؛ فلا الدولة وصيّة على المجتمع تتصرف بمعزل عن توجهاته، ولا المجتمع قادر على ان يحلّ محلها.

ان الدولة في تجربة المجتمع الغربي الحديث استطاعت إلى حد كبير تحويل المجتمع إلى مجرّد افراد، فاتصلت بهؤلاء الافراد اتصالاً وثيقاً لصيقاً من خلال تأدية دورها الوظيفي الاداري بكفاءة عالية؛ غير انها غالباً ما انفصلت عن غايات المجتمع من خلال تفكيك المستند المجتمعي لهذه الغايات وحلول الدولة محله... ولكن هل الدولة في مجتمعنا العربي، ومنه لبنان ، استطاعت ان تقوم بالدور الوظيفي وبربطه بغايات المجتمع؟

واقع الحال ان الدولة في مجتمعاتنا أخفقت في الاتجاهين ، فانفصلت عن المجتمع في ميداني المصالح العملية والغايات البعيدة ، وتحوّلت إلى جسم يبدو دخيلاً ، تقوم علاقته بالمجتمع على نصاب من الغربة والتنازع والغلبة. وفي حين قدّم الغرب نموذج الدولة القويّة المكيِفة لمجتمعها، قدّمت تجاربنا الحديثة نموذج الدولة الهجينة العاجزة والسلطة الاستبدادية.

ان مجتمعنا اللبناني هو مجتمع متصل بقيم الدين، وهو إلى ذلك متعدد الطوائف والمذاهب؛ ولا نجد في ذلك بأساً ، بل لعلنا نجد فيه خيراً كثيراً من خلال فهمنا لمعنى التعدّد والتنوّع ودورهما. وعليه كيف يمكن ان تقوم علاقة الدين / الطوائف بالدولة.؟

ليس الدين عقيدة مجرّدة منفصلة عن المجتمع . انه متحقق عملياً في المجتمع ويمكن اعتباره الطريقة التي يتوصل من خلالها مجتمع ما الى وعي نفسه ووعي صلاته بالطبيعة والعالم والكون . وبالتالي فان تنظيم العلاقة بين الدولة والدين واحلال التناغم بينهما يتأمنان بتنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع وسلامتها.

لقد بدأ المجتمع اللبناني على الدوام أقوى وأغنى من دولته واكثر تدبيرا منها، مستفيداً من امتناع مصادرة الدولة لخياراته ومبادراته. ويمكن التحقق من ذلك اذا لاحظنا إن الازدهار الذي عرفه لبنان (اقتصادياً ومالياً وعلمياً وثقافياً، وعلى مستوى التبادل المادي والمعنوي داخلياً ومع الخارج شرقاً وغرباً) ذلك إلازدهار كان اساساً من صنع المجتمع . ولئن كانت قوة المجتمع قد عصمته من سطوة الدولة وسمحت له بالتوازن معها – بخلاف تجارب اخرى في محيطنا القريب والبعيد- إلا ان المبالغة على هذا الصعيد ادت إلى ان يجتاح المجتمع الدولة (فترة الحرب) وهو ما ينبغي التفكُر فيه ملياً لتداركه.

ان اعتراف المجموعات اللبنانية ببعضها البعض واعتراف الدولة بالمجموعات ، هذا إلاعتراف الصريح المزدوج هو الذي أنشأ الديمقراطية اللبنانية وشكل حاجزاً دون صعود سلطة ديكتاتورية على مجتمع موحد قسراً بدعوى الوطنية والأمن القومي والانتظام العام، كما هي الحال في معظم البلدان في منطقتنا. لم ينعم اللبنانيون وحدهم بتلك الديمقراطية (بمن فيهم اولئك الذين ظلوا يشتمونها) وانما قدمت ايضاً متنفساً لكل العرب الهاربين من ضيق مساحة الحرية والديمقراطية في بلدانهم.

ان حيوية المجتمع اللبناني والديمقراطية الناشئة عن توازنات هذا المجتمع انعشتا الحرية المتأصلة في نفوس اللبنانيين. ولئن بدت هذه الحرية بلا حدود في معظم الاحيان ، فانها تبقى الشرط الضروري لأي ابداع على أي صعيد . فالقول بان لبنان والحرية توأمان هو قول يتوافق مع واقع الحال.

ان حيوية المجتمع اللبناني في اجواء من الحرية والديمقراطية اطلقت تفاعلات على غير صعيد وانتجت طبقة متوسطة واسعة ً (بالمعنى الاقتصادي- الاجتماعي، والثقافي- المعرفي والعلائقي - التبادلي) شكلت عامل استقرار ورافعة تقدُّّم ومستودعاً لقيم التوسط والاعتدال.

 

خاتمة:          ما تقدم من عوامل ومعطيات يدخل في صلب التجربة الانسانية اللبنانية ويساعد على تفسيرها في الوقت ذاته . كذلك فان رسوخ تجربة العيش المشترك في المجتمع اللبناني ساعد هذا المجتمع على مغادرة الحرب بأقل الخسائر الممكنة وعلى استعادة السلم الاهلي بسرعة لافتة بعدما اصطرعت على ارضه كل القوىالدولية والاقليمية والمحلية في حلقات عنف متصلة على مدى 15 سنة.

ان التجربة اللبنانية تكتسب اليوم اهمية خاصة بعد فشل نموذج الدولة الذي كان قد ساد العالم بعد الحرب العالمية الثانية. فالصراعات التي نشهدها اليوم في دول عدة في العالم- من افغانستان والعراق إلى يوغوسلافيا السابقة مروراً بدول البلقان ودول وسط افريقيا ً إلى عدد من الدول العربية – ناجمة عن عجز في ابتكار صيغ جديدة لتنظيم شؤون المجتمعات المتعددة دينياً او اثنياً او ثقافياً ، فيصار إلى اعتماد العنف سبيلاً لفرض التوحيد القسري . والعنف يوّلد العنف ، بدليل ما نشهده في العالم من قتل ودمار يصل إلى حد الابادة . ولا احد بمنأى عن تلك الأخطار . فالعنف الذي يجتاح جزءاً من عالمنا لم يعد يندرج في اطار الصراعات القديمة، صراعات بين دول تضبطها في نهاية الأمر الخطوط الحمر التي رسمتها الحرب الباردة، انه عنف من طبيعة جديدة يفجّر من داخلها ويؤسس لعملية تفكك مستمرة لمكوناتها الاساسية، فلم يعد من سبيل لإيقافه بالوسائل القديمة : الوسائل السلطوية ونظريات الانصهار القسري. ويمتلك هذا الوباء قدرة لا حدود لها في توليد الصراعات والانتقال من مجتمع إلى الآخر.

 

فاذا كانت الحرب اللبنانية قد شكلت الاشارة الأولى لما سوف تكون عليه الحروب الاتية فان تجديد التجربة اللبنانية يوجهها المشرق يحيي نموذجاً اكثر ملائمة مع واقع التنوع والتعدد الذي يسود عالمنا والذي يحتاج إلى قدرة مميزة على ادارة الإختلاف ولجم مصادر العنف. هنا يكمن دور لبنان في هذه الحقبة من التاريخ . فاستعادة معنى لبنان ومعنى تجربته التاريخية لا يوفّر ضمانة لمستقبل اللبنانيين فحسب ، بل يشكل خدمة لمحيطهم القريب والبعيد ويساعد العرب على تجاوز هذه المرحلة المسكونة باشباح الحروب الأهلية.

 

للتعليق على هذا الموضوع