17 ديسمبر 2005

 

 

قُل يا أيها السياسيون المصريون

سامي حرك

 

 

تجاوب الشارع العراقي مع التحولات السياسية وأقبل على إستفتاء الدستور العراقي ثم خرجت فئاته وطوائفه -جماعات و فردانا- للإدلاء بأصواتهم في الإنتخابات الأخيرة , رغم الإرهاب الأصولي , ورغم الإحتلال , ورغم مافيا البعث في سوريا والعراق , ورغم , ورغم ...., رأى الشعب العراقي نوع جديد من السياسيين , صادقين , جادين , لا يلعبون على كل الحبال , ولا يخلطون الأوراق , ولا يستجيبون وينهزمون للتهديدات .

رأوا كيف وقف رجل الدين عبد العزيز الحكيم مع عدنان الباجه وأحمد الجلبي مع قوات التحالف علانية وبلا خوف من إتهامات العمالة والتخوين , طالما تأكدوا من أن مصلحة العراق هي الغاية والهدف !

رأوا جدية إياد جمال الدين بعمامته السوداء وملابس رجال الدين الشيعة يقول أن الحل في نظام علماني يحافظ علي الحريات الفردية والدينية , ولا يخلط السياسة بالدين , غير عابئ بالنقد , وكان أسهل عليه كرجل دين أن يستمر في مغازلة الجماهير واللعب بعواطفهم ومشاعرهم الدينية!

رأوا الياور رجل القبائل السني , وعلاوي , يؤسسان للحلم المدني , ثم شاهدوا المخضرم المتحضر الراقي جلال طالباني يرفض التصديق على حكم الإعدام لمن شردوه وأذاقوا شعبه الكردي صنوف العذاب .

قدم سياسيو العراق صدقهم وإخلاصهم وجديتهم فداء لوطنهم , فإستجاب الشعب العراقي وتلقى رسالتهم بأحسن منها .

أما سياسيو مصر , ففي الماضي القريب خرج الشعب المصري بجميع طوائفه وفئاته فداءاً لقادة الوفد المصري عندما شعر بجدية زعماء الوفد وصدقهم معرضين أنفسهم للنفي والتشرد أمام قوة الإحتلال , كذلك إستجاب الشعب المصري لبراءة وإخلاص شباب الضباط الأحرار ,رغم أن إنقلابهم العسكري قاد البلاد لنظام شمولي , فالشعوب تستجيب دائماً للجادين الصادقين , وتنفر من المزيفين المتأنقين بالمناصب والألفاظ .

وتسألون عن الصامتين , العازفين عن المشاركة , حيث إمتنع 80% من الشعب المصري عن المشاركة في الإنتخابات الأخيرة , فكانت كارثة تقدم قوى التخلف الأصولية , وتقهقر قوى التقدم والليبرالية , نعم هذه هي النتيجة الطبيعية لعقود من الزيف والخداع والفوضى , فبين حديث معلن عن الإصلاحات والتعديلات الدستورية , يُسفر عن تعديل هزيل للمادة 76 تاركاً مواد تمييع الإنتماء الوطني المصري , ومواد إهدار حقوق ومساواة المرأة , ومواد الدولة الدينية , ومواد التمييز الأبدي للعمال والفلاحين , ومواد خلط السلطات ثم طيها في جيب رأس السلطة التنفيذية ,......إلخ , فأين الجدية وأين التغيير وأين الإصلاح؟ , أم أن حسابات المواءمة السياسية والتوافق الإجتماعي واللعب على كل الحبال وإرضاء كل الأطراف ضيعت معالم الحقيقة ونفت الصدق , فتلقى الشعب الرسالة ونهض جالساً , أو تكلم صامتاً , أو نشط عازفاً ساكتاً , مكموداً مقروفاً !!!!!!!!!!!!.

وأخيراً صورة أخرى من صور عدم الجدية للسياسيين المصريين المحدثين , فسياسي عزل من منصبه بحزبه الليبرالي المعارض فقرر تكوين حزب ليبرالي آخر على الطريقة الشارونية رغم إختلاف المنهج والمناخ , وسياسي حكومي ضجر من معارضة مخضرمي حزبه فقرر تكوين حزب جديد , وسياسية قبطية علمانية تشد على أيدي الأصوليين وتزايد عليهم في شعارات الدولة الدينية , ورئيس حزب يزهو بنصف مقعد حصل عليه ويطلب إلغاء وتصفية باقي الأحزاب , ما هذا ؟ مشهد من الفوضى كما عبرت الصديقة هالة المصري- ولكني أراه تصويراً حياً لعدم الجدية , وسخرية هزلية للمشهد السياسي العام في مصر , نتيجته الحتمية صعود وتألق لقوى الظلام .

والحل !

كيف نستنهض الشارع ؟

بالجدية! فقط , أ , ل , ج , د , ي , ة ..................................

يجب أن يشعر المصري بجدية السياسيين المصريين وبصدقهم , بإخلاصهم لمبادئهم المعلنة , بطهارة السلوك والمقصد والأهداف .

ولنبدأ بدستور مصري مدني جديد , نستفيد فيه من آخر مكتسبات الحضارة , وبحرية تكوين الأحزاب , وبجدية الحياة الحزبية فلا ترشيح سوى للحزبيين , ولا أموال للأحزاب من الدولة , وبهيئة دستورية مستقلة لرقابة الإنتخابات , وبسياسيين مستعدين للتضحية والبذل قي سبيل مبادئهم , لا يتحركون ويتبدلون حيث المناصب والمنافع , أي سياسيين جادين صادقين .

 

*المحامي بالنقض

وكيل مؤسسي حزب مصر الأم

للتعليق على هذا الموضوع