Middle East Transparent

29  يونيو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

الكنيسة القبطية تعترض على

فيلم "بحب السيما" لأسامة فوزي

 

القاهرة: سامح سامي

 

 

بعد أقل من شهر من مصادرة الأزهر الشريف لرواية :"سقوط الإمام" للروائية المصرية نوال السعداوي، أصدرت الكنيسة الأرثوذكسيَّة المصرية بياناً- من لجنة المصنفات الكنسية التابعة للجنة التعليم والإيمان والتشريع بالمجمع المقدس لبطريركية الأقباط الأرثوذكس-  ضد فيلم "بحب السيما" المعروض الآن بدور العرض المصرية.

 

 الفيلم يتناول حياة شخصية عدلي المسيحيّ الذي يجسّد دوره الفنان محمود حميدة، ويقدمه الفيلم على انه أرثوذكسيّ المذهب ومتعصب جدا لمذهبه، ويرفض كافة أشكال الفنون خوفا من جهنم فيجعل زوجته التي تجسّد دورها الفنانة ليلى علوي تهمل حبها للفن التشكيلي. ويقدمها الفيلم بروتستانتية المذهب.

 

ولكن المجمع المقدّس في مصر هاج ضد الفيلم، وأصدر بياناً مطولاً قال فيه: "إنّ ظاهرة الأفلام التي تثير النقاش والحساسيات تتعدى في خطورتها الاعتداء على حقوق فئة أو طائفة معينة في أيّ مجتمع لتصل إلى النسيج الفكريّ للأمة بكل طوائفها وفئاتها. فتلك الظاهرة تضع أبناء الوطن، بكل عناصره، تجاه تساؤلات عدة تبحث عن إجابة:

 

1-    هل يحق للرقابة، كجهاز ثقافي واع ومسئول، أن تفتح الباب لأيّ مصنف فني يعبث بصورة أيّ فئة من فئات المجتمع باسم حرية التعبير الفني، فيثير بذلك الحساسيات والنقاش الهدام بين طوائف المجتمع بما يتركه من صور خاطئة في الأذهان؟

 

2-    هل تقف مسئولية الرقابة أمام الوطن عند حد رفع راية "للكبار فقط" التي يستتر وراءها كلّ إخلال وتسفيه وتجريح بل وخروج عن تقاليد مجتمعنا العريق في التعايش الاجتماعيّ وفي مدى تحضرنا في التعبير عنه؟

 

3-    هل يعنى الانتماء الأسمي لصانعي الفيلم ومنتجيه إلى الطائفة التي يشوه صورتها الفيلم، هو أنّ تفتح الرقابة بابها لعرضه ضاربة بعرض الحائط إعتراض الملايين الذين يرون في مشاهده تجنياً ظالماً على صورتهم وإهانة صارخة لكرامتهم؟

 

 

4-    من المخجل أن يضع صانعو الفيلم بموافقة الرقابة شكراً في مقدمته لعدد كبير من رجال الدين المسيحيّ، إيهاماً بموافقة الجهات الدينيَّة على الفيلم. وفي الواقع، كانت تلك هي أسماء من سمحوا-بحسن نية- باستخدام قاعات الوعظ والكنائس القديمة في تصوير بعض المشاهد، التي تحولت بعد ذلك إلى مسارح لمهازل مهينة من خلال مشاهد الفيلم.

 

5-     كيف يمكن أنّ تدعي بعض المجلات والصحف أنّ مسئولين دينيين معروفين، وبالتحديد الأنبا يوحنا قلتة والأنبا بيسنتي، قد حضروا العرض الأوّل للفيلم وأعربوا عن مواقفتهم في حين أنّهم لم يحضروا على الإطلاق؟

 

6-    ما هو دور المؤسسات الثقافية والإعلامية تجاه تراجع الفيلم المصري عن المستوى اللائق في التعبير عن فئات المجتمع والأقليات خاصة وإن هذا التدنيّ في المستوى يتجنى على صورة تلك الفئات..بما يثير الحساسيات ويعرّض وحدة المجتمع لشروخ الفرقة التي لا نرضاها له.

 

إنّ الموافقة على عرض وترويج مثل هذه الأفلام سواء على المستوى القوميّ، وخارج مصر، يطرح العشرات من علامات الاستفهام تجاه معايير تقويم العمل الفني في أجهزتها الثقافية المسئولة".

 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بصدور بيان يشجب العمل الفني، بل امتد إلى ساحات القضاء المصري. فمن المنتظر أن تنظر محكمة القاهرة للأمور المستعجلة السبت القادم في دعوى قضائية، أقامها المستشار نجيب جبرائيل رئيس محكمة الأحوال الشخصية المصرية سابقاً ومعه القمص الأرثوذكسيّ مرقص عزيز، يتهمان فيها فريق الفيلم ( أسامة فوزي مخرج العمل، هاني فوزي مؤلف الفيلم، والفنانين ليلى علوي ومحمود حميدة ومنة شلبى ومنتج الفيلم هاني جرجس) بالتعرض لقضايا دينية تخص الأقباط الأرثوذكس دون الرجوع إلى الكنيسة لمراجعتها دينياً، وطالبا بوقف عرض الفيلم.

 

ويقول نجيب جبرائيل في الدعوى: "مشاهد الفيلم صورت جميعها في إحدى الكنائس الإنجيليَّة بشبرا، ولم يصور أية مشاهد بالكنائس الأرثوذكسيَّة. كما لو كانت الطائفة الغالبة في مصر هي طائفة الإنجيليين، والعكس هو الصحيح". كما أضاف المستشار جبرائيل:" حتّى مراسم الزواج التي تمت في هذا الفيلم داخل الكنيسة الإنجيليَّة ليست هي سرّ الزيجة المقدّس الذي تقره الكنيسة القبطية الأرثوذكسيَّة. كما اظهر الفيلم وجود تزمت مقيت لدي الأقباط في ممارسة صلواتهم وأصوامهم، وعلاقة الزوج بزوجه".

 

وصرح المستشار جبرائيل لـ"شفاف الشرق الأوسط" أنّ الفيلم يبين أن الديانة المسيحيَّة فيها من التعقيد والتزمت بحيث يمكن أن تطيح بالعلاقة الزوجية في سبيل ممارسة الأصوام. فعندما كانت نعمات البطلة تطلب من زوجها حقها في المعاشرة الزوجية كان عدلي يتعلل بأنّه صائم، وأن في الكنيسة القبطية مائتي يوم صيام، فلا يجوز المعاشرة مما ضاق بالزوجة ذرعاُ، واشتد الكبت بها فارتمت في أحضان احد الرسامين تبكى حظها العاثر".

 

وأكدت الدعوى أن الفيلم جعل من الكنيسة، وهو مكان مقدّس، ملتقى للعشاق، وهو ما ظهر جليًا في لقاء منة شلبي مع حبيبها في الدور العلوي من الكنيسة، بينما اجتماع الصلاة كان منعقدا في الدور السفلي.

 

وأوضح أن الفيلم لم يجسد شخصية عدلى المتزمت دينيًا وعندما خرج من تزمته لم يصوره على انه رجوع إلى الممارسة الحقيقية الصحيحة للدين، وإنّما أخرجه من تزمته فصوره بصورة أفظع، وهو يحتسى الخمر وفاقد الأمل في كلّ شيء، وهو السبب في تغير حالته ومعاملته مع زوجه وليس رجوعه إلى تفهم الدين بطريقة سليمة صحيحة.

 

 

فيلم يدعو لمحبة الله

 

أما أصحاب الفيلم فقالوا إنّ هذه الدعوى فتنة ضد فيلم يدعو لمحبة الله، وهذا ما أكده الناقد السينمائيّ طارق الشناوي وأضافوا لعل أسوأ ما في الدعوى المرفوعة من المحامي القبطيّ ورجل الدين إنها تكشف أننا نعود للوراء. فدعاوى الحسبة قد عادت والجديد في هذه المرة أنها عادت على يد أقباط، بعد أن كان نجومها لسنوات طويلة من المتطرفين والمتزمتين المسلمين.

 

من ناحية أخري، اجتمع نيافة الأنبا مارتيروس أسقف عام كنائس شرق السكة الحديد بالقاهرة بالآباء الكهنة أعضاء لجنة المراجعة للمصنفات الكنسية حيث تقرر عدم موافقة أيّ من أصحاب النيافة الأساقفة على أي سيناريو لفيلم من الأفلام الدينية المسيحيَّة إلا بعد مراجعته تاريخيًا وفنيًا بمعرفة اللجنة.

 

ومن ينظر على الساحة المصرية خلال السنوات الفائتة، يجد حساسية مفرطة لدي الأقباط، بدأت مع المؤلف أسامة أنور عكاشة، ثّم المؤلف وحيد حامد حين كتب مسلسل "أوان الورد" مما جعل حامد يصرح في حوار مع كاتب هذه السطور بأنّه لن يكتب حرفا واحدا عن الأقباط بعد الآن بسبب الحساسية الشديدة لدى المسيحيين في مصر.