23 مارس 2005

 

رياض الترك في حوار مع "نيويورك تايمز"

النظام الحاكم في دمشق لم يتعلّم درس صدّام حسين

الشرق الأوسط جاهز للسير في الطريق نحو الديمقراطية. نحن نتفق مع الأمريكان في ذلك

 

 

 

حاورت رياض الترك في حمص بتاريخ 11 آذار، بعد يوم من اعتصامه والمعارضة السورية في وسط دمشق. كنّا، أنا وحسن الفتاح وكاثرين زويف من "نيويورك تايمز"، وسليم أبراهام من "أسوشيتد برس"، قد توجهنا بالسيارة إلى حمص لنتحدث معه في بيت الأسرة هناك. قام حسن بتنظيم الرحلة، وكان لطفاً منه ومن كاثرين أن يدعواني للمشاركة. كان الغرض هو معرفة مدى تنظيم وقوّة المعارضة.

 

كنت سعيداً أن الفرصة سنحت لي لمقابلة الترك، الأمين العام (*) للحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي. لقد كان عنصراً دائماً في المعارضة المستنيرة طيلة 55 عاماً، وهو يحظى بالاحترام بسبب شجاعته وحسّه الإنساني. ورغم أنه قضى في السجن قرابة 20 سنة، فإنّ رياض ما يزال بشوشاً متقد الذهن وهو في الخامسة والسبعين. أولى فترات احتجازه جرت في عهد أديب الشيشكلي سنة 1954. ثمّ قضى 15 شهراً أيام عبد الناصر، سنة 1960. وتحت حكم حافظ الأسد بين 1980 و1998، وأخيراً في عهد بشار طيلة سنة وثلاثة أشهر. خضع في الآونة الأخيرة لجراحة في القلب، ولكنه ما يزال يدخن، تحيط به زوجة محبّة وابنتان وعدداً من الأحفاد. ولقد استقبلنا في شقته في مدينة حمص.

 

 

حين سألناه إذا كانت المعارضة ضعيفة، كان صريحاً للغاية حول الاعتراف بضعف المعارضة، ولكنه الحّ على أنّ غالبية الشعب ضدّ النظام. وقال:

"إنّ إرهاب نظام الأسد خلال ثلاثة عقود حوّل البلاد إلى سجن للصمّ البكم".

 

أخذت المعارضة تنمو منذ أواخر التسعينيات. ولم تكن الحكومة قادرة على ممارسة الحكم كما ينبغي. والضعف مردّه إرهاب الدولة خلال الثمانينيات.

 

"نعم، المعارضة في حال فظيعة"، يعترف الترك ولكنه يصرّ "أنّ المستقبل للمعارضة".

"النار تحت الرماد. هل أستطيع إخبارك بميقات وقوع الزلزال؟ كلا، أنظر إلى لبنان. هل كان في وسع احد أن يجزم متى سيندلع كلّ ذاك؟ مقاومتنا ومعارضتنا بدأت قبل لبنان بوقت طويل. لا نستطيع الجزم. هذا المجتمع الأبكم يريد التخلّص من هذه الحكومة. انظر ما جرى لصدّام حسين. الجيش لم يقاتل، والشعب أراد الفكاك".

 

وحين سألناه عن الدليل على أنّ الشعب في سورية يريد الفكاك، قال:

 

إنك سترى في كلّ بلدة ومدينة حزناً ورعباً ممّا وقع في الماضي. أدخُل بيوت الشعب وأغلق الأبواب واسألهم. سوف يضحكون من شعارات النظام.

 

أنظر إلى دخولنا. متوسط دخل الأسرة الشهري يبلغ سبعة على ثمانية آلاف ليرة (140 ـ 160 دولاراً). هذه هي شكاوى الشعب. النظام لا يؤمّن لهم القدرة على تحقيق أحلامهم وإمكانياتهم. كلّ من تعرّض لأذى النظام يُعدّ جزءاً من المعارضة.

 

 

عن لبنان

المعارضة اللبنانية لم تنتهِ بعد. وتظاهرة حزب الله أريد منها ترهيب اللبنانيين. وإذا كان حسن نصر الله واعياً وذكياً، فإنه سوف يغيّر اتجاهه السياسي. على حزب الله أن يعرف أنّ دور السوريين قد انتهى في الروح وليس فقط على مستوى القوّات العسكرية. على مَن يستعرض نصر الله عضلاته؟ جنبلاط؟ الجميّل؟ أنصار الحريري؟ إذا صحّ ذلك فإنه كمَن يسعى إلى حرب أهلية.

 

السنة والدروز خرجوا من الحرب الأهلية خاسرين، ولهذا قبلوا اتفاق الطائف. سورية تمارس سياسة طفولية. لم يعد للطائف أي معنى. لقد جرى خرقه. خرقته سورية حين لم تنسحب سنة 1992. سورية أرادت تحويل لبنان إلى محافظة سورية.

 

مسألة لبنان هي في جوهر المشكلة الإقليمية والمشكلة السورية الداخلية. وسورية أنزلت الخسارة بكلّ الفرقاء لكي تتمكن من السيطرة. الحكومة فعلت الشيء ذاته هنا. الحكومة تقتات على انقسام الشعب. ينبغي أن تفرّق الشعب لكي تضمن البقاء في السلطة.

 

 

سألنا عن "ربيع دمشق"، الإنفراج القصير الذي أعقب وصول بشار إلى السلطة سنة 2000

 

فأنكر أنه كان هناك أي ربيع، وتابع مازحاً:

"كان هناك شتاء كلّ الوقت، وحدث هذا قبل مجيء الشتاء الأمريكي".

 

سألته عن الإعتصام الذي نظمته المعارضة الخميس الماضي، بعد يوم من التظاهرة الواسعة المؤيدة للحكومة، والتي أنزلت بضعة مئات الآلاف من الناس إلى شوارع دمشق.

 

أوضح أنّ الأمن لم يسمح للمعتصمين بالتجمع في مكان واحد أمام محطة الحجاز، كما كانوا قد خططوا. "لهذا أعتقدَ معظم المراقبين أنه توفر مئة أو مئتا مشارك في الاعتصام. غير أنّ المعتصمين انقسموا إلى مجموعتين خلف المحطة وفي ساحة المرجة. لكننا لم نكن منظمين جيداً. جاء الكثيرون متأخرين أو على نحو متقطع". وألحّ على أنّ المشاركين بلغوا قرابة الـ 1000 في نهاية المطاف. "منظمات الدولة تلقت أوامر بقمع التظاهرة السلمية. لقد اعتدوا بالضرب على عدد من قادتها وحاولوا إجبار أحدهم على أن يهتف بميكروفونه الخاص: بالروح بالدم نفديك يا أسد".

 

ولم يتحدث الترك عن "وحشية لا تُصدّق"، ولكنه قال إن النظام لم يتعلم شيئاً ولسوف ينهار بذاته بسبب التناقضات الداخلية، وهو يحاول قمع المعارضة بدل أخذ مطالبها على محمل الجدّ، ورفع الأحكام العرفية، واحترام حقوق الإنسان، وفتح الطريق أمام الديمقراطية.

 

وقارن النظام السوري بنظام صدام حسين، الذي لم يتعلم شيئاً بعد حرب 1991: "بدل إصلاح أخطائه أصر على ممارساته السيئة واضعف البلاد في النهاية، ممّا جعل الولايات المتحدة تغزوه وتسيطر عليه دون مقاومة حقيقية. وكما رأينا، لم يقف الشعب والجيش مع النظام. لهذا أنا ألوم صدّام، أوّلاً وأخيراً، على الغزو الأمريكي. كان واجبه يقتضي حماية الأمّة". وحذّر من أن الأمر ذاته يمكن أن يجري في سورية، وإن كان لا يؤمن أن حكومة الولايات المتحدة تريد حقاً تغيير النظام في دمشق. "الأمر ضبابيِ" حول ما تريده أمريكا.

 

 

 

 

 

سألته إذا كان يقف مع جورج بوش أو يوافق الرئيس الأمريكي أنّ الشرق الأوسط جاهز للديمقراطية، أجاب:

يا أخي إسمع... لقد سبقناه في هذا. في سنة 1979 أسسنا التجمع الديمقراطي. كان هدفنا الأساسي هو التغيير الديمقراطي الجوهري. لكننا كنّا منظمة أنهكها الإرهاب. إرهاب الدولة أجهز على كل غريزة سياسية عند الشعب، ولم يكن لدينا أي دعم من الغرب.

 

وحين استلم الأسد السلطة سنة 1970، عارضناه. لم نقف مع الدكتاتور. الإتحاد السوفييتي كان يساند الأسد لأنه وعد بتطبيق القرار 242 (قرار الأمم المتحدة الذي يقضي بمبدأ "الأرض مقابل السلام" كحلّ للنزاع العربي ـ الإسرائيلي). صلاح جديد لم يكن يريد الـ 242. كان يريد ثورة. إنقلاب الأسد حدث بمساندة دولية.

 

أردنا الديمقراطية. نالنا من الإنقلابات العسكرية ما يكفي. أعدنا إبداع سياستنا. رفضنا الديماغوجية، "الوحدة"، "العروبة"، "البعثية"... واجهنا ذلك بمطلب الديمقراطية. الأسد لعب على النزاع بين الإتحاد السوفييتي وأمريكا، وحزب البعث التابع للأسد خرج رابحاً.

 

اعتبرنا أن الأسد، وليس الإخوان المسلمين، هو المنظمة الإرهابية رقم 1 في البلاد. إسرائيل والولايات المتحدة أضعفتا المعارضة إلى حدّ رهيب. ونحن بحاجة للتخلّص من الدكتاتورية.

 

احتجاج الولايات المتحدة على ما جرى في حماة كان ضئيلاً وغير ملائم أبداً. اليوم يعترض بوش بصوت عالٍ كثيراً.

 

أقرُّ بأنّ الدول تبدّل سياساتها. في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة متحالفة مع الدولة وسعيدة بالحكم. ولو كانت الإدارة الأمريكية ديمقراطية حقاً، لتوجّب عليها أن تدين الحكومة على ما فعلته في حماة.

 

ولكن لو هاجمنا بوش، فإنني سأعتبر بشار المسؤول الأول. وبالقدر ذاته، ينبغي أن تنبثق الديمقراطية من الداخل، وليس عن طريق الخونة المتعاملين مع الخارج، من طراز الشلبي.. لا يمكن جلب الديمقراطية على ظهر دبابة. العصا يستخدمها الراغبون في الإستفزاز وليس أولئك الذين يتمنون الخير لشعبهم".

 

"نعم، أنا على يقين أن الشرق الأوسط جاهز للسير في الطريق نحو الديمقراطية. نحن جاهزون للتخلّص من الدكتاتورية. نحن نتفق مع الأمريكان في ذلك".

 

"إنّ قبول الديمقراطية لم يكن في الشرق الأوسط أعظم ممّا هو عليه في سورية ولبنان. الطبقات المستنيرة منذ بداية القرن الماضي درست في أوروبا وعادت بأفكار الديمقراطية. نحن في هذا الطرح منذ زمن بعيد".

 

 

ذكرتُ أنّ الإنتخابات الحرة الأخيرة في نقابة المهندسين، التي أسفرت عن فوز المرشحين السنّة فقط في المواقع القيادية، رغم النسبة العالية من المسيحيين في المهنة. والسنّة أبوا التصويت للمسيحيين. سألت ما إذا كانت سورية بحاجة إلى نظام طائفي على غرار لبنان، لحماية الأقليات. (رياض الترك كردي (**)، ولهذا كان يهمني الوقوف على رأيه حول حقوق الأقليات، في بلد تحتلّ فيه الهوية الدينية والإثنية موقعاً بارزاً):

 

 

الطائفية تفاقمت في ظلّ هذا النظام. نعم، هنالك ردود أفعال في أوساط السنّة ضدّ العلويين في السلطة. وحين وصل العلويون [من رجال السلطة] إلى الحكم، استولوا على العديد من المناصب الرفيعة في الدولة، وحابوا أبناء طائفتهم.

 

ولكي نضعف العامل الديني، علينا أن نبني شعوراً أقوى بالهوية الوطنية، ونعيد تقوية التوجيه الوطني، ونتمسك بالدستور.

 

إنّ دولة القانون ينبغي أن تكون هدفنا. القانون يعامل الجميع بالمساواة ذاتها: السنّة والعلويون، الأغنياء والفقراء. القانون وحده يحلّ هذه المشكلة.

 

 

إذا سقط النظام، هل هنالك قوّة أو منظمة تستطيع أن تحكم؟ هل هنالك بديل؟

الأزمة تدور حول العبيد والسادة، تماماً كما في روما القديمة. ظهرت مشكلة حين استولى العبيد على الحكم، فأعادوا إنتاج النظم القديم وأصبحوا سادة هم بدورهم. لا تستطيع أن تنظر إلى المعارضة هنا كما تنظر إليها في الغرب. لا أحد في المعارضة تلقى تدريباً في ظلّ حكم الحزب الواحد. ونظام العبيد هذا لا يسمح لأيّ شيء بالنموّ.

 

كذلك فإن العديد من أحزاب المعارضة أنانية. القادة يتابعون مصالحهم الشخصية ومصالح حزبهم ويستبعدون المصلحة الوطنية أو أهداف المعارضة إجمالاً. هذه الحال نجمت عن أسباب عديدة: الأول قمع الحكومة، والثاني فساد الأحزاب ذاتها (معظم الأحزاب دخلت "الجبهة الوطنية" وأصبحت مجموعات "معارضة موالية" لها مقاعد في البرلمان، ولكن دون أتباع)، والسبب الثالث هو عجز المعارضة عن النمو والتغيير بمرور الأزمنة. البلاد تغيّرت بمرور الأعوام، وشعارات المعارضة ظلت على حالها.

 

وعلى المنوال ذاته، الحكم سوف ينهار بسبب تناقضاته الذاتية، والمستقبل في صفّ المعارضة. ليس للدولة القدرة على الإصلاح والانفتاح على الشعب. بشار لم يتعلم درس العراق. إنه مثل صدّام الذي كانت لديه 11 سنة، من 1991 إلى 2002، لكي يتغيّر، فلم يستطع. ما كان للولايات المتحدة أن تدخل العراق لو أنّ صدّام كان قادراً على التغيير.

 

لماذا انهارت الإمبراطوريتان البيزنطية والفارسية أمام الفتوحات العربية في القرن السابع؟ لأنهما كانتا ضعيفتين وعاجزتين عن التغيير.

 

 

وقبل أن ننهض استعداداً للذهاب، كان عليّ أن اسأل رياض حول ملاحظته الشهير عند إطلاق سراحه آخر مرّة في عهد بشار. في مقابلته الصحفية الأولى بعد الإفراج عنه، قال إن السجون في عهد بشار مثل "فندق خمس نجوم". ولهذا سألته: "هل كانت فعلاً خمس نجوم"؟

 

ضحك، وشاركه الضحك إبنتاه وصهره، الذين كانوا يجلسون في طرف الحجرة. "نعم، هذا صحيح" الأشخاص الذين سُجنوا هذه المرّة الأخيرة لم تكن لديهم دراية بمدى فظاعة الأشياء في عهد حافظ. كانت الغرف واسعة بنوافذ على الجانبين. وكان لدينا فراش ووجبات عادية.

 

خلال حكم حافظ كانت الزنازين مترين بمترين، دون نوافذ أبداً. تعرّضنا للضرب، ولم يكن لدينا ما نقرأه، وكان الطعام بائساً. كنّا بالكاد نستطيع التنفّس في الصيف. أنا شخصياً لم أبصر الشمس طيلة 10 سنوات. لا يمكن لك أن تتخيّل كيف كانت عليه الحال.

 

نعم، إنها خمس نجوم الآن. لقد تعرّضت للكثير من المتاعب بسبب تلك الملاحظة. جميع أطراف المعارضة أرادوني أن أكذب وأقول إنّ الحال كانت جحيماً، ولكن كان من الهامّ قول الحقيقة. لقد أزعجت فريقين بتلك الملاحظة، المعارضة وسجّانيْ حافظ.

 

 

هل يعني هذا أن بشار أرحم من أبيه؟

كلا... كلا! الأشياء ليست أفضل لأنّ بشار أرحم أو هو راغب في الإصلاح. إنها كذلك بسبب أن النظام ضعيف.

 

نزلنا الدرج بعد أن شكرنا أسرته على الشاي والقهوة وما أبدوه من لطف بالغ معنا. أصر رياض على مرافقتنا إلى الشارع وأننا سوف نأخذ الاتجاه الصحيح. أردت أن أطرح عليه بضعة أسئلة أخرى أقلقتني. كم من السجناء يوجد اليوم في سجون سورية؟

 

 

هنالك 300 إلى 500، معظمهم من الإخوان المسلمين.

 

هل تعتقد أنّ معظم هؤلاء ماتوا؟

ربما. نحن لا نعرف.

 

كم عدد الذين قُتلوا في حماة؟

الإخوان المسلمون يقولون 48 ألف. ولكن إذا استثنيت الجرحى، لعلّ الرقم 15 إلى 20 ألف.

 

شكرنا رياض ثانية وانطلقنا في طريق العودة إلى دمشق. لم نصل إلا الساعة الثانية فجراً لأنّ سيارة "لادا" التي كنّا نستقلها سخنت ست أو سبع مرّات، ورحلتنا التي تستغرق ساعتين اقتضت ملحمة من ستّ ساعات. كان السائق محرجاً للغاية، ولكن أياً منّا لم يكترث ونحن نتبادل الأقاصيص معظم الوقت في طريق العودة.

 

 

ـــــــــــــــــ

 

* رياض الترك هو "الأمين الأول" للحزب وليس "الأمين العام".

 

** هذه المعلومة غير صحيحة، والترك ليس كردياً.

 

ترجمة: هيئة تحرير "الرأي"

 

 

للتعليق على هذا الموضوع