13 سبتمبر 2005

 

حواديت من كتاب الحب

سامي بحيري

 

أهدانى صديقى الإلكترونى شريف مليكة ( والذى أصبح صديقا عزيزا من لحم وشحم) آخر ديوانين له، الأول عنوانه: حواديت من كتاب الحب* والآخر عنوانه: الأسم: مصرية، وسوف أحاول اليوم تقديم الديوان الأول للقارئ لعل وعسى نجد من يقرأ ومن يسمع، لأن المشكلة فى العالم العربى اليوم ليست مشكلة إبداع أو شعراء أو روائيين أو محللين سياسين، ولكنها فى المقام الأول مشكلة قراء، لأن معظم العرب (يادوب بيفكوا الخط)، حتى من يفكون الخط يقرأون (إن قرأوا) كتب الجن والعفاريت والشفاء بدون دواء، ويهيمون فى دنيا الأوهام والميتافيزيقيا ويبعدون عن واقعهم المؤلم، ويبعدون بخطى واسعة بعيدا عن العلم والحضارة.

.....

وأنا لا أحب أن أكتب دراسة نقدية لأننى ببساطة لا أعرف شيئا عن النقد (يإستثناء نقد زوجتى لكل تصرفاتى!!)، ولكنى أكتب بصفتى قارئ أحاول أن أقدم الديوان إلى صديقى القارئ النادر الذى تاه حتى أوشكنا أن نرسل منادى فى القرى والأحياء ينادى (قارئ تايه يا أولاد الحلال)، وأيضا من الصعب أن أنقد كتاب أو ديوان لصديق أو حتى لشخص أعرفه معرفة شخصية لأننى أخشى فقدان الموضوعية، ولكنى تحت رغبة تقديم عمل جيد للقارئ ونظرا أيضا لحرص شريف مليكة على معرفة رأيى فى أعماله الأدبية فها أنا ذا أفخر بتقديم هذا الديوان الجميل.

.....

 

ويقول شريف مليكة فى مقدمة ديوانه بأنه كتب هذا الديوان باللغة العامية المصرية فى محاولة منه ل "تمصير" بعض حكايات الكتاب المقدس. وفى إعتقادى أن شريف قد نجح تماما فى هذا، وأعتقد أنه نجح فى تقريب قصص الكتاب المقدس إلى القارئ العادى، والذى نطلق عليه قارئ الجريدة اليومية الذى يقرأ عناوين الجريدة والبخت وصفحة الرياضة والكاريكاتير ولا مانع من قراءة عمود أنيس منصور ونصف كلمة أحمد رجب (وكان الله يحب المحسنين)، و جاءت (الحواديت) فى شعر عامى مصرى بسيط يفهمه قارئ الجريدة والفلاح على المصطبة فى المنيا وإستاذ الآداب فى جامعة الإسكندرية، وفى رائى أيضا أن الديوان سوف يستمتع به المسلم والمسيحى، وبرغم مسحته الدينية وقصصه المأخوذة عن الإنجيل إلا أنها فى النهاية قصصا إنسانية دينية يؤمن بها المسيحى والمسلم.

فعلى سبيل المثال فى الإنجيل: يقول فى البدء كان "الكلمة"، وأول آية فى القرآن تقول :"أقرأ"، وفى هذا يقول شريف مليكة فى أول قصيدة من الديوان وعنوانها (حدوتة البداية):

....

فى البدء كان "الكلمة"

خلق الكون كله.. بكلمة

خلق النور.. خلق الضلمة

وزرع جنة فى الوادى

.....

 

وفى القرآن يقول سبحانه وتعالى مبررا للملائكة خلق آدم: "إنى جاعل فى الأرض خليفة" ثم قصة طرد آدم من الجنة، ويقول شريف مليكة نقلا عن الكتاب المقدس فى نفس القصيدة: (حدوتة البداية):

....

وخلقنى أنا على شكله

الخير دا ليك تاكله

والشر ومشاكله

فى ثمر شجرة النحيا دى

 

عشت أيامى فى سلام

أسمع من فمه كلام

وملايكة تقول أنغام

إسمك قدوس وتنادى

 

لكن جانى يوم إبليس

وشوشنى بفكر خبيث

إخترته يكون لى ونيس

والنور بقى ضلمة قصادى

......

 

ومن ال(حواديت) الجميلة حدوتة مولد عيسى عليه السلام بعنوان (حدوتة المولود):

 

عصفور طاير بيزأزأ

والفجر يدوبك شأشأ

والناس لسه نايميين

 

مولود جديد بيوأوأ

جنبه حمار بينهأ

فى زريبة فى فلسطين

 

أمه دموعها بترأرأ

عارفة الناس مش تسدأ

بالروح حبلت بجنين

....

....

 

كان يوسف لسه ملألأ

مريم شرحت له فسدأ

وبقوا لتنين فاهمين

 

.....

.....

 

كلام فى منتهى الجمال، وفى الديوان (حواديت) عن معجزات عيس عليه السلام وخاصة فى شفاء الأعمى والمريض، وقد كنت أخشى من قراءة تلك القصائد المتوالية أن توحى بأن الشفاء يأتى عن طريق المعجزات فقط، حتى فاجئنى الشاعر بقصيدة جميلة بعنوان (حدوتة البنت العامية من القصص الشعبية) وتحكى عن قصة فتاة عمياء إسمها (سناء) ويقول جزء منها:

 

كت راحت للدكتور

وقال تلزم عملية

خافت لتعدى شهور

وتفضل زى ما هى

.....

.....

ويمضى يقول:

....

صلت مريم على المية

اللى ف قلة محطوطة

بعدين عملت عملية

صبحت عينها مربوطة

.....

.....

وبعد أربع تيام

شالت العدرا الشاش

عاشت بعدها بسلام

وضلام عينيها إنحاش

.............

المهم فى الموضوع أن شريف مليكة الدكتور والطبيب * الذى يخفف من آلام الناس بالأدوية والأشعة وخلافه لم يفته أنه لابد( للبنت) من أن تعمل عملية لكى تخف، ولامانع من أن العدرا (مريم العذراء) شالت الشاش وحلت بركاتها وكانت عنصرا مساعدا فى الشفاء، لأن الشفاء ما كان يتم لو لم (تعمل) العملية الجراحية.

......

 

والديوان يشعرك شعورا مصريا روحانيا (لا فرق بين مسيحى ومسلم كما ذكرت)، بل تأخذنى الحواديت ربما إلى ترانيم كهنة آمون فى المعابد المصرية القديمة، فالدين فى قلوب المصريين قديم قدم الأزل، وشعورهم بما وراء الطبيعة وبالحياة بعد الموت وبقدرة الخالق موجود قبل الأديان السماوية بمئات السنين، وما زال موجودا حتى اليوم، الشئ الذى أخشى أن يفقدوه هو الحب بكل أنواعه، وخاصة (الحب الإلهى) وهو ما لاحظته بقوة فى (حواديت) شريف مليكة والتى أطلق عليها: (حواديت من كتاب الحب)، فتقرأ مثلا فى قصيدة (لولا حبك):

....

لولا حبك..

ما كنت أحب

إللى بيكره

وإللى يسب

وأخاف لا بكرة

تطاردنى ذكرى

تحاربنى فكرة

ورياح تهب

....

 

وعى ذكر الخوف، ففى قصيدة رائعة بعنوان (الخوف) يقول:

...

الخوف ما بيعرفش يفرق..

بين عيل..

خاف لو أبوه بّرق

وأبوه..

لو بطل يسترزق

والجد..

لا شبح الموت يزهق

 

ويدور الخوف

ع الدنيا يطوف

يسرق فى أمان.. وطمان ما نشوف

وبيسبى ألوف..

بخطر محفوف..

و حنهرب فين من وش الخوف!

 

.......................................

 

والديوان محاولة جريئة جدا فى أخذ قصص من التراث سواء كان تراثا دينيا أو تراثا شعبيا وتحويلها إلى أشعار وأزجال باللغة المصرية المصرية بطريقة تدخل كل القلوب، ولعلها تدخل القلوب المتحجرة والعاصية وتملأها بالحب والأمل وتبعد عنها أشباح الخوف والكراهية، لأنه لا بديل عن الحب فى مواجهة الخوف والكراهية، لذلك منذ نعومة أظفارنا وحتى الآن نهرب دائما من الخوف إلى أحضان من نحب.

.........................

 

* شريف مليكة هو طبيب مصرى مهاجر ويعمل فى مستشفى جون هوبكنز المرموقة بولاية ماريلاند، وهو متزوج وله ولد وبنت.

* ناشر ديوان (حواديت.. من كتاب الحب) هى دار الحضارة للنشر بالقاهرة عام 2005

 

samybehiri@aol.com

للتعليق على هذا الموضوع