Middle East Transparent

19 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

ثقافة الاستعلاء والرفض تقاوم الحداثة والمدنية
صبري سعيد*

لعل ما يحدث على الساحة الدولية منذ عامين بعد إعلان أمريكا عن معركة طويلة الأجل من أجل مكافحة الارهاب والتي شاءت الظروف أن تكون دولة كأفغانستان هي محور هذه المعارك لما لها من تاريخ طويل مع إعلاء نعرة الماضوية واتخاذ موقف مباشر من العالم سواء بدوله المدنية الحديثة أم بمؤسسات سواء السياسة أم الاقتصادية أم حتي الإنسانية.. كما واكب ذلك أيضا إجراءات سياسية أمريكية -في المقام الأول - بتحالفات شبه دولية ـ بإكمال مسيرة هذه المعركة بعد دخول القوات الأمريكية دولة أخرى وهي العراق مارس نظامها السياسي والعسكرى إرهابه على مواطنيه ودوله المجاورة أقول لعل ما يحدث الأن دوليا بشأن ترسيخ ثقافة الرفض والمقاومة العراق نموذجاً يطرح العديد من الاستكشافات تتمثل في أن هذه المقاومة تدّعي أنها بدافع وطنية وتدافع عن خصوصية واستقلال مجتمعاتها ضد العولمة والهيمنة التي تمارسها لولايات المتحدة، ولم تدرك هذه الثقافة أن ما يحدث يدل ضمن ما يدل على أن العولمة لم تكن مثلما يردد أصحاب التوجهات الإيديولوجية الواحدية أنها فقط هيمنة أو محاولة لسيطرة الأقوياء على الضعفاء.. وإنما هو طور حضارى معرفي. وهذا ما يفرض علينا أن نحاول قراءة الأحداث الجارية على الساحة الدولية - أفغانستان والعراق محورا - من خلال هذه المنظومة. فلم تفهم العديد من الدول أنه يجب عليها أن تضع في اعتبارها حقوق الفرد واستشارة المجموعات ذات الهوية المشتركة في كل منطقة من مناطق أراضيها . كما أن عليها أن تجري المشاورات قبل الاتفاق معا على تنسيق سياساتها وتحركاتها. فقد أصبحت في دولة عالم التفاعلات والمصالح المشتركة والتأثيرات المزدوجة، المشاورات ملازمة لعمليات اتخاذ القرارات المتسمة أصلا بتعقدها . وهذا ما تجاوزته حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان والنظام العراقي السابق.

ولم تتفهم العديد من الدول التي أخذت موقفا من العولمة ومن قبلها موقفا من الحداثة ومن قبلها موقفا من الديمقراطية ومن قبلها أرست معايير الفاشية والاستبداد على كافة الأصعدة ـ أفغانستان والعراق مثلا ـ وإحلال كل ما هو أيديولوجي بديلا عن كل ما هو سياسي ، وكل ما هو مدولن ( أى خاضع للدولة ) على كل ما هو مدني ، أقول لم تتفهم هذه الدول أن الزمن المعرفي يتسارع وأن الرجعية التي تسكن الأدمغة ستطال الأجساد وتذيبها بلا ثمن سوي الهزيمة الساحقة للأفكار المضللة والأوهام التاريخية .وبالتالي ستتساقط كافة قيم الاستعلاءات الماضوية القائمة على تابوهات غير مضمونة وغير حقيقية ، اصابها السكون نتيجة ضلالتها لفهمها لنفسها وللآخر ولم تدرك هذه الدول ما حدث في أفغانستان والعراق. ولم تفهم هذه الدول وتلك المجتمعات أن العولمة بمعرفيتها وإنجازاتها وأن الحداثة بتطوراتها وإنسانيتها وأن الديمقراطية بآلياتها التي تحترم الإنسان ككائن سياسي ومن قبلها إنساني، هي حالة، والاستعمار حالة أخرى ، فإذا كانت هذه الدول قد دافعت عن ضلالاتها ضد ما كان يسمي بالاستعمار فقد أن الأوان أن تدافع عن قيم المدنية الحديثة ضد تابوهات القداسة والعذرية غير المجدية وغير الحقيقة.

إن رفض فكرة الاستعمار كتاريخ وحدث وواقع من قبل يبدو وكأنه كان رفضا مرده فقدان الثقة في التفاعل ، رغم شعار الطوباوية ، إلا أنه أيضا كان يؤكد مدي الرجعية التي كانت تسكن هذه الدعوات.

ولنعد إلى الحدث الأهم في القرن الجديد، قرن العولمة المعرفية والأثمان الكبرى للتحديات الهائلة والأسئلة الجمة التي تبحث عن إجابات ما زالت داخل أدمغة المجموع البشرى إذا أتيحت له المشاركة. لم يتفهم العديد ممن تصوروا أن العولمة مجرد هيمنة وسيطرة الرأسمالية وقوى التكنولوجيا وقوى السلاح النووي وقوى عسكرة الفضاء وقوى اللوبيات " جمع لوبى" وقوى الهيمنة ، أن العولمة عملية مكثفة الانتقال أو تبادل للأشياء والمعارف والمصالح والتحديات . وبهذا المفهوم تعني أن عملية تغيير تنبع عند مستوى الوحدة . وهكذا تتضمن العولمة انتقال عمليات تبادل عبر الحدود القائمة بين الوحدات وكذلك بين الوحدات والنظام، وبهذا التفسير يقوم مفهوم العولمة على أساس الإمكانات الهيكلية المتاحة لهذا المفهوم .

ومن هنا فهي امتداد طبيعي لمفاهيم التدويل والاعتماد المتبادل. وعليه فإن هذا المفهوم هو ما يفسر ما يحدث على صعيد شعار مكافحة الإرهاب ومقرطة الدول الاستبدادية وهو ما يمثل مجرد خطوة صغيرة أبعد قليلا عن مجرد التبادل أو الحركة المكثفة عبر حدود الوحدات المختلفة. وإنما كان اختبارا حقيقيا كما سيكون اختيارا واقعيا لمدي قدرة هذه المفاهيم على الصمود أمام قوى الظلام والرجعية والانغلاق تحت ما يسمى الحفاظ على الأصل والعرق . فرغم قناعتنا بوجود ما يسمي الثقافات المتمايزة والبني الإدراكيةفي مختلف المواقع لكل مجتمع أو دولة أو مجموعة من البشر .. إلا أن معركة " مكافحة الإرهاب " وإحلال الحداثة ومقرطة النظم الإستعلائية ستتضمن تفسيرا للمصالح المشتركة والتأثيرات المتبادلة وستتميز النظريات المبكرة والمحدثة حول الاعتماد المتبادل الذي يدل على وضعيات تتميز بالتأثيرات المتبادلة بين الدول أو بين عوالم ذات فاعلية في مختلف البلاد .

كما أن معركة " محاربة الإرهاب وإحلال الحداثة ومقرطة الدول " هذه من المفترض أن تكون حصيلتها الأساسية للاعتماد المتبادل المركب هي أنها تدفع قواعد التفاعل المتبادل بين الدول بعيدا عن الاهتمام التقليدي بالأمن الخاص ، الذي يكاد لا يفعل شيئا لتغيير التراتب السياسي في الأنظمة والوحدات.

وعلى دول العالم القديم أن تعي أن عالم اليوم هو عالم مكون من دول تعتمد اعتماد متبادلا فيما بينها يمكن أن يكون مختلفا عن عالم مكون من دول مستغلة استغلالا تاما ، مثلما يقال إنه كان سابقا. إن كان مثل هذا العالم قد وجد أصلا.

من هنا فلماذا يتم التشدق بأفكار ما قبل دولة الحداثة ، دولة الطائفة والعشيرة والقبيلة ، دولة معسكرات التجميع ؟ لماذا نتصور أن حربا ضد مكافحة الإرهاب ونقل الدول الاستبدادية إلى دول الحداثة والمدنية وإعمال العقل ، ستنال من خصوصية استقلال الدول التي هي أصلا غير مستقلة ومستعبدة إما بتخلفها أو ديونها أو أزماتها السياسية أو الاجتماعية ، أو حتي فساد مؤسساتها وحاكميها ، وصراعات الفضاء الوهمية.

ماذا يضير الشعوب التي تدعي الخلاص من مشاركتها في إحلال الحداثة ، أتصور أن السبب الوحيد لهذا الرفض وهذا التشدق أن هذا الإرهاب وهذا الاستبداد والانغلاق وترسيخ ثقافة المقاومة والرفض هي المعادل الموضوعي للأخطار الخارجية ، الذي بدوره يعطي ويمنح المشروعية لأنظمة عاشت فسادا وبلا مشروعية ولا أركان حقيقية لنظم الحكم ، فهذا الإرهاب والاستبداد هما اللذان يمنحان أنظمة هذه الدول مشروعية استمرارها وفسادها ، ولكن يتم ذلك عبر شعار التشدق بالوطنية والأمن والخصوصية واللاتدخل واللاهيمنة ، لتعصف بقيم الحداثة والمدنية والديمقراطية والسلام الاجتماعي واكتشاف الأخر ومحاورته وقبوله ، ليحل محلها الاستعلاء الماضوي القائم على أصالة الرفض لكافة قوي الهيمنة ، وكأن مكافحة التخلف وضرب قوي الظلام والشر هي مقومات الهيمنة ، وأن قيم الاستعلاء بما لا تملك والتشدق بالضلالات دون ما تفصح عما تفعله بالفعل ، هو الوطنية بعينها مؤكدة ما قاله ديستوفسكي " الوطنية هي الملاذ الأخيرة للسفلة ".

إلا أن ما يحدث الآن في العراق وفلسطين مع تفعيل قوي الإرهاب هو دلالة لما ستكون عليه العديد من دول الاتجاهات التي تسمح بتحويل المراهقين إلى قنابل بشرية لنحر أنفسهم ومجتمعهم قبل عدوهم ، إن كان موجودا ، فأعداؤهم ليسوا بدولة ولا أمة ولا قوى سياسية ولا اقتصادية ، بل أن ألد أعداء مثل هذه الدول هي المعرفة والإنسانية ، والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية والتسامح الفكري والإنساني وقبول الآخر .

يبدو أن الأمل ضئيل ويكاد يكون منعدما في أن يتعلم من جعلت منهم غريزة الموت هي السائدة وهي المرغوبة.

* كاتب مصري

 

للتعليق على هذا الموضوع