10 اكتوبر 2005

 

العراق.. الطفولة المنتهكة

سعد صلاح خالص

 

 

يقف "علي"[*]الصغير ذو العامين على عتبة داره يوميا في صيف بغداد ينتظر أباه حتى يعود من السفر.. هكذا أخبره من في المنزل. سوف يكبر علي يوما وسيعلم بأن والده لن يأتي من رحلته الأبدية، وسيعرف بأن والده قد قضى قتلا على قارعة الطريق بأيد مجهولين، وسيرضع مع نموه حليب الكراهية والعنف وسيصبح مشروعا محتملا للانتقام.. كم من "علي" في عراق اليوم؟

 

وإذا كان البالغون شهود زور على العنف والقتل اليومي، قد يقودهم في ذلك الانتماء أو العاطفة أو الجهل أو الدعاية، فإن الأطفال شهود حق وإثبات على الجرائم التي ترتكب بحق أبائهم وإخوانهم ومن حولهم، فسيان من يقتل من، ما دام فعل القتل قائما ويوميا ومعتادا، فتتشوه النفوس وتتعمق الجراح النفسية بمرور الوقت، ويصبح العنف وكل تفرعاته السيكولوجية مكونا أساسيا في تلك النفوس الفتية. وبالطبع، فإن مجتمعات الموت هذه لديها أساليب متفردة في "رعاية الطفولة" شهدنا منها الكثير في عراق اليوم، منها تفخيخ الأطفال، وتجنيدهم للقتال أو الخدمات المساندة، واستخدامهم دروعا بشرية، وحتى في قتلهم مباشرة وصراحة، وقتل المدرسين أمام تلاميذهم، وكل ذلك مبرر لقدسية "القضية" التي يمارس البالغون أمراضهم باسمها، ناهيك عن مظاهر العسكرة في الشوارع، ونقط التفتيش وردود الفعل، وتكديس الأسلحة في المنازل، وتجنيد الأطفال في تظاهرات اللطم والتطبير.

لقد كان هؤلاء البالغون أطفالا يوما، ونشئوا في ظروف مماثلة في المضمون إن لم تكن في الشكل، فهم أبناء عصور الإعدامات الكيفية والمقابر الجماعية والأسلحة الكيماوية ومعارك الأمة المجيدة، وأبناء ثقافة تفتخر بالعنف وقطع الرقاب وصهوات الخيل..

 

في المجتمعات المتحضرة، التي لا تزال تعاني من العنف ضد الطفولة والنشأة غير السوية للأطفال (مع الفارق النسبي الكبير) تنشط جمعيات المجتمع المدني ومؤسسات الدول لوضع الحلول والمعالجات والبرامج لمعالجة نزعات العنف وانتهاك الطفولة التي تتسبب بها البيئة المحيطة وحمى التنافس والسينما ونشرات الأخبار وحتى ألعاب الفيديو التي تحمل الموت اليومي، وتتنافس برامج الأمم المتحدة والصليب الأحمر والعفو الدولية ومئات الجهات على إعداد الخطط والبرامج لإنقاذ الطفولة على مستوى العالم أجمع، بينما نقف نحن، على الطرف الآخر من المعادلة، نفتخر بأن أطفالنا يحملون السلاح ويقتلون كالكبار، ونهلل للكارثة التي نسميها بالرجولة المبكرة وندعو أطفالنا إلى تعلم السباحة والرماية وركوب الخيل، ليكونوا "جنودا" صالحين في مجتمع المستقبل.

 

في أوائل العام الدراسي الحالي بالعراق، عرضت قناة الشرقية الفضائية فلما من مدرسة "نموذجية" وتعني مدرسة متكاملة تعليميا وتربويا حسب التوصيف المحلي بالعراق.. وقف التلاميذ ذكورا وإناثا في صفوف منتظمة يتلقون الأوامر العسكرية استعد.. استرح"، ويطلقون هتافا مع كل أمر. ولا أدري أي ميراث ثقافي هذا الذي "يعسكر" الطفل في هذه السن المبكرة، وينشئه على قيم الضبط والربط العسكري وكأنها الأساس الوحيد للانضباط التربوي.. إنه "مشروع الجندي" الذي تطور في العهد البعثي البائد إلى إقامة تشكيلات عسكرية مباشرة من الأطفال مثل "الطلائع" والفتوة" و"أشبال صدام" إلى آخر تلك القائمة الكريهة، وأستمر في العهد التالي له ناسخا نفس الأساليب المريضة.. فمنذ خمسين عاما، يتغنى أطفالنا برؤوس الحراب، وعز الوطن الذي يقوم على نصال السيوف وجماجم الشهداء، وتتمحور الأناشيد الوطنية حول الانتصارات السابقة واللاحقة وتدمير الأعداء. فالوطن حرب دائمة وموت دائم لا مجال فيه للنهر والجبل والزهرة والنور، انه القبر ذي الظلمة التي لا تنتهي.

 

والآن، وفي محيط العنف اليومي، تتكامل التربية المدرسية والبيئة المفعّلة للعنف والتلفزيون والحالة الاقتصادية المتردية والتربية الأسرية المحكومة بأمراض المجتمع لخلق طفولة مشوهة، متعثرة، منتهكة (بفتح الهاء) ومنتهكة (بكسر الهاء)، تجد نفسها في العنف والإقصاء وإذلال الأخر، وبالتالي الهروب من العنف إلى العنف..

وإن انعكست صورة الحياة اليومية القاتمة هذه، المرفقة بانهيار الخدمات العامة التي تعتبر جزءا من إشباع الحاجة الطبيعي في هذا العصر، على المجتمع ككل، بكل ما تسببه من تشويه للبناء النفسي لأفراده، فإنه من الطبيعي أن ينعكس بشكل أكثر قسوة على الأطفال لضعف القدرة على الاستيعاب الكامل للواقع المحيط، فتكرس قيم الحرمان وتنعدم شروط النمو الطبيعي المتكامل جسديا ونفسيا وثقافيا واجتماعيا وتؤدي بالتالي إلى التأخر في التعلم والتحصيل الأكاديمي، وتدني في المواهب الشخصية الإبداعية بل والوقوع في الاضطرابات النفسية والمشكلات والانحرافات السلوكية، كما يذكر محمد نظام البشيتي في دراسته حول أطفال فلسطين المنشورة في موقع "أمان" الذي تناول كعادة الكتاب العرب انعكاسات حالة الاحتلال فقط على الطفولة الفلسطينية متجاهلا انعكاسات العنف الداخلي الفلسطيني والتربية الدينية المتزمتة التي ندفن رؤوسنا عنها في الرمال خوفا من تهم التكفير والعمالة وهدر الدم والاغتيال المجاني.

 

الحرمان من حق اللعب..

 

إن التربية الدينية، على مستوى الأسرة تحديدا، سلاح ذو حدين وفق تطور الاستخدام الاجتماعي للدين، فهو قد يكون حافزا على السلوك القويم والمثل العليا إذا ارتبط بخلفية ثقافية متسامحة ومتحضرة، وقد يتحول إلى سلاح دمار شامل إذا تركز على الجانب السلبي المتمثل بإقصاء الآخرين وقيم الكراهية ونبذ التعايش. ويحدثني صديق عن مستثمر جاء إلى البصرة بعيد سقوط نظام صدام مباشرة، وباشر في الإعداد لإنشاء مدينة ملاهي (العاب) التي تعتبر متنفسا طبيعيا لممارسة حق اللعب في لأطفال أي بلد في العالم، وما أن وجد الأرض وشرع في العمل حتى أتاه المسلحون من جماعة الصدر وربما غيرها فكلها سواء- وأمروه بالمغادرة فورا "لأننا لا نحتاج مدن ألعاب.. بل تحتاج إلى حسينيات يتعلم فيها أطفالنا اللطم". وهذا مثال حقيقي لا مبالغة فيه على الاستخدام ألتدميري للدين من قبل جماعات الإسلام (وغير الإسلام) السياسي. ومن جانب آخر، فإن حشر الأطفال في المساجد وحشو عقولهم بخطب الأئمة في سن يعتبر فيه اللعب، واللعب، ثم اللعب هي الأولوية المطلقة في هذا السن جريمة ليست في حق الطفولة وحسب وإنما في حق المجتمع، وقد رأيت في بلاد عربية متعددة أطفالا يتداولون صورا وأفلاما على الأقراص والهواتف النقالة لبطولات "المجاهدين في العراق" من قبيل قطع الرؤوس والسيارات المفخخة والقتل الجماعي، وأكثرهم ممن يحضر صلوات المساجد بضغط آبائهم ومجتمعاتهم، في وقت كان من الطبيعي أن ينتشروا في الحدائق والملاعب، يلهون ويعبثون، ويقبلون على الحياة ويتعلمون أسرارها.

 

 

واللعب جزء أساسي من الحياة النفسية للطفل، ومتطلباً لا غنى عنه لتحقيق النمو السوي لشخصيته عبر مراحل الطفولة المختلفة، فالإضافة إلى جانبه الترويحي الذي يستهدف تحقيق المتعة والبهجة، فإن جانبه المهم الآخر هو الجانب التعليمي الذي يسعى الطفل من خلاله إلى اكتشاف العالم المحيط به وتنمية معارفه وتطوير مهاراته في التعامل مع المجتمع".. ولكن نظامنا ألقيمي والديني، بشكله الذي يحكم العراق والعالم العربي والإسلامي اليوم، يحرم الأطفال من هذا الحق عن سابق إصرار وترصد.

 

وإذا كان ميل الأطفال للعنف ينجم من محتوى بنيوي موروث داخل الطفل إلى حد ما، فإنه يخضع أيضا لتأثير بيئي ربما كان الأهم والأخطر، ويرى علم النفس بأن معظم مركبات النقص لدينا تعود إلى مرحلة الطفولة المبكرة، إذ أن شخصيتنا هي حصيلة مكوِّنين: الأول هو ما اختبرناه وعشناه في طفولتنا وسائر مراحل حياتنا، والثاني هو ما ورثناه من أهلنا و أسلافنا. و فيها تلعب بيئة الطفل وخاصة المنزلية منها تلعب دوراً هاماً في تكوين شخصيته، إذ تعتبر المصدر الأول في تكوين اتجاهاته وميوله وصياغة نظرته إلى الحياة. فإن كانت علاقته بأسرته سليمة، أي إذا شعر الطفل من خلالها بالأمن والطمأنينة بدا له العالم آمناً مطمئناً والآخرون مصدر ثقة ومحبة, أما إذا كانت متوترة بدا له العالم موحِشاً مُقفِراً وأحياناً مُخيفاً مما يؤدي إلى حالات عزلة أو اكتئاب وعصاب. أما المرحلة اللاحقة، وهي المرحلة الدراسية تساعد الولد على التكيّف الاجتماعي والتربية الأخلاقية، فيها يتجه نحو الاستقرار الانفعالي و تمتاز بتحسن في العلاقة مع العائلة والطاعة لهم وتعلّق بالعائلة والرغبة في التعلّم وذلك بسبب نمو جسمه وعقله واتساع شبكة علاقاته الاجتماعية، فبعد أن كانت مقصورة على الأهل تمتد إلى الرفاق والجيران والمعلمين، مما يُكسِب حياته الانفعالية قدراً من الانسجامِ والاستقرار والواقعية، وفيها يكتشف الولد شخصيته المعلم الذي يصبح المثل الأعلى الجديد للأنا، ومن هنا تبرز أهمية "التربية الاجتماعية" التي ذكرنا أمثلة مؤلمة لها فيما سبق، من قبيل التربية العسكرية في المدارس، والتربية التكفيرية في الأسرة والمجتمع..أما الحديث عن المراهقة وإمكانيات انفجار العنف التدميري خلالها، فلها بحث آخر، إلا أن التأسيس لها يبدأ في هاتين المرحلتين..وفي المرحلتين، تعاني الطفولة العراقية الأمرّين، فالأسرة ضحية، والمدرسة ضحية، والمجتمع بأسره ضحية، وما يمكن أن تقدمه سلسلة "الضحايا" هذه للطفل العراقي المنكوب؟

 

إن البحث عن الحلول مطلب عبثي في الوقت الحاضر، في ظل عنف جنوني واستشراء ثقافة لا تقل جنونا، كما هو حال البحث عن مبادرات مدنية في ظل نظام رفض حتى إدراج الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( بما فيها حقوق الطفل) والمواثيق الدولية في دستور يريده دائما، ويطلب الحلول في بطون الكتب الصفراء وتحت لفافات العمائم.. فالأطفال في نظريات القوى السياسية الناشطة في عراق اليوم، كما كانوا في عراق الأمس، ليسوا إلا مشاريع جنود وقتلة وانتحاريين. ولعل أكثر ما يمكن عمله اليوم، هو العمل من خلال منظمات المجتمع المدني المستقلة عن الأحزاب والصراخ الأيديولوجي الذي يعم العراق اليوم، والمطالبة بوضع مناهج علمية متطورة خالية من الشوائب والخرافات والأوهام، وتطبيق الأنظمة التعليمية العصرية، وإنقاذ المدارس العراقية من سطوة ميليشيات الظلام، والعمل على نشر مدن الملاهي وتكريس قيم اللعب والتعلم والتطوير النفسي، والاستعانة بالمجتمع الدولي ومنظماته المعنية لإنقاذ الطفولة العراقية من مستقبل مبني على ماضي وحاضر العنف والدم الجهل والخرافة، قبل أن يسبق السيف العذل فنجد أطفالنا بين طيات ملفات الأمم المتحدة التي تتحدث عن جيوش الأطفال في إفريقيا وغيرها..

skhalis@yahoo.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

latifi_abdellatif" <latifi_abdellatif@menara.ma>

Date: Sat, 11 Feb 2006 14:35:26 -0000

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

 



[*] علي عمار سلمان أبن لصديق قتل في بغداد قبل أسبوعين بدون سبب واضح