23 أغسطس 2005

 

 

رواية "صلصال" للسورية سمر يزبك: الفصل الأخير ومقابلة "السفير"

 

 

(أعجبتنا هذه المقابلة مع الروائية السورية سمر يزبك في "السفير". وبفضل "غوغيل"، عثرنا على الفصل الأخير من الرواية وعلى خبر يفيد أن الكاتبة " تتلقى... اتصالات هاتفية مهينة، مليئة بالسباب والشتائم، يوجهها إليها أشخاص يزعمون أن الرواية استهدفتهم، تحملتها بصمت أول الأمر، ثم أثارت قلقها حين اكتشفت أن أشخاصا تجهل هويتهم اقتحموا بيتها وعبثوا بمحتوياته، ربما لتذكيرها بيدهم الطويلة..".)

*

 

الرواية السورية عانت الكثير من الظلم والتجني على أسماء مهمة

سمر يزبك: الرواية إعادة كتابة التاريخ خارج التاريخ الرسمي

اسكندر حبش

 

<<صلصال>> عنوان الرواية الجديدة للروائية والسينمائية السورية سمر يزبك، الصادرة حديثاً عن <<دار الكنوز الأدبية>> في بيروت. تدخل الكاتبة إلى عالم أشبه بالمحرم، إذ تحاول أن تدخل إلى قلب التاريخ السوري المعاصر، وهي الفترة التي كانت شبه مغيبة عن اهتمامات الكتّاب المعاصرين، لتحاول، عبر قصة حب عادية، أن تفكك آليات السلطة وانهزام مجتمع. حول الرواية هذا اللقاء.

 

مع <<صلصال>> روايتك الثانية، والتي تأتي بعد <<طفلة السماء>>، يبدو وكأن ثمة مشروعاً أدبياً تحاولين العمل عليه: الدخول عميقاً إلى قلب المجتمع، وكأنك ترغبين فيما لو استعدنا المقولة القديمة في أن تجعلي الرواية مرآة لهذا المجتمع.

 

- لا أعرف إن كان ثمة كتابة كائنة من كانت لا تدخل إلى قلب ما تكتب عنه، سواء نجحت أم لم تنجح، ولا أميل إلى تبني هذه المقولة: الرواية مرآة المجتمع، أو <<نظرية الأدب والفن>> ولكن عندما كتب مارسيل بروست رائعته <<الزمن المفقود>> ونجيب محفوظ، ثلاثيته و... أسماء أخرى، ألم تكن كتاباتهم مرآة للمجتمع دون تبني هذه النظرية؟ كل ما نفعله بطريقة أو بأخرى ناتج عن واقع ملموس، الكتابة تجمله بافتراض ما، ولكني حقيقة أكتب بهوس الدودة الوحيدة التي تحدث عنها ماريو بارغاس يوسا: فعل الكتابة، الذي ينهشني ويستلبني باستسلام عذب لا براء منه، ولا أعرف إن كانت نتيجة تلك المتعة والغواية التي أمارسها تتحول إلى صورة في مرآة، ولكني أجزم أن الأدب الحقيقي هو الأدب الذي يعمل على الغوص عميقاً في التفاصيل المخبوءة للواقع، وربما لقناعة ما، لم أتحرر منها رغم محاولتي ذلك أجد أن الرواية هي إعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر حالمة وهامشية لا تنتمي إلى التاريخ الرسمي، بالإضافة إلى أمر أجد من الضروري الحديث عنه، فالرواية السورية التي تخطت على الرغم من كل شيء بيئتها الأفقية الواحدة الوحيدة، وعاشت لعقود طويلة ضمن شروط مجحفة وتعسفية، لم تعمل على نبش التاريخ الحديث، أقصد ما بعد مرحلة الثمانينيات، وكانت الروايات التي تحدثت عن هذه الفترة المغيبة من التاريخ السوري، قليلة جداً، لذلك بدا للغالبية أن <<صلصال>> تدخل مناطق مخيفة، مناطق لم نعتد الحديث عنها بمكاشفات حرة ومؤلمة. لكني أجزم أن الرواية كما أفهمها وأشعرها، هي تفاعل روحي وعبوديتي كجسد بوذي عائم في الهواء، لتلك المتعة: فعل الكتابة.

 

بأي معنى تقولين إن الرواية السورية عاشت ضمن شروط مجحفة؟ وهل ان الشرط السياسي كان المصدر الأساسي في تغييب هذه الفترة، أي حاول الكتاب عدم التطرق إليها تجنباً لأسباب شتى؟ ومن جهة ثانية ألم يكن اللجوء إلى التاريخ، في عدد من الروايات السورية المعاصرة، وكأنه محاولة لمقارنة بين لحظتين، راهنة وماضية؟

 

- بمعنى أن الكتاب السوريين عانوا من شروط غير إنسانية بما يخص حريتهم في التعبير عن آرائهم، وبمعنى آخر في سيادة الثقافة الواحدة <<ايدولوجيا وعقيدة الحزب الواحد>> وباختناق الأطياف، وعدم وجود منابر ثقافية مستقلة.

الروائيون السوريون عانوا عذابات مضاعفة مقارنة مثلاً بالروائيين اللبنانيين والمصريين، وبالتأكيد كان الشرط السياسي هو السبب الأساسي لتغييب هذه الفترة في عالم الرواية رغم أن بعضهم حاول ذلك (هاني الراهب،نبيل سليمان) وهذا هو السبب الذي دفع بمعظمهم كما تقول للجوء إلى التاريخ للمقارنة بين لحظتين، راهنة وماضية (ممدوح عدوان، خيري الذهبي) وربما هذه فرصة أجدها مناسبة للقول: بعد أن قرأت العديد من المقالات للكتاب والنقاد العرب التي تلغي وجود الرواية السورية، وتصفها بالهشاشة والضعف، في أن هذا الحديث يحمل الكثير من الظلم والتجني على أسماء مهمة في عالم الرواية السورية، لم تلق نصيبها من الوصول والشهرة، لأنها كانت بعيدة عن ماكينة الإعلام العربي (ممدوح عزام، فواز حداد) وهذا حديث ذو شجون لن ندخل في تفاصيل أسبابه الآن.

 

من الواضح في <<صلصال>> هذا الهمّ في الكتابة السياسية. لا أقصد بالطبع أنك تكتبين بياناً سياسياً، ولكنك تعملين على تفكيك بعض بنى الطبقات الحاكمة في المجتمع العربي، وإن كان ذلك عبر قصة <<بسيطة>> بمعنى أنك تستعدين قصة حب ظاهرياً، لتدخلي منها إلى ما هو أوسع. هل تجدين أننا بحاجة حقيقية إلى إعادة قراءة الأنظمة التي أفرزتها <<حركات

 

- لا أتفق معك أن الأنظمة أفرزتها حركات التحرر العربي، الأنظمة كانت كيانات موجودة، مسبوقة بشرط خارجي <<الاستعماري والأميركي لاحقاً>> ولم تصنعها أبداً حركات التحرر العربي، وإن بدا الأمر على غير هذا الوجه، فهذا من باب التغييب والإعلام الدعائي للترويج للأنظمة العربية، ولذلك أجد من الضروري تعرية ما حدث في هذا المكان من العالم البائس الذي أنتمي إليه، ولا أخفيك القول: أحاول جهدي التخلص من رؤيتي هذه حتى لا تخرب متعة كتابتي ، فتأسرها بالايدولوجيا، وحتى تبقى فنية العمل الروائي ذات بنية جمالية محضة. وفي الوقت نفسه أقول: إن الجمال هو شكل من أشكال العدالة المجهضة، لذلك تعود تلك المعادلة للحضور في شخصيتي الكتابية عن تعرية الواقع كما ذكرت، وهكذا يبقى الأمر بين أخذ ورد، ربما لذلك... أكتب بتوتر.

 

غالبية أبطالك في روايتك الجديدة وأقصر الحديث عنها هنا تبدو شخصيات لا تعيش إلا في هزيمتها المطلقة، بالإضافة إلى ذلك، تبدو وكأنها مسحوقة بفعل <<السلطة>> التي يمثلها هنا (علي حسن). الشخصيات الوحيدة التي تعيش حياة مترفة هي التي ترتبط بهذه السلطة. إلى أي حد تحاولين الإمساك بآليات الخطاب السياسي وما نتج عنه؟ ما الذي دفعك إلى التطرق إلى هكذا موضوع؟

 

-أيضاً لا أوافقك الرأي تماماً، فكل الشخصيات تعيش هزيمتها المنفردة، وبطريقة ما كان حيدر العلي، الشكل الأكثر بياضاً للهزيمة، لكن علي حسن مهزوم بطريقة ما. الديكتاتور مهزوم ووحيد، لأنه لا يرتوي من انتفاخ ذاته، وكل ما فعله علي حسن لم يجعله يشعر بانتصار محكم وحقيقي على حيدر العلي، حتى بعد أن سلبه حبه الوحيد، وسلطته، وانتماءه الطبقي، هذا بالنظر إلى المسألة عبر بعدها التراجيدي، ولكن من بعد آخر، أوافقك الرأي. كل الشخصيات الرافضة الدخول في آلية الحكم والسلطة، عاشت مسحوقة على المستوى الإنساني. وحقيقة لم أفكر إن كنت سأمسك بآليات خطاب سياسي، كنت أكتب مدفوعة بحساسية ما، لم تكن جاهزة في عقلي أبداً قبل بداية الرواية، هذه الحساسية التي أسميها قلب الإبداع، والتي لا أستطيع شرحها لأنها تشبه السحر والجنون، وربما تلك الحساسية التي جعلتني أتطرق إلى هكذا موضوعات مدفوعة بيأس قاتل اللهاث وراء حس مضن بالعدالة التي أفتقدها في هذا المكان.

 

ضمير الراوي

تبدو روايتك وكأنها تقع في قسمين، القسم الأول الذي تروين فيه هذه العلاقة المتشابكة بين مختلف شخصيات النص، أما الثاني، فيبدو وكأنه يتلخص في <<المونولوغ>>، أو لنقل في الأوراق التي كتبها حيدر العلي والتي تقرأها رهام، وتكشف شيئاً عن هذا <<الموت>> الداخلي الذي كان يعيشه. من هنا أحب أن أسأل عن سبب لجوئك إلى هذه التقنية؟ لماذا؟

 

-وقعت في حيرة وأنا أكتب، من جهة تبدو شخصية حيدر بحاجة لضمير راو متكلم، ومن جهة أخرى تبدو الشخصيات الأخرى بحاجة لراوٍ كلي المعرفة <<يوازي الله>> وكانت أوراق حيدر الحميمية بحاجة إلى ذلك النزوع الفرداني، ففكرت بشطر الرواية إلى قسمين. وقلت في نفسي سأحاول شكلاً مختلفاً، وهكذا كان. أنا مقتنعة بأن كل النصوص التي كتبتها وسأكتبها هي محاولات وتجريب.

 

ثمة أسباب تبقى غامضة بعض الشيء، ولا نفهم حقيقتها من مثل: هل رهام كانت ابنة حيدر العلي أم أنها ابنة علي حسن؟ هل مات حيدر فعلا أم اختفى مع <<دلا>>، كما بعض النقاط الأخرى والمتعددة. ما السبب الذي جعلك تبقين هذه النهايات مفتوحة على الكثير من التأويلات والاحتمالات المتعددة؟

 

- النهايات المفتوحة، تشبه بارقة أمل في روحي على نهايات أكثر جمالاً من الحقيقة التي ربما لو كتبتها لابتعدت عن نصي قليلاً وانتهى غرامي معه، هذا في مستوى، وفي مستوى آخر حاولت الاشتغال في اختفاء حيدر ودلا على الموضوع الديني، وفرضية تقمص الأرواح، بالإضافة إلى أن النهايات المفتوحة لاختفاء الشخصيات تعادل: اختفاء الزمن الجميل الحالم.

 

من الوجوه الأخرى التي يمكن لنا أن نقرأ الرواية عبرها، هذا <<الصراع>> بين الريف والمدينة، وكأنك تُحمّلين حقاً مسؤولية انكسار المدينة العربية إلى أولئك الذي جاؤوها من الريف، وتحكموا فيها، من دون أن يملكوا حقا أبسط بديهيات الحس المديني؟ كيف تنظرين إلى هذه الإشكالية؟

 

-لا أحمل الناس الذين هربوا من الفاقة والعوز، نحو احتمالات عيش ممكن في المدينة، ولا أحمل المخدوعين الذين لهثوا وراء خوفهم من ذكريات عذاباتهم وقتلهم وتشريدهم وجوعهم على مر التاريخ الماضي، مسؤولية الانكسار، أنا أحمّل العسكر الذين خرجوا من تلك القرى مسؤولية إفساد أولئك الجوعى والمساكين وتحويلهم إلى أدوات سلطة لديهم، وكل ما نتج عن هذا الفساد والخراب هم وحدهم المسؤولون عنه.

 

هل نستطيع اعتبار روايتك وكأنها ابنة بيئتها؟ أي تحددين إطارها في مكان معين، هو أيضا المكان الذي ولدت فيه. ماذا تعني لك هذه العبارة: <<ابنة بيئتها>>؟ هل الفن، في النهاية، ليس سوى ابن بيئته؟

 

- بمعنى المكان فهي بنت بيئتها. ولدت في مدينة جبلة، مكان حدث الرواية، ولكني لم أحظ من تلك المدينة الرائعة الخانقة، إلا بالقليل من الزمن. ربما لا يمكنني أن أكتب عن مدينة دمشق بنفس الطريقة، مع أن الزمن الذي عشته في دمشق، أكثر من الزمن الذي عشته في جبلة، وحالياً أكتب رواية عن سيدة دمشقية <<مخملية>> ولا أعرف إن كنت أستطيع القول إن <<صلصال>> بنت بيئتها أكثر من الرواية الجديدة. لكن الفن في أحد وجوهه هو ابن بيئته. وهذا ليس بالضرورة قاعدة.

 

في الرواية إحالات على <<ثقافات>> أخرى، أقصد تستعيرين اقتباسات من دون كيشوت، من التوحيدي، من مصنفات دينية... بأي معنى تفسرين هذه <<الاتكاءات>> الحاضرة والتي تشكل نوعاً من <<هرب>> كي لا تقولي أنت ذلك؟

 

- هرب؟ في معنى آخر ساعدتني تلك الاقتباسات على تكوين شخصية حيدر في داخلي، قبل أن تخرج للقارئ، وجدتها ستساعد في إشهار عذاباته، لماذا لا تقول: مقاربة بدلاً من هرب بغض النظر إن كانت مقاربة ناجحة أم لا فالرواية كانت واضحة وشخصياتها واضحة ومفهومة، ولا حاجة إلى هرب كبير! لكن بالتأكيد أبعدتني تلك المقاربات عن المباشرة في الحديث عن الديكتاتور الجلاد والضحية.

(السفير)

*

 

 

الفصل الأخير من رواية "صلصال" لسمر يزبك

 

 

كان رجال علي حسن ينتشرون في كل مكان، باحثين عن فتاة بسيارة حمراء، طارت بسرعة مجنونة، من أمام البيت العتيق، مخلفة الدهشة والغبار. والأوامر الواضحة والصارمة من معلمهم جعلتهم يدسون أنوفهم حتى في فتحات مؤخراتهم، للبحث عن أي شيء، لايهم! عليهم البحث والشم، عليهم أن يدوروا حول أنفسهم، وأن يفتشوا حتى الهواء المارق أمامهم. كانت مهمتهم في الحياة تعتمد على قدرتهم في إطاعة الأوامر، دون التفكير والسؤال عما يفعلونه، وكيف، ولماذا. كان لا بدّ لهم من الارتجاف، وهم يتذكرون عيني معلمهم الغاضبتين، يطلب احضار رهام. لذلك عليهم اعادتها، لاغير. وأي أمر اخر لم يفكروا فيه، لأن الأوامر هي الأوامر، ولاعودة دون تنفيذها. والمؤلم في الأمر، ان طريدتهم هذه المرة كانت رهام، العارية الصدر التي تشبه نخلة بعيدة. رهام التي يتمنى كل منهم في أعماقه لو يبطحها أرضاً، ويغرف من أنوثتها، بعد أن بقيت امامهم لساعات طويلة، تقطر بالغواية، وهي ممدة في حزنها، تحرك أرنبة انفها الحمراء من البكاء.

 

تحول بحث كل منهم عنها إلى رغبة مزودجة من اللذة والخوف، فكانوا يتحركون كجرذان تفرٌّ وتنط من مكان إلى آخر، بحماسة وخفة. أحدهم يوقف السيارة، ويقطع الشارع عدة مرات، وهو يكز بعينيه، على كل حركة أمامه. وآخر يصعد التلة المشرفة على الطريق القديم، عله يلمح السيارة الحمراء. وثالث يقضم أصابعه، ويرمي ما في فمه بغضب، وهو يدوّر عينيه في كل الاتجاهات، ويكلم أحدا ما بتوجس. ثم يجتمعون، ويطيرون بسياراتهم ثانية، وعندما يتجاوزون المنطقة التي رصدوها، يخففون السرعة، ويعودون إلى القفز والرصد والدوران. ولقد لمحوا ضوءاً بالقرب من مجموعة بيوت بلاستيكية مهجورة، وتحت شجرات الزنزلخت العملاقة، المحصورة بين سكة القطار وطريق الاوتستراد الذي شقته الحكومة منذ سنوات، وأخذت معه أفضل الأراضي الزراعية على الساحل. كان ضوءاً خافتاً. واختلف الرجال فيما بينهم حول ما اذا كان من الضروري أن يضيعوا وقتهم في الدخول إلى الطريق الترابي المملوء بالحفر. الأغلب أن هذا الضوء يخص أحد البيوت الكثيرة المترامية، لعائلات المزارعين الفقراء الذين قدموا من الجبال الساحلية، وعملوا بالأجرة عند أصحاب البيوت الزراعية البلاستيكية. تجاوزوه، وهم على يقين أن ما فعلوه هو الصحيح. وهو ما اعطى رهام وقتاً اضافياً، لتقرأ في الأوراق الصفراء، مزيداً من الوجع الذي كانت تبحث عنه، والذي لم تجده حتى تلك اللحظة. كانت تتساءل: أين ستظهر؟ أين ستكون؟ ولماذا لم يذكرها حيدر في أوراقه التي لم تفهم منها الشيء الكثير. كانت تقلب الصفحات، ودموعها تسبقها، واصابعها ترتجف وهي تنتقل من ورقة إلى أخرى. كانت تجد بعض الأوراق ممزقة أحيانا، فتلعن حياتها، وتهدأ قليلا، ثم تشعل سيجارتها وتعاود القراءة الصعبة.

 

عند عودتهم من الجهة المعاكسة، اصر أحد رجال علي حسن على التوجه إلى الضوء، لأنهم اذا لم يعودوا بالمرأة فسيقتلهم المعلّم، وهو لا يزال يشعر أن الحياة بانتظاره. تركوا سياراتهم على زاوية الطريق، ونزلوا قافزين فوق الحاجز الفاصل بين الاتجاهين المتعاكسين للأوتوستراد. كانوا أربعة، يتسربون بهدوء فوق التراب. وعندما دنوا، أيقنوا ان هذا الضوء ليس سوى ضوء سيارة. وهذا ما أفرح قلوبهم. كانت رهام تنفث دخان سيجارتها، وتقرأ جملتها الأخيرة، وتعيد قراءتها، بصوت هامس مخنوق، ومبحوح: أنا أخر صلصال يموت من عناصره وتكوينه.

 

كانت ترميها إلى جانبها لتقرأ صفحة جديدة بعينين باكيتين، عندما فُتحت أبواب سيارتها، وانقض عليها اربعة رجال غرباء. وجدت نفسها فجأة خارج السيارة، والرجال يحيطونها ويكممون فمها بقماش كريه المذاق. احتضنت باقي الأوراق إلى صدرها. كانوا يلتفون حولها، ملتصقين بجسدها بطريقة جعلتها تشعر أنّها ستذوب بين أيديهم. كان كل منهم يحاول احاطتها، محاولاً التدثر بفضيحة جسدها، ملتذين بالتواطؤ الذي وجدوا أنفسهم فيه. المرأة المستحيلة، البرج العالي، المرأة التي لم تولهم يوما التفاتة، لم تنتبه لوجودهم وكانت ترن مع ضحكاتها أمامهم، غير مبالية، وكأنهم حشرات صغيرة. والإنثناءات التي اعتادوها كلما خطرت أمامهم، تتلاشى، وتصبح بمتناول لمسهم. اللمس المؤقت، ولكن الباعث على لذة جعلت أحدهم يفرك نفسه بها حتى تدفق سائله المنوي تحت بنطاله، وهو يقبض على صدرها الباذخ بيديه. كانوا في غمرة من الغيبوبة عما أمرهم به علي حسن، لولا الصرخة التي اطلقها أشدهم اخلاصاً، وهو يسبهم:

 

- يا أولاد الكلبة! والله سيخفينا علي حسن عن وجه الدنيا! خذوها إلى السيارة.

 

عندها فقط، وفي تلك اللحظة استفاقوا من حلمهم، وانتبهوا إلى انهم في مهمة رسمية، وليسوا في احدى الكباريهات التي اعتادوا ارتيادها، منذ ان تركوا قراهم، وتطوعوا للعمل تحت إمرة علي حسن، وتحولوا إلى أمراء حقيقيين، كما قالت عنهم دلاّ، قبل دخولها غرفة حيدر للمرة الأخيرة:

 

- كلب الأمير، أمير!

 

 

عندما وصل الرجال إلى القبو، كان علي حسن يدور حول نفسه كثور، مقطعاً أفكاره إلى نتف صغيرة، محاولاً استرجاع ما حدث. أين حيدر الآن؟ وماذا حل بدلاّ الجنية التي كرهها طول عمره؟هل تواطأا معا كما حدث دائماً في القرية، عندما كانا يختبئان في الأحراش، ويقضي ساعات يبحث عنهما، دون جدوى، حتى يعود آخر المساء إلى بيته جائعاً، خائر القوى، تنتشر على جسده بقع الوحل والطين، وتتبخر حبات العرق على مسام جلده من غليانه؟ كان يدور من حائط بلوري إلى آخر، محاولاً ابتلاع شفتيه، محدقاً في شكله المتعدد في المرايا، صارخاً:

 

- أنا من كان، وأنا من سيبقى! أخيراً راح. .. راح إلى غير رجعة!

 

يتوقف عن الكلام، ويحدق في جبهته، ويرفع يديه عالياً في الهواء، ثم ينزل بيده اليمنى على جبينه بدعة وأناة. كان المكان صامتاً أكثر من اللازم. ونسي، في برهة وجيزة، أنه غّلف قبوه بالاسفنج والخشب والمرايا، وكل صراخه على الرجال لن يجدي نفعاً لأنهم كانوا يفضلون البقاء عدة أيام، منتظرين رنين جرس معلمهم المعتاد، على النزول اليه ليخبروه أن رهام معهم، فاقدة الوعي، وبالكاد تتنفس.

 

حاول أن يجد مبررا لما حدث، فلم يستطع حتى التخمين. وأكثر ما أزعجه أن ينقبض لموت حيدر، ثم يهلع لفكرة الاختفاء اللعين. هل يستطيع كائن فوق الأرض خداعه؟ إنه علي حسن وليس غيره، ولن يكون بمقدور انسان أن يلتف عليه. لقد روض بلاداً بأكملها، ولن تستطيع امرأة الوقوف بوجهه. كان يعتقد أن رهام وراء ما حدث، ويحاول اقناع نفسه بأنها ابنة حيدر العلي، ابنة السلالة التي عاملتهم دائما كعبيد عندها، وليست ابنة رجل عظيم مثل علي حسن، وقف يوما ما بوجه القدر، وصنع مجده الوحيد. إنه الواحد فقط، أبدا لن يتكرر. ذريته كلها لن تحمل في صلبها رجلا مثله، لأنه لن يتكرر. اقتر ب اكثر من المرآة، مرآة بحجم مرآة حيدر. وقف بثبات، كما كان يقف أمام مرؤوسيه، عندما كان ضابطاً صغيراً في الجيش. وضع يده تحت إبطه وضحك، كما يظنّ أن العظماء يفعلون، ثم استدار محاولاً التركيز على صورة ما، صورة مرت أمامه منذ الساعات العشر الأخيرة، عله يجد مفتاحا لمشكلته. لكنه لم يعثر فيما حدث على ما يوحي برغبة حيدر بالهرب من البلاد. ولماذا يهرب الآن؟ وما الذي يريده من هربه هذا؟ هل يحمل وثائق ضده؟ هل جمع شيئا حوله، وسيقوم بتسريبه لجهة ما؟ ولكن كيف سيهرب؟ أخذ يضرب على رأسه.كيف سيهرب، وقد باع كل ما يملكه والده من أراضٍ، بعد أن ترك دمشق، وأرسل ثمنها إلى سحر؟ هل عرف شيئا ما؟ هل عاودته نوبات جنونه التي، حسب ما أخبرته سحر، جعلته يتردد إلى مصح نفسي في بيروت بين وقت وآخر؟ لكنه لم يفعلها منذ ثلاثين سنة. هل يتواطأ مع رهام، ضده؟ لكنه لن يجرؤ، فهو فأر! صرخ علي حسن بصوت عال أمام المرآة:

 

- فأر!

 

عندما سمع كلمة فأر، أحس بسعادة. تذكر أنه وبقبلة واحدة حوّل سحر النصور، جميلة الجميلات، إلى عاشقة ملتهبة، وجعلها تهجر حيدر الذي كان يحصل على كل شيء بسهولة.

 

انتفخت وجنتاه، واحمرت خدوده، وراح يمسد شاربيه. كانت الفودكا قد بدأت ترخي عضلاته، كأساً وراء أخرى. ونسي في لحظة أنه لايجوز له، حتى بينه،وبين نفسه، وفي قبوه السري، التمايل كالفتيات. كان هذا ما حدث وهو يناجي سحر، ويقلد حركاتها وانثناءاتها كعجوز متصابية، بعد ان انتفخ باللذة، وهو يعود بذاكرته إلى تلك القبلة القاتلة. لكنه فجأة قلص من حركة خديه، وانثنى على نفسه، كأفعى، وصار يعصر بطنه، وهو يشد على نفسه متألماً. معدته ثانية، تخذله. كان على وشك الصراخ عندما اصطدم بشكله المترنح في المرايا، فتوقف قليلاً مطأطئ الرأس، وحملق في عينيه الجاحظتين المحمرتين. شعر أنه تلقى صفعة على وجهه، فضرب بكفه على خده. استقام ثانية أمام المرآة، كأنه استفاق من كابوس، وكور قبضته، وسددها نحو المرآة. لم تنكسر، فارتد إلى الوراء، ثم سقط أرضا. كان يريد التأكد من وجوده، وأنه ليس خيالا وسط الخيالات التي تراقصت أمامه. صارت تتراءى له صور حيدر في المرايا. قام مرة أخرى، واتجه بقبضته المكورة نحو مرآة أخرى، وهوى بقبضته على سطحها. خرّ ساقطاً على الأرض، وصار يدور برأسه حول المرايا. كان حيدر يهرب من مكان إلى آخر، واقفاً بهدوء يدخن غليونه، محدقاً بعيني علي حسن الذي استقام في مكانه، وضحك بصوت عال وصرخ:

 

- هل عدت ثانية؟

 

وقف قبالة حيدر المرتخي، الثابت بهدوء. اقترب أكثر. ارتمى عليه، فتبخر. دار حول نفسه:

 

- اخرج ياجبان... اخرج!

 

خرج حيدر من رفوف زجاجات النبيذ، واتكأ بمرفقيه على الحواف الخشبية التي صارت تهتز مع الزجاجات.

 

ما يمكن أن تُوصف به تلك اللحظة، صعب على القول. وما كان يحدث، صعب على التفسير. كان يريد الهروب من الخيالات. وتمنى لو تختفي صور حيدر العلي، المختلطة المنتشرة في كل مكان. وصار يدور حول نفسه، يبعثر ويبعد ما بين يديه، كأنه يصد عنه هجوما ما. كان مغمض العينين، أسيراً للأطياف، حين انحنى على ركبتيه، وكاد أن يقع في جرف نهري، لولا اليد التي امسكت به، وحملته إلى الأعلى.

 

المشهد يكبر. يحتل ما تبقى من مساحة عقله. حيدر يمسك كيس التبن ويرفعه، ويطمئنه أن مكروها لن يحدث له. اليد نفسها تتحول إلى يد أخرى، بضّة وناعمة وقاتلة. يد تتلمس بهدوء صدره، وتنزل أسفل فخذيه، وتغرقه بجحيم نار لاينتهي منها. تخرج من منتصف اليد عينا سحر النصور النّديتان، عينان تنطفئان، وتختفيان. وتعود اليد البضة، تبحث في جسده عن النار.

 

النار تحرقه.

 

تهشم قلبه.

 

يريد أن ينسى من هو. يريد أن يعود ذلك الولد المتأرجح على ضفة النهر، يعفر وجهه برائحة الأعشاب والطين. يريد أن يصرخ: كم أحبك يا حيدر! كم أكرهك!

 

يريد أن يبكي على صديقه، يريد أن يصرخ، ويطلب منه أن مسامحته على كل شيء.

 

كان يريد كل ذلك. لكن علي حسن، صاحب البزة العسكرية، خنقه ورماه أمام مرآته من جديد، قائلا: لاتكن ضعيفاً! أنت الحديد، وهو التراب. أنت القادم، وهو الماضي. أنت الواحد، الذي حولت الزمن، والأشياء إلى لعبة في يديك. أنت من كان طول هذه السنين، وأنت من سيبقى.

 

صرخ علي حسن عالياً. أخيراً خرجت صرخته مع نشيجه العالي:

 

- لكنه مات! مات، وأنا قتلته ببطء!

 

انهار على الأرض، باكيا بحرقة. ارتاح عندما نطق بجملته، وكأن جبلا انزاح عن قلبه. ضرب المرآة من جديد: وأنا بقيت. لاتكن ضعيفا. البكاء للضعفاء. ارم قلبك للكلاب...

 

ابتسم بهدوء، ودموعه تنزل فوق خديه. اتسعت ابتسامته، وأخذ يضحك. صار يقهقه، ويلتفت حول نفسه، مقلداً حركته المعتادة التي حفظها عن رسم عَشِقَه ذات يوم، يصوّر نابليون بونابرت.

 

انحنى على نفسه من جديد، يطوي صوت خافت من الألم. صار يدق بقدمه على الأرض، بشدة وعصبية، ويدخل في المرايا، ثم يسقط على الأرض، وينهض من جديد. وقف على الدرج، محاولاً الصعود، وهو يصرخ. تعثر ووقع. صرخ كثيرا، لكن أحدا لم يسمعه. وحتى لو سمعوه فلم يكن ليتجرأ احدهم على النزول اليه، دون أن يفتح الباب بنفسه. كان يحس بثقل غريب، لايعرف مصدره. اليوم سينتهي كل شيء، وسيعود كما كان من قبل. سيطلع الصباح، وتكون الأمور مختلفة. ينتهي حيدر ورهام، ويكون هو الباقي الوحيد. هو وسحر النصور، دويخة عمره. حبيبته المسترخية الآن بسلام، في فندق انكليزي هادئ.

 

حاول النهوض مجددا، وتسلق بضع درجات، حتى وصل الباب، ثم سقط على الأرض. لكنه استطاع أن يفتحه، ويأذن للرجال بالدخول. كان أكثرهم إخلاصاً يشهق وهو يحمل سيده المرمي على الأرض، هابطا به الدرجات رغم ثقله، وعلي حسن يتمتم بكلام غريب.

 

كانت المرة الأولى التي يرى فيها رجال علي حسن معلمهم يتصرف على هذا النحو. كانوا يعتقدون أنه كائن خارق، لايضعف ولايبكي، ولا يطأطئ رأسه. والأهم من هذا كله، أنه خارج حدود البشر. وتساءلوا مرات فيما بينهم، اذا كان بامكان امرأة اخرى على وجه الأرض أن تأتي برجل جبار مثله. لذلك كانوا فاغري الأفواه، وهم يرون علي حسن شبه مغمى عليه. فصاروا يتمتمون فيما بينهم بغرابة. وعندما تعالت تمتماتهم، فتح علي حسن عينيه، ونظر في وجوههم بحدة، فتيبسوا صامتين:

 

- يا أولاد الكلب!

 

وقف على رجليه بصعوبة. سأل عن رهام، فصعد أحدهم الدرج بسرعة، وعاد حاملاً رهام على ظهره، ووقف أمام معلّمه. صبّ علي حسن الفودكا، وأضاف إليها عصير الكريفون المفضل لديه، وألقى بكأسه دفعة واحدة في جوفه. كان ينظر إلى رهام باسترخاء، وهو يؤكد لنفسه أنها ليست ابنته، وأنها كانت عشيقة ابنه، وفي وسعه أن يتباهى بالأمر. هذه البنت ليست ابنته، مجرد امرأة تحمل تحت جلدها دم حيدر العلي، وسيكون سعيداً عندما ينتهي من هذه السلالة الآن، والى الأبد. صاح برجاله:

 

- اتركوها هنا.

 

كان الرجال مذهولين، ولم يحركوا ساكناً، وهم ينظرون حولهم. أين سيضعون الصبية. عاد لصراخه:

 

- اتركوها على الأرض، واخرجوا.

 

ارتجفوا، وقفوا محملقين بوجهه، غير مصدقين ما يقوله. كانوا أربعة، مخلصين له لأكثر من عشرين سنة، وقادرين بفعل التدريب والغريزة على فهم تصرفات معلمهم. لكن الأمور اليوم مشوشة، ولم يفهموا ما حدث. خرجوا تباعا، وتركوا رهام مرمية على أرض القبو، مقيدة اليدين، وتلف حول صدرها مجموعة من الأوراق العتيقة التي تبدو كأنها خارجة من حاوية قمامة.

 

أغلق آخرهم باب القبو، وهو يحملق في معلمه، مقتنعا أن الأمور لم تعد كما كانت عليه من قبل. هو، الأكثر اخلاصا لعلي حسن، بات على وشك التأكد أن الزمن اختلف حتى يحدث ما يحدث، ويضعف هذا الرجل إلى هذا الحد. وهذا الرجل الذي اعتقد حارسه أنه يضعف، كان يدقق في قسمات رهام، محاولا أن يجد شيئا ما يغير به صواب قلبه. إنها اللعنة التي لم تتركه. انحنى على رهام، وتأمل وجهها الغارق في السبات. كان تنفسها غريباً. ولمح، ولأول مرة، صورة سحر النصور. ولاحظ بدهشة الشبه العجيب بين رهام وسحر، وتساءل كيف لم ينتبه إلى الشبه طوال السنوات الماضية. أقر أن ابنه كان محقاً في التعلق بهذه المرأة. لكنه ابتعد عنها كالملسوع، وهو يتمتم: من المستحيل أن تكون هذه الشيطانة ابنته. من الصعب جداً، وإلاّ فما معنى الغواية التي تلفه بها؟

 

ابتعد عنها، وهو يفكر بما سيفعله بها. ستفيق بعد قليل. وسيكون عليه استجوابها عن مكان حيدر. كان مقتنعا تماما أنها وراء اختفائه، فقد كان على علم بعلاقاتها مع العديد من المتنفذين في البلد. وفكر أنه...

 

لكن، لماذا تخفي حيدر؟

 

إنه ميت... ميت!

 

كان يردد بينه وبين نفسه، وعقله الدائخ يحاول سباق الوقت من أجل سفره إلى لندن، حيث جنته وحبه الوحيد تنتظره على أصابع من الجمر.

 

رجع إلى رهام، وانتبه إلى الأوراق الغريبة. قفز، وانفتحت دروب في روحه. ربما يفهم ما يجري. فك وثاق رهام، ولملم الأوراق، وأخذ الظرف الأصفر، واتجه إلى مكتبه. صب لنفسه كأساً من الفودكا، ناسياً إضافة عصيره المفضل، ثم تطلع إلى صوره المختلطة في المرايا. وبهدوء ثقيل القى على رهام نظرة برود، وبدأ يقرأ الأوراق المهترئة، على ضوء شمعدانه الفيكتوري.

 

كان الصمت مفرطاً.

 

رهام تغط في سباتها.

 

والرجال يبتعدون عن بوابة القبو، واثقين أن اليوم انتهى بسلام.

 

(نقلاً عن موقع "الثرى")

*

 

 

مركز (حريات) ينبه لما تتعرض له سمر يزبك من مضايقات بسبب روايتها (صلصال)

تقارير: انتهاكات حرية التعبير :: بقلم حريات بتاريخ 11/6/2005

حين ينتج مبدع عملا أدبيا ، فإنه يستعير من الواقع ، ويستند إلى أحداث مأخوذة منه ، لكن واقعه المتخيل وأحداثه الداخلة فيه لا يكونان بأي حال صورة عن الواقع وأحداثه ، وإلا افتقر العمل إلى الإبداع ،الذي يدخل الواقع وأحداثه في مصفاة المبدع الذاتية ، لتصنع منه واقعا مختلفا، صلبا إلى حد أننا قد نخاله الواقع الأصلي ذاته، خاصة عندما تبدو بعض شخوصه ملموسة ومشخصة ، ونظن أننا نستطيع لمسها أو الإمساك بها ، وأنه سبق لنا أن عرفناها وعايشناها .

ثمة إذن ، واقع روائي متخيل ، ينهض في موازاة الواقع الخارجي، الذي نعيشه. لكنه لا ينطبق عليه ولا يتفق معه بحال من الأحوال، وإلا فقد خصوصيته الروائية، وجاء واقعا متناقضا كالواقع الموضوعي، بينما الأصل في الواقع الروائي أن يكون منسجما وملتحما ومتماسكا وخطي التوجه، يبدأ مع كلمة الرواية الأولى ولا ينتهي مع كلمتها الأخيرة، بسبب ما يحدثه من تفاعل داخل ذات المتلقي، يستمر بعد نهاية القراءة ، إذا كان النص إبداعيا بحق .

وكانت الروائية والأديبة سمر يزبك قد نشرت رواية بعنوان" صلصال " ، تمتع كل من قرأها بغنى وثراء واقعها المتخيل، الذي لا شك في أنه اتكأ على مفردات من الواقع الذي عاشته، إلا أنه ليس هو، كما أنه شخوصه ليست شخوص الواقع، حتى إذا كان هناك أوجه شبه جزئية ومحدودة بينها وبين هذا الشخص أو ذاك من الأشخاص الذين عرفتهم . وقد شهد من قرؤوا الرواية بصدقها وقدرتها على السرد والنسج الخلاق . لكن الصدق والقدرة تحولا إلى مشكلة بالنسبة إلى الروائية ، التي أخذت تتلقى في الأيام الأخيرة اتصالات هاتفية مهينة ، مليئة بالسباب والشتائم، يوجهها إليها أشخاص يزعمون أن الرواية استهدفتهم، تحملتها بصمت أول الأمر، ثم أثارت قلقها حين اكتشفت أن أشخاصا تجهل هويتهم اقتحموا بيتها وعبثوا بمحتوياته، ربما لتذكيرها بيدهم الطويلة ، وبأن عليها أخذ تهديداتهم وسبابهم على محمل الجد .

ماذا يفعل المرء ، عندما يدفع الخلط بين الحقيقة والخيال بعض الناس إلى اقتراف خطأ قد لا يمكن إصلاحه ضد من أبدع واقعا روائيا خال هؤلاء إنه واقعهم الشخصي ؟ وكيف نحمي الإبداع في أجواء تجعله فعلا مدانا ، وعملا جرميا ، يرد عليه بالعنف الكلامي والشتائم البذيئة اليوم ، وربما بالاعتداء الجسدي غدا ؟.

تواصل سمر يزبك حياتها العادية، لكن يبدو أن حياتها وحياتنا لن تكون عادية وآمنة حقا ، إذا لم يتكاتف المبدعون ويتضامنوا، وتوجد جهة مجتمعية أو رسمية تحمي المبدع وتحفظ كرامته، ضد من يتوهم أنه كان يعنيه شخصيا، حين كتب رواية تصور عالما بأكمله !

هل سيسمع المبدعون هذا النداء ، وهل ستضع جهة رسمية ما حدا لقلق روائية مبدعة تجد نفسها في مواجهة أشباح ، وتخشى، ونخشى معها، أن ينتقلوا من الأقوال البذيئة إلى الأفعال المؤذية !

 

المركز الوطني للدفاع عن حرية الصحافة والصحافيين في سورية (حريات)

 

للتعليق على هذا الموضوع