Middle East Transparent

4 يوليو 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

فيلم "بحب السيما"

الفن يدفع ثمن ارتباك السياسة وهواجس الوجود المطمورة

بقلم: ســامــح فــوزي

 

كان من المتوقع أن يثير فيلم "بحب السيما" جدلا واسعا في الأوساط المسيحية. ليس فقط لأن الفيلم يحوي ما تعتبره الكنيسة خروجا على تقاليدها في بعض المشاهد، ولكن لأنه يمثل مناسبة لإعادة إنتاج هواجس موجودة لدى قطاع واسع من الأقباط الذين يتوقعون أن يكون إعادة الاهتمام بهم علي صعيد الأعمال الفنية من خلال تسليط الضوء على واقعهم وتراثهم وتقاليدهم دون استدعاء قضايا شائكة تخص حضورهم المجتمعي. إذن المسألة دون مواربة تخص الفن في الظاهر وصراع البقاء والوجود في الباطن. وسيظل هذا الاشتباك قائما-كلما عرض عمل فني يتناول الأقباط علي خلاف الصورة التي يودون أن يكونوا عليها- طالما أن القضية تمس تساؤلات كيانية وليس إشكاليات ذات طبيعة فنية.

 

هناك صراع حقيقي علي الصورة التي يرسمها الفن للأقباط. وهو صراع ممتد ولاسيما في ضوء تغييب الوجود المسيحي لعقود طويلة عن الأعمال الفنية. جاءت العودة في البداية إحتفائية من خلال ظهور الشخصية القبطية المثالية- إن صح التعبير في أعمال أسامة أنور عكاشة وبهاء طاهر، ومن ثم شعر قطاع من المسلمين أن الأقباط ُيقدمون- فنيا- بشكل مثالي، في حين أنهم-أي المسلمين- يقدمون علي الوجهين-الايجابي والسلبي- حسب الأحوال. وعندما بدأت الأعمال الفنية تخوض في عمق الشخصية القبطية أسوة بالمسلمة، على نحو ُيظهر أنها شخصية واقعية تحمل سمات المجتمع بما يموج به من تحديات ومظاهر عطب اجتماعي، بدأ الضجر يزحف إلي الأوساط القبطية التي رأت في ذلك تعريضا بها وبتقاليدها وعقائدها. القضية إذن صراع على الصورة. وسيظل السؤال مطروحا... هل من الملائم أن يقدم الفن الشخصية القبطية علي إنها شخصية صمغية شمعية تحيا في مجتمع آخر أم أن من الأفضل أن يقدمها علي أنها شخصية نابضة متفاعلة مع المجتمع؟

 

أتصور أن هناك من الهواجس والمبررات ما يحتاج إلي مناقشة صريحة جادة.

 

خطاب الهواجس

في تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب في أعقاب أحداث العنف الطائفي في منطقة الخانكة عام 1972 حديث عن وجود صور نمطية مشوهة عن الذات والآخر في أوساط المسيحيين والمسلمين علي السواء. وروي لي الدكتور رشدي سعيد -عالم الجيولوجيا المعروف- وكان عضوا بهذه اللجنة، أنه فوجئ هو وزملاؤه بكم الهواجس الموجودة في الأوساط الإسلامية والمسيحية على السواء. هناك من ادعي أن الأقباط يريدون إفقار المسلمين وحرمانهم من الدواء. هذه الهواجس كانت في أذهان العامة في وقت كانت فيه مصر خارجة لتوها من تراث الستينيات شبه العلماني. ومن الطبيعي أن تتكاثر وتتناسخ مثل هذه الهواجس بعد مرور ثلاثة عقود شهدت الساحة السياسية إبانها موجات من الصراع بين السلطة والدين والعنف والخطابات النصوصية التكفيرية في مواجهة المسيحيين والسجالات العقائدية في المفاضلة بين الأديان. وهي فترة عرفت أيضا عزوفا وانسحابا من جانب الأقباط، وتقليصا لمساحات التلاقي بين المسيحيين والمسلمين. في عام 1998 أصدرتُ كتابا بعنوان "هموم الأقباط"، وطلبت من زميلة باحثة مسلمة أن تجري استطلاعا للرأي في أوساط المسلمين العاديين حول معرفتهم بالأقباط. جاءت الإجابات علي الأسئلة المطروحة طريفة ومخجلة في آن واحد، ومؤشرا كاشفا على تراجع مساحات الفهم المتبادل بين المسيحيين والمسلمين.

 

بعض الإجابات جاءت على النحو التالي "المسيحيون يعبدون ثلاثة آلهة"، " لماذا تحلق الراهبة شعرها"، " لماذا يقول القس للمتوفى إني برئ منك"، "لماذا رائحة بيوت المسيحيين غريبة"، "لماذا تسعى الفتيات المسيحيات إلي الإيقاع بالشباب المسلم الملتحي في المصايف".....الخ. وهناك خطاب مسكوت عنه في أوساط القطاعات الشعبية من المسلمين مفاده أن المسيحيات أكثر تحرراً من المسلمات نظرا لعدم إرتدائهن الحجاب. وقال لي كثير من المسلمين أنهم لا يعرفون علي وجه التحديد ما يفعله المسيحيون داخل الكنائس؟ وروى لي بعضهم أنه من الشائع في أوساط المسلمين أن الرجال يقبّلون النساء في الكنائس عقب إطفاء النور في ليلة رأس السنة. هذه الأمثلة قليل من كثير عن الأنماط المشوهة لدي قطاع من المسلمين عن شركائهم في المواطنة من الأقباط. ولا أنكر أن هناك صورا نمطية مشوهة عن المسلمين في أذهان قطاعات من الأقباط أيضا.

 

إذن الحالة المجتمعية في مصر تشهد شكلا من أشكال الشك المتبادل المستبطَن. وكلما جاء عمل فني يعري هذا الشك وجد من يتصدى له. والدليل على ذلك أن هناك مشاهد بعينها في فيلم "بحب السيما" هي التي أثارت حفيظة الأقباط مثل الشاب الذي يقبّل الفتاة في منارة الكنيسة، وخيانة الزوجة لزوجها المتزمت، وتكرار الشتائم على لسان أبطال الفيلم المسيحيين. هذه المشاهد أثارت غضبا قبطيا- كما يتضح من البيان الذي أصدرته لجنة المصنفات الفنية التابعة للمجمع المقدس في الكنيسة القبطية- لأنها تصور الأقباط بصورة سلبية من ناحية، وتؤكد صورا نمطية مشوهة عن الأقباط لدي قطاع عريض من المسلمين من ناحية أخرى. وسبق أن تكرّر الأمر نفسه في مسلسل "أوان الورد" عندما دعا إلي زواج يجمع مسلما بمسيحية تحت لافتة "دين الحب"، وهو ما أعتبره الأقباط خروجا علي عقيدتهم التي تحرم مثل هذا النمط من الزيجات، وتشجيعا مستبطنا لها. وتسألوا إذا كان العمل إبداعا، والإبداع بحكم التعريف- خروج عن النص فلماذا لا يقدم الصورة العكسية أي شاب قبطي يتزوج مسلمة؟ أو يقدم مشهدا لشاب مسلم يقبل فتاة مسلمة في مآذنة مسجد مثلا؟. أم أن هناك فقط مراعاة للعقيدة الإسلامية دون المسيحية؟

 

صراع على الصورة

يرافق عودة الاهتمام بالشخصية القبطية في مجال الفن صراع مستبطن علي الصورة. بعض الأقباط يريدون صورة طاهرة لهم خالية من الشوائب. صورة صمغية.. احتفالية.. شمعية إن صح التعبير تُستَدعى كلما كان هناك داعٍ للتدليل علي وجود الوحدة الوطنية. وهناك فريق من المبدعين يرون أن الشخصية القبطية تمثل كافة أطياف المجتمع. الجيد والردئ، الفاضل والطالح، الطيب والخبيث.. أي أنها شخصية لها سمات وخصائص نفسية لا تميزها في شيء عن باقي مكونات المجتمع المصري. هي بالتأكيد صورة مختلفة عن "فلتاؤس أفندي" الصراف القبطي التقليدي في الأعمال الدرامية الذي كان يعكس نمطا للعلاقات المجتمعية السائدة وقتئذ. لماذا لا تكون وسط الأقباط شخصيات تحمل تناقضات الحياة؟ ما المانع أن تكون هناك شخصية قبطية في عمل درامي تلعب دور اللص أو الشاب المنفلت أو الزوجة الخائنة؟ أليس هؤلاء بشرا يمكن أن يتواجدوا في كل زمان أو مكان دون أن يكون لوجودهم أي تداعيات سلبية على الصورة الجمعية للجماعة الدينية التي ينتمون إليها؟ ولماذا يقفز إلى ذهن المشاهد - أول ما يقفز- أن هذا قبطي أو مسلم رغم أن العمل برمته فنّي؟

 

القضية تتلخص في عبارة واحدة أن هناك مخاوف وجودية لدى الأقباط في المجتمع المصري. ومثل هذه الإشكاليات الفنية ما كان من الممكن أن تحتل مثل هذه المساحة من الجدل والرفض والاحتجاج لو لم تكن مثل هذه المخاوف قائمة. ويدفع-اليوم- الفن ثمنا باهظا لالتباسات الواقع السياسي. يشعر الأقباط أنهم مستهدَفون في المجتمع، ويصبح هذا منطلق تفسيرهم للواقع المحيط بهم. مستهدَفون في بناء دور العبادة، والتعيين في الوظائف العليا، وتولّي المواقع السياسية الحساسة، والتمثيل السياسي..... الخ. يدفعهم هذا بوعي أو بدون وعي- إلى قراءة الأعمال الفنية من هذا المنطلق. ولو لم تكن الحالة السياسية ملتبسة بالنسبة لهم لما انشغل الأقباط على نطاق واسع- بمثل هذه القضايا ذات الطبيعة الفنية.

 

إذن صراع الوجود المستبطَن يعبّر عن نفسه في صراع على الصورة في العلن. وشعور الأقباط بأنهم في حالة دفاع عن النفس يجعلهم يتّجهون إلي الدفاع عن كيانهم وما يتصوره الناس عنهم. القضية باختصار- تعبر عن أزمة سياسة أكثر مما تعبر عن أزمة فنية. أزمة في علاقة الأقباط بالأخر والدولة، أكثر من أزمة في علاقة الأقباط بالفن عموما.

 

نقد ديني أم فني

في حالة الصراع على الوجود تغيب الجزئيات لصالح الكليات. ويجري تقليص مساحات التسامح والحوار والجدل في سبيل تعبئة كل الامكانات للدفاع عن النفس. ويصبح الدين هو وسيلة التعبئة والحشد والتجميع. هذا ما يحدث بالضبط حيث يجري قراءة الأعمال الفنية من منظور ديني، ويتصدى رجال الدين لنقد هذه الأعمال انطلاقا من أطر مرجعية دينية. وهي حالة نجد لها مثيلا علي الجانب الإسلامي ظهرت في دعاوى مقاطعة فيلم "آلام المسيح" نظراً لأنه يخالف العقيدة الإسلامية، والبعض ذكر أنه يحض المشاهدين على اعتناق المسيحية. هنا يجد المبدعون والمثقفون أنفسهم في مأزق....هو التشهير بأعمالهم والركون إلي أدوات غير علمية لنقد العمل الفني. ويتحول المشهد إلى ما يشبه محاكم التفتيش الدينية على الأعمال الفنية. وتصبح الرسالة الموجهة للمبدعين هي تقديم أعمال فنية تراعي "ينبغيات" أو صورا متخيلة عن المجتمع الفاضل وليس ما يشهده المجتمع الراهن من مظاهر انحلال وفوضي إنسانية وأخلاقية. ما يريده البعض هو أن يتحول الفن من مجال لنقد الواقع من خلال الاشتباك معه إلى مجال للتعامي على الواقع ومحاولة تصوير عالم فاضل مثالي غير موجود. بقول أخر، يتحول الفن من تجربة نقدية إلى عظة أخلاقية.

وليس مستغربا أن تتصدى الكنيسة لمسألة الحضور القبطي في الفن نظرا لأنها أصبحت تتصدي لكل ما يتعلق بالشأن العام للأقباط بعد أن تقلصت في السنوات الأخيرة مساحة الحياة العامة للمدنيين الأقباط، وتحولت المؤسسة الدينية إلى مدافع عن حقوق المواطنة للأقباط، بعد أن غاب عن المشهد السياسي السياسيون الأقباط الذين لعبوا دورا في إدارة الملف القبطي فبل ثورة 1952، وكذلك التكنوقراط الأقباط الذين حلوا محل السياسيين في الستينيات. غاب هؤلاء وأولئك ولم يعد يملأ المشهد سوي الاكليروس (رجال الدين المسيحيين). يدخل هؤلاء مجال النقد- أسوة بأقرانهم من المسلمين- متسلحين فقط بتفسيرات دينية للواقع والحياة، دون أن يمتلكوا ثقافة حديثة أو رؤية موسوعية تيسر لهم نقد الواقع الاجتماعي بكل مظاهره وتجلياته.

 

واللافت للنظر أن رجال الدين علي الجانبين المسيحي والإٍسلامي- الذي يبحثون بدأب عن كل ما يسيء إلى العقيدة في الأعمال الفنية، يغضّون الطرف أو على الأقل لا ينتقدون بنفس الحدة الأعمال الفنية التي تقدم صورا نمطية مشوهة عن الإنسان- أيا كانت معتقداته. تقديم على سبيل المثال- صورة سلبية عن المرأة بوصفها مجرد "أنثى" أو إشاعة لقيم المجتمع الاستهلاكي أو تكرار مشاهد العنف والجريمة.... ألا يمثل هذا إهانة لجوهر الإنسان -صورة الله ومثاله في المسيحية وخليفة الله علي الأرض في الإسلام؟ هل رؤية مشاهد مبتذلة لن يكون له تأثير سلبي علي الإنسان إذا عرف ديانة من يقوم بها؟ ... المسألة إذن ليست فنية بل كيانية كما ذكرت في البداية. مسألة وجود وليس فنّاً.

 

يبدو أنه لا خلاص للمجتمع المصري من الحالة الملتبسة التي يعيشها إلا بالمضي قدما علي طريق إنشاء دولة مدنية علمانية علي أساس من المواطنة الكاملة والتعددية. وتصبح لمؤسسات الدولة دورها في الحفاظ على النظام العام ويصبح للمؤسسة الدينية دورها الأصيل في رعاية الشأن الديني.

 

في دولة مدنية تعددية، الفن هو مسئولية المبدعين، ونقده مسئولية الجمهور المتلقي والنقاد. ويكون نقد العمل الفني من خلال إلتماس أدوات علمية منهجية يعرفها النقاد المنتمون إلي مدارس النقد المتنوعة. والتعددية تعني حق كل قطاع أو فريق -بما في ذلك المؤسسة الدينية- في التعبير عن رأيه أيا كان، لا حَجر على أحد، ولكن في نفس الوقت لا حق لأحد في مصادرة أو الحضّ على مصادرة عمل فني. وتكون ساحة القضاء هي الفيصل الحقيقي بين خطوط التماس الفاصلة بين الإبداع الإنساني من ناحية والإساءة إلى المعتقدات من ناحية أخرى بعيدا عن محاولات تحويل رجال الدين من دعاة ووعاظ إلى نقاد وضبّاط.