18 فبراير 2006

 

 

 

 

 

سمير قصير <<الطفل المعجزة>>...

مشعل الحرية على مدى الفضاء العربي

سعد ك. كيوان

 

تحتار من أين تبدأ، ومن أي زاوية تتناول شخصيته... تبدأ من الصحافي، من الكاتب والمحلل، من المؤرخ، أم من الاستاذ الجامعي والباحث والناشر، أو من السياسي اليساري الملتزم على طريقته، أو من الانسان الحر الباحث عن الذات في الحرية... كان كل ذلك مع بعض. انه <<المثقف العضوي>> بحسب توصيف المفكر الماركسي انطونيو غرامشي.

ليس من السهل الاحاطة بشخصيته. كان سمير قصير <<فريد>> الطبع والطابع، كثف كل هذه الطاقات وهو في ربيع شبابه. شغل الوسط الصحافي والثقافي، في باريس أولا وثم في بيروت. كان <<حاضرا>> باستمرار، جسديا وبقلمه ما دفع اصدقاءه، وهو الأصغر بينهم، الى اطلاق عليه لقب <<الطفل المعجزة>> الذي <<طوع>> التاريخ وأرخ للحرب الأهلية ولبيروت، التي عشقها وتمرد عليها واستشهد في حضنها، وأرّخ للحرية بدمه. كلماته كانت <<السلاح>> الأمضى في وجه الطغاة على مدى الفضاء العربي.

نشأ سمير في عائلة <<متعددة الجنسيات>>، موحدة الهوية. والده حنا سليمان قصير، من مواليد يافا (فلسطين)، ووالدته ليلى سبيرودميان، من مواليد اللاذقية (سوريا)، وهو من مواليد بيروت عام 1960. فكان لبنانيا وفلسطينيا وسوريا في آن. تلقى دروسه الابتدائية والثانوية في مدرسة الليسيه العلمانية الفرنسية، في بيروت قرب المتحف، وعاش مرحلة المد اليساري، وصعود الحركة الطلابية، وانطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة وتحولها الى عنصر أساسي في تكوين وعي جيل السبعينيات، وفي عملية الاستقطاب والفرز السياسي الداخلي عشية اندلاع الحرب الأهلية... كان سمير حاسما في خياراته فانتمى الى الحزب الشيوعي اللبناني ووقف الى جانب القضية الفلسطينية. وكان ايضا تلميذا ذكيا، متفوقا تكشفت لديه موهبة الكتابة باللغة الفرنسية، فانطلق يكتب في جريدة <<لوريان لوجور>> وهو في السابعة عشرة. ثابر على ذلك أربعة أعوام (19811977)، في ظروف الحرب الصعبة، متنقلا بين المناطق والحواجز ومحاولا التوفيق بين حاجاته وقناعاته وطموحه.

ويروي سمير دوافع اختياره مهنة الصحافة. كان منذ سن العاشرة يقرأ الصحف، وذات يوم استوقفه مقال لمروان حماده في <<لوريان لوجور>> تحدث فيه عن الرسائل المفخخة التي كانت اسرائيل ترسلها الى المسؤولين الفلسطينيين وتفتك بهم. وكان هذا المقال سببا أساسيا في اختياره.

لكن شغفه في متابعة دروسه الجامعية دفعه للانتقال الى باريس، عاصمة الثقافة والسياسة بامتياز. هناك درس الفلسفة وحصل على دبلوم دراسات عليا من جامعة باريس الأولى السوربون في 1984. وفي الوقت نفسه، ومنذ 1981، تابع الكتابة الصحافية ولمع بمقالاته السياسية في <<لوموند ديبلوماتيك>> حول الشرق الأوسط. تحول الى <<خلية نحل>> في باريس، يدرس ويكتب وينشط لبنانيا وفلسطينيا (كان عضوا في هيئة تحرير مجلة <<الدراسات الفلسطينية>> التي تصدر بالفرنسية من 1986 الى 1994)، وفي الوسط الثقافي الفرنسي.

كان هم قضية الشعب الفلسطيني حاضرا لديه باستمرار، فكان كتاب <<الطريق من باريس الى القدس>> باكورة مؤلفاته بالاشتراك مع صديقه السوري فاروق مردم بيه، والذي يعتبر من أهم ما كتب في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي. وكان قد فرغ من كتابة اطروحة الدكتوراه في التاريخ المعاصر والحديث من جامعة السوربون، والتي صدرت بكتاب تحت عنوان <<حرب لبنان: من الانشقاق الوطني الى الأزمة الاقليمية 19821975>>. كما عمل وكتب أيضا في تلك الفترة في مجلة <<اليوم السابع>> (الفلسطينية الهوى التي كان يرأس تحريرها بلال الحسن)، وكذلك لفترة قصيرة في جريدة <<الحياة>>، الى جانب مساهمته في الكتب التي تصدرها مجلة <<الدراسات الفلسطينية>>.

وفي باريس تزوج سمير باكرا وهو في الثالثة والعشرين، من هالا قاعي ورزقا ابنتين، ميساء (21 سنة) وليانا (16 سنة). ثم تزوج ثانية قبل نحو سنتين بعد حكاية غرام من الزميلة الاعلامية الرصينة والمميزة جيزيل خوري التي فجعت بحبيبها سمير...

عرفت سمير منذ نحو خمس عشرة سنة. كان عميق الثقافة ومتعدد الاهتمامات. ذات يوم من عام 1995 زارني في روما، حيث كنت أعمل في صحيفة ايطالية وكان يساهم بطلب مني في كتابة مقالات ومواضيع في تلك الصحيفة. جاء يبحث عن صور لكتاب <<ألف وليلة>> الذي كان متحمسا لاعادة طباعته بنسخته الأصلية بعد ان تم منعه على ما أظن في معرض الكتاب في القاهرة. ولكن، أين نجد هذه الصور؟ قال ربما لدى <<مؤسسة (الكاتب الايطالي الشهير) بيار باولو بازوليني>>. بدأت البحث، وفعلا وجدناها هناك. وبما انه لم يكن بالامكان الحصول عليها فورا توجه سمير الى بيروت وراح يتصل بي على مدى الأسابيع اللاحقة ليتأكد من حصولي عليها وحملها اليه في أول عودة لي الى بيروت. كان يومها يدير منشورات <<دار النهار>>، التي <<ضاقت به>> وكان يعد العدة لتأسيس دار نشر أطلق عليها اسم <<منشورات ليالي>>، وكانت باكورة اصداراتها <<ألف ليلة وليلة>>.

عاد سمير الى بيروت عام 1992 ليعمل في <<جريدة النهار>> نزولا عند رغبة غسان تويني. وتنقل من موقع الى موقع، من الجريدة الى <<دار النهار>>، الى تأسيس صحيفة <<اوريان اكسبرس>> باللغة الفرنسية التي رأس تحريرها على مدى ثلاث سنوات (19981995)، والتي تفردت وتميزت برصانتها وعمق تحليلاتها وأهمية التحقيقات التي كانت تجريها. وكان واضحا ان مثل هكذا تجربة فريدة لم يكن مقدرا لها ان تستمر في ظروف البلد المعروفة، وتم <<الاستعاضة>> عنها بمجلة <<نون>>... وتفرغ الى التأليف فكان الكتاب التحفة عن <<تاريخ بيروت>> بالفرنسية، و<<العرب من الرسالة الى التاريخ>>، و<<سياسة في منطقة اقليمية غير مستقرة>> (بالاشتراك مع تيودور هانف ونواف سلام) وآخرها <<تأملات في الشقاء العربي>>...

ولأن الصحافة في دمه وعشقه للحرية يسري في عروقه، عاد سمير الى <<النهار>> لتتصدر مقالاته الاسبوعية (كل يوم جمعة) صفحتها الأولى وليشرف على الطبعة العربية ل<<لوموند ديبلوماتيك>> بين عامي 19901998. الا انه كان قد اندفع بقوة في المجال الاكاديمي كأستاذ محاضر في كلية العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف (اليسوعية)، ومنظما للمؤتمرات وحلقات النقاش بين طلابه الذين التفوا حوله وحضنهم كرفاق له. ولكن السلطة واجهزتها الأمنية بدأت تضيق ذرعا بكتاباته الجريئة ضد الطبقة السياسية ووصاية النظام السوري، وبدأت تطارده وتضيق عليه الى ان تم ايقافه، في 29 آذار 2001 على أرض المطار، اثر عودته من تغطية مؤتمر القمة العربية في عمان. وتم احتجاز جواز سفره بحجة التدقيق بصحته <<لأنه يتحدر من أبوين غير لبنانين>>، أو <<الاشتباه>> بفلسطينيته!

توقف سمير يومها عن الكتابة لمدة اسبوعين ولكنه لم يتوقف عن الكلام. وتروي الزميلة منال شعيا (<<النهار>>، حزيران 2005) لقاء معه في كلية الاعلام، في الجامعة اللبنانية، بعد المضايقات التي تعرض لها: <<في هذه المهنة ليس هناك يا أمي ارحميني، المهم ان نحافظ على طاقة الاستهجان وان نبقى مستعدين للقول ان ثمة اعوجاجا>>. ودفع حياته ثمن محاولة تقويم هذا الاعوجاج... وتابع: <<لا، لن أستسلم. اذا استسلمت لا يعود أحد يقرأني وغيري سيتابع الطريق. لن استسلم ولن يردعني أحد>>.

كان لسمير همّان، الأول هو <<اعادة الاعتبار الى السياسة التي هي نبيلة في المبدأ ويفترض ان تعبر عن اهتمام الشأن العام عند الناس. والهمّ الثاني توسيع هامش الحرية بالممارسة وليس بالقول>>. وبالممارسة واجه <<الشخص في مسرحيته>> وتحدث عن <<منطق الأمن الخاص المستحكم بالحكم اللبناني>>، وكانت مقالات <<عسكر على مين>> التي جمعها في كتاب، وأخرى في آخر حمل عنوان <<ديموقراطية سوريا واستقلال لبنان>>. كانت دمشق و<<ربيعها>> شغله الشاغل...

معادلة <<الضوابط والخطوط الحمر>> رفضها سمير. عشية معركة الرئاسة عام 1998 التي حملت اميل لحود الى بعبدا تلقى سمير رسالة كي <<يخفف النبرة>>، وأول تهديد فعلي في كانون الثاني 2000 حين اتصل به مسؤول أمني قائلا: <<أنا بدي أهتم فيك شخصيا، انت قلم أعوج>>، اثر كتابته مقالا انتقد فيه الأجهزة الأمنية على تقاعسها في حماية الجيش اللبناني خلال أحداث الضنية. ويروي مرافقه سعيد مرود (الذي فرزه وليد جنبلاط) في الفترة الأخيرة قبل اغتياله ان الأجهزة كانت تلاحقه في كل مكان، من <<النهار>> الى الجامعة، الى اماكن لقاءاته، الى المطعم، وصولا في احدى المرات الى منزل جنبلاط نفسه. ولم يوفروا حتى العشاء الذي جمعه ذات مساء من تلك الفترة مع الشهيد رفيق الحريري، الذي أراد ان يعبر عن تضامنه مع سمير وامتعاضه وتحديه للأجهزة.

كان قلم سمير يدعو بلا كلل الى دولة القانون والحق، لم يتوقف عن فضح انتهاكات سلطة الوصاية على لبنان منذ ثلاثين عاما مباشرة أو بواسطة سلطتها <<المستنسخة>>، على حد تعبير وزير الثقافة السابق غسان سلامة. كان سمير يفاخر في انه أدخل الى القاموس مصطلحات مثل <<الأجهزة>>، <<الوصاية السورية>> أو <<الوصاية المافياوية>>، عندما لم يكن أحد يتجرأ على ذلك. أطلقها منذ التمديد الأول غير الدستوري للرئيس السابق الياس الهراوي في 1995.

كان سمير من صانعي <<انتفاضة الاستقلال>>، رافق شبابها وافترش معهم <<ساحة الحرية>> ليلا، على بعد خطوات من مبنى <<النهار>>. كان من مؤسسي <<حركة اليسار الديموقراطي>>. كان يقدم و<<يبتعد>>، يؤسس، يساهم ثم <<يختفي>>... شاركنا في تأسيس <<نادي اللقاء>> في بيروت مع مجموعة من الشباب اليساريين، في محاولة ل<<اعادة الاعتبار>> للسياسة والثقافة. ما ان انطلق النادي حتى <<توارى>> سمير عن الأنظار.

كتب وحرض وعبأ طيلة الأشهر التي أعقبت اغتيال الحريري. بعد ثلاثة أيام على الجريمة كتب عن <<الاستبداد في لحظة انكشافه>>، وقبل اسبوع كتب ممهدا ل<<14 آذار>> عن <<بيروت وربيع العرب>>. وتصدى منبها للاساءات التي تعرض لها السوريون قائلا: <<لا بد من لفت انتباه المتظاهرين الى ان العمال السوريين في لبنان هم ضحايا مرتين: ضحايا نظام فشل في تأمين فرص العمل للسوريين ولم يقدم لهم من رعاية غير سطوة المخابرات التي تلاحقهم أحيانا الى لبنان، وضحايا عنصرية كامنة تتغذى هي الأخرى من الصورة البائسة التي يعطيها النظام السوري نفسه عن رعاياه>>، داعيا الى <<التمييز بين الشعب السوري وسلطته منعا لبعض الهتافات السخيفة>>.

كان سمير ضمير <<الانتفاضة>> والساهر على نصاعتها وعلى عدم المساومة أو الدخول في تسويات. لم يكن يهادن وقلمه لا يرحم، فلم يتوان عن انتقاد بعض القيادات السياسية للمعارضة، التي كان جزءا منها، والتي تتعلم من الهزة التي عاشها اللبنانيون بانسحاب سوريا بدلا من العودة الى العادات القديمة بحثا عن حصصها. فدعا في أول نيسان 2005 الى <<انتفاضة في الانتفاضة>>، مخاطبا المعارضة: <<ايها الرفاق في المعارضة، جددا أم قدماء، انزلوا الى الشارع لتسمعوا نداء عاجلا الى ان تبادروا الى انتفاضة من نوع آخر، انتفاضة على الذات، تفتح آفاق الدولة العصرية، دولة المواطنين وليس دولة الرعايا>>.

اغتياله جاء أيضا بمثابة انذار للمجتمع المدني الذي كان يمثله بشكل أو بآخر، لأن سمير لم يكن من <<محترفي>> السياسة. غداة الجريمة، كتب رئيس الحكومة فؤاد السنيورة: <<سار الدكتور سمير قصير في قناعاته الى النهاية، سيبقى الصديق سمير قصير رمزا للمثقف الحر والمقاوم، والصادق مع نفسه ومع أهله وأمته. قوة سمير في قوة الكلمة، وفي حرية التعبير وفي الرؤية المستنيرة والنضالية>>. وكتب تويني يقول: <<هذا الشاب الآتي من فلسطين، عاد أهله الى لبنان بعد التشريد، ظلت مفاتيح القدس في يده>>.

استشهد سمير واقفا، حرا والقلم في يده!

 (السفير)

 

 

للتعليق على هذا الموضوع