29 يناير 2006

 

الحقبة الإسلامية..

سعد صلاح خالص*

 

أختلف مع من اعتبر فوز حماس بالانتخابات الفلسطينية مفاجئا، كما اختلفت مع من اعتبر فوز كل من الائتلاف العراقي الموحد (الإسلامي الشيعي) والتوافق الوطني (الإسلامي السني) بالعراق على الآخرين جميعا (باستثناء الحالة الكردية الاستثنائية) كذلك. وبعد العراق وفلسطين والاكتساح الإخواني بمصر، والواقع السياسي في الأردن وما هو سائد في جنوب لبنان، وما يبدو قريبا في سوريا، وما يغلي في الصدور في ليبيا والجزائر وتونس والمغرب واليمن وحتى في الخليج، يبدو أن عصرا جديدا- قديما في العالم العربي قد بانت ملامحه.. عصر تأخر بضعة عقود لأسباب لوت عنق الواقع لصالح أوضاع استثنائية ومد قومي عسكري- يساري أفرزته صراعات الحرب الباردة والتحرر من الاستعمار.. عصر أنتج أنظمة قفزت فوق الواقع الشعبي محاولة التحديث والتغيير الفوقي غالبا باتجاه شكل فج من الاشتراكية في مجتمعات غير مؤهلة تعيش واقعيا عصر ما قبل الرأسمالية، فسقطت في فخ العشوائية والاستبداد والقمع والفساد، وفقدت بالتالي الحاضر والمستقبل بعد أن تهرأت الشعارات وفقدت بريقها ورصيدها الشعبي مع ظهور أجيال جديدة تطالب بالثمار بعد طول انتظار..

 

وقد يكون من المنطقي أن يستحوذ الإسلام السياسي على الساحة بعد عهد الاستعمار، وقد كانت القاعدة الشعبية آنذاك، في ضوء الثقافة السائدة ومستوى التعليم والعزلة عن العالم الخارجي، باستثناء بعض النخب ذات الصوت العالي، مستعدة تماما لقبوله، وكان سيأخذ فرصته الكاملة في الحكم وسيمارس ما نعرفه جميعا، ثم يتداعى كنظام يرفض التحديث والاندماج في العالم المتغير باستمرار، ثم يسقط أو قد يستمر بشكل أكثر حداثة وتطورا إذا تمكن من استيعاب حركة العصر التي لا ترحم، هذا إذا تمكن من إفراز نخب تدرك هذه الحركة وتمتلك الجرأة على تغيير الكثير من الثوابت الإيديولوجية السياسية المرتبطة بالدين (وليس الدين ذاته فلا حاجة لذلك). فالمعضلة في الإسلام السياسي وجمهوره هو الاختلاط غير الحميد بين الدين كعقيدة فكرية ذاتية أو جماعية، والسياسة بكل انتهازيتها وقذارتها، والتراث بكل ما شابه من خرافة وأقاصيص رمزية كانت أم واقعية، والتاريخ بكل تذبذبه بين الصعود والهبوط، وبالطبع سيادة الشمولية بسبب أحادية الرؤية ورفض الآخر.

 

وقد جرى تثقيف أجيال من المؤمنين على إن هذه الخلطة هي الدين ذاته، حتى تمكنت من إزاحة جوهر العقيدة والجلوس محلها، باستخدام الخوف والرهبة والاحترام الطبيعي الذي يكنه المؤمن لرجل الدين (وهي الأخرى وظيفة مستحدثة أفرزتها الحاجة الاجتماعية-السياسية)، فسلم له الزمام وترك له عقله وقلبه يفعل بهما ما يشاء رغم أن عصر الإسلام الأول حيث كانت القراءة والكتابة والتعلم حكرا على فئة محدودة من المجتمع قد ولى، وأصبحت المجتمعات قادرة على ان تقرأ وتتدبر النصوص وتميز الحق عن الباطل بدون وسائط في ضوء تقدم الفكر البشري وتطوره المستمر. إلا أن السياسيين أبوا الا أن يبقى هذا الوسيط بعد أن شكل فئة وسطية هامة ما بين الحكومة والشعب عبر مئات السنين في وظيفته أداة لتوظيف الوعي الشعبي وإدارته وفق المصلحة المشتركة بين الحاكم وهؤلاء. ولم تتخل أنظمة عهد ما بعد الاستعمار عن هذه الأداة، بعد أن أدركت إن مجتمعات عصر ما قبل الصناعة لا تزال تحت سطوة العقيدة الدينية فاستخدمتها في خلق فلسفات ركيكة غير واقعية أوصلت فيما أوصلت الأوطان إلى حالة من التدهور المستمر اقتصاديا واجتماعيا. وبالطبع، فإن هذا التدهور قد خلق بالمقابل تيارا معارضا تحت الأرض، استخدم نفس الأرضية الإيمانية والتعاطف الشعبي، ولعب على أوتار السياسات المتقلبة للأنظمة فكان حليفا لها تارة، وعدوا تارة أخرى، حتى تمرس بالعمل السياسي والتنظيمي والعسكري وبات بلا نقاش القوة الأكثر تأثيرا في الشارع العربي منذ عقود.

 

وإذ ارتخت السلطات في أوهام البقاء إلى الأبد (جئنا لنبقى على طريقة البعث)، أو الاتكاء على ماض من النضال مثل السلطة الفلسطينية التي افقدتها روايات الفساد المالي والإداري وبحار السياسة العميقة كل رومانسيتها الثورية السابقة بعد أن رحل الفرسان الأوائل واحدا بعد الآخر، حالها حال الجزائر التي جاء منها النذير الأول في أوائل التسعينيات، فإن حركات الإسلام السياسي التي أقتاتت على الأخطاء المتراكمة للسلطة وفسادها وقمعها واستبدادها وجدت البديل الجاهز في العودة الى الماضي المجيد لأن كل النظريات البشرية قد أثبتت فشلها (!) وإن تلك العهود إنما كانت اختبارا من قبل الإله الذي سخر الآخرين لوصول هذه الجماعات الى الحكم لتقيم المجتمع الإسلامي، بما في ذلك الديمقراطية ( التي تعني في مفهوم الإسلاميين الانتخابات وحسب) إلى آخر تلك الأجوبة الجاهزة المعدة بعناية لتلبي أسئلة الجمع المؤمن البسيط الذي ضاق ذرعا بالوعود والأحلام الكبيرة التي رسمتها الأنظمة عبر العقود والقت به بالنتيجة لقمة جاهزة الى أحضان حركات الإسلام السياسي.

 

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو هل تستطيع حركات الإسلام السياسي هذه في تعويض الأحلام السابقة المجهضة بأحلام جديدة قابلة للتطبيق، وهل من أولوياتها بعد مكافحة الفساد الذي كان سلاحها الأمضى انتخابيا (هذا ان كانت ستكافحه فعلا) ان ترتقي بالمجتمع الى حالات من الرفاهية والتطور؟ بل أن السؤال هو هل أن الرفاهية والتطور والحرية ضمن أولوياتها أو حتى اهدافها.. أم انها ستبني مجتمعات الخلافة والسباحة وركوب الخيل والعسكرة على طريق الجهاد الدائم والفتح والمعارك مع القردة والخنازير كما تطربنا المساجد من المحيط الى الخليج يوميا أملا في الهدف النهائي للإنسان وهو نيل الجنة كما تشير الأدبيات السياسية لكل من الفئتين الإسلاميتين الأكبر؟ وهل ستكرس البحث العلمي والاجتماعي والإنساني، أم ستغرق المجتمعات في الغيبيات والخرافات كما بادرت حركة العدالة والإحسان في المغرب فور فوز حماس عندما أعلنت عن "مجموعة رؤى" تنتاب أعضاءها بأن انتصار الخلافة قريب جدا وأن خليفة رسول الله يقف على الأبواب.. وهل كل متحزب لهذه الحركات يمتلك قدرة "الرؤيا الصادقة" وراثة عن الأنبياء؟ وكيف ستتعامل هذه الحركات مع هموم الصناعة والزراعة والتجارة والبطالة وتوزيع الثروة، ومع مسائل الحريات وحقوق الإنسان والمرأة وحرية التعبير والتعددية السياسية والفكرية والأثينية والدينية والمواطنة وغيرها من المسائل الاجتماعية والسياسية الكبرى؟ وما هي رؤيتها للتنمية الأقتصادية والبشرية والاجتماعية في ضوء ايديولوجيتها الدينية؟ وهل ستعمل على تعبئة المجتمعات للمعركة الفاصلة ( التي يروج لها اليمين الديني المسيحي واليهودي كذلك) التي لن تبقي ولن تذر وكل يدعي انتصاره النهائي بعد تلك المعركة؟ وهل سيبدأ عصر الجهاد وانتصار اللادنية والطالبانية التي بدأ تطبيقها في بعض المناطق التي يسيطر عليها أتباع هذه الحركات في أكثر من بلد عربي وغير عربي؟

 

ستقف "حماس" غدا أو بعد غد أمام اختبار التعامل مع قضية الحرب والسلام والأرض، والتنمية، وهموم الناس اليومية.. وللشعار والصراخ واللافتات فترة نفاذية لا بد وان تنتهي يوما إن لم يتحقق شيء على أرض الواقع، ولن يكفي إيمان البسطاء وحده للإبقاء على كراسي الحكم، فلا يمكن بعد اليوم عزل المجتمعات عن العالم، ولا يمكن التخلص من جميع أجهزة الراديو والتلفزيون والكومبيوتر، ولا يمكن إيقاف الكتاب عن التسرب إلى أيدي الشباب والنشء، وإلا لكانت الأنظمة السابقة قد نجحت في ذلك. فالكلام سهل، والانتقاد والصراخ أسهل، ما دمت بعيدا عن المسؤولية، ولكن حماس اليوم على رأس شعب له من الهموم ما يكفيه، ومن التنوع والتلون ما يغنيه، ومن النخب والكفاءات ما يزيد على أي شعب آخر (نسبة إلى عدد السكان)، فهل ستقوم بمحاولة فرض اللون الواحد والرأي الواحد بالعصا على طريقة طالبان لتزيد الهموم هما جديدا، وهل ستفتح الأبواب للتغيير، أم ستكتب بيديها نهاية حقبة الإسلام السياسي في الانتخابات القادمة، أو التي تليها، أو التي ستأتي بعدها..

 

أما الليبرالية الوليدة فعليها الانتظار طويلا، فلا جدوى من حرق المراحل ومكافحة التطور الطبيعي وإن كان سلبيا، إذ لا تزال شعوبنا غير جاهزة، وغير معنية بالحقوق والحريات بعد، فما زالت أحلام الأغلبية تتمحور في سكن وعمل ولقمة خبز وهي حقوق أساسية. وعلى شعوبنا، بعمومها ونخبها، مثلها مثل تلك التي سبقتها، أن تجرب وان تعاني وأن تستفيد من التجارب. فبناء المستقبل لن يأتي بين ليلة وضحاها، وهي حقيقة يجب الاعتراف بها قبل الدخول في معارك خاسرة غير متكافئة. وبالتأكيد سيأتي ذلك اليوم الذي ستطالب فيه المجتمعات بحصتها الإنسانية الكاملة، فلم تبن الأوهام والشعارات والغيبيات يوما أوطانا أو مدنيات، ولكنها أهلكت الكثير منها بدون شك..

skhalis@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع