20 يوليو 2005

 

 

المنطقة إلى اين بعد انتخاب احمدي نجاد؟

الدكتور رياض الأمير

 

بعد انتخاب احمدي نجاد   الذي سيتولى مهامه في الأول من الشهر القادم دارت الكثير من النقاشات وكتب الكثير عن الرجل وماضيه العملي في المساهمة في قيادة وتنظيم مليشيات باسدران وجيش القدس وحزب الله اللبناني وإنشاء والإشراف على تدريب قوات بدر العراقية ورعايته للمجس الأعلى وغيرها الكثير. أما اكثر الأشياء التي أثيرت حول انتخاب الرئيس الإيراني الجديد جاءت من فيينا على لسان نائب في البرلمان النمساوي عن حزب الخضر بيتر بيلس الذي عمل لمدة عشر سنوات على كشف قتلة ثلاثة قادة من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في فيينا في تموز عام 1989 وعلى رأسهم زعيم الحزب الدكتور عبد الرحمن قاسملو، أكد فيه البرلماني بيلتس مشاركة احمدي نجاد في الأشراف على عملية الاغتيال في فيينا وان لجنة التحقيق لوزارة الداخلية النمساوية أشرفت على الموضوع في حيينها وتعرف المشاركة الفعلية للرئيس الإيراني المنتخب في العملية تلك واتهم وزارة العدل النمساوية بأنها تغمض عينيها عن الموضوع لاهداف اقتصاد - سياسية جاءت نتيجة التدخلات والضغوط التي مارستها ايران على الحكومة النمساوية. وكان مدير عام وزارة الخارجية الإيرانية رحيم بور استدعى السفير النمساوي في طهران بعد تصريحات بيتر بيلتس وطلب منه توضيح المعلومات التي ادلى بها عضو البرلمان واتهامه احمدي في الضلوع في اغتيال الزعماء الاكراد الثلاث. اما الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية فقد شجب تساهل الحكومة النمساوية لاتهامات النائب بيتر بيلتس. صحيفة دي برسه النمساوية كتبت على لسان بيتر بيلتز ما قاله بشأن احمدي نجاد:" اذا قام احمدي نجاد بالسفر الى النمسا من جديد فلن تكون هذه اول زيارة له لهذا البلد لكونه قد زار النمسا في تموز قبل 16 عاماً ". وكانت مهمة احمدي الحراسة في بيت في المنطقة الثالثة بمدينة فيينا ليمنع هروب السياسين الاكراد من الشقة التي اقتحمها كوماندوز ايرانيون لتصفيتهم. ووصف بيتر بيلتز ان في ملاحقة احمدي نجاد ورفسنجاني انذاز مهم للنظام الايراني. من جهة أخرى، أكد حسن اشرفي من الحزب الديموقراطي الكردستاني - فرع ايران في كويسنجق في كردستان العراق تورط احمدي نجاد في اغتيال الزعيم الكردي عبد الرحمن قاسملو في فيينا عام 1989 و قال "حسب معلوماتنا كانت هناك ثلاث لجان شكلت من قبل السلطات الايرانية لتنفيذ عملية اغتياله، الاولى مخصصة لتخطيط العملية والثانية مخصصة لتامين المستلزمات وكان احمدي نجاد يقودها والثالثة مخصصة لتنفيذ العملية". وأضاف اشرفي "الحكومة الايرانية بزعامة هاشمي رفسنجاني انذاك اصرت على اجراء مفاوضات مع الزعيم قاسملو في فيينا وقبل يوم من اغتياله جرى لقاء بيننا وبين الجانب الايراني وفي هذا اللقاء طلب الجانب الايراني ان يشارك في اجتماع اليوم التالي الدكتور قاسملو". واشار اشرفي الى ان الذين حضروا الاجتماع من الجانب الايراني كانوا "حاجي مصطفوي و جعفر سحرارودي ومنسور بزوركيان" وهم عناصر من المخابرات الايرانية.

 

المهم في كل ما قيل وكتب مدى انعكاس رئاسته لإيران للفترة القادمة على منطقة الشرق الاوسط ومنطقة الخليج العربي ومن ضمنها العراق تحديدا وهناك ثلاثة ملفات مختلفة ولكنها متداخلة سوف تسخن بشكل متوازي في الفترة القادمة التي سيرأس فيها احمدي إيران، وهي تشمل المنطقة والعالم. الملف الاول: العراق حيث ترتبط مجموعات سياسية ومليشيات عسكرية باحمدي مباشرة عن طريق العلاقة التنظيمية والاشراف الميداني لها منذ انشاء قوات بدر من قبل" الباسدران" في العام 1982 اثناء حرب الخليج الاولى لمحاربة نظام صدام حسين المقبور. كما يرتبط بعلاقة خاصة مع قائد مليشيات بدر وهذا ما سوف ينعكس سلبا على الساحة العراقية وما يرافق ذلك من إملاءات سياسية وتاثير مباشرعلى مجمل العملية السياسية في العراق. وان كان التدخل الإيراني في العراق الذي رفضه خاتمي او على الاقل نفاه فان ايدي القادة الجدد الذين سيحيطون باحمدي والسائرين على نهجه  ستكون اكثر طولا في الساحة العراقية، ليس فقط بالتمويل  والدعم اللوجستي كما جرى اثناء الانتخابات الاخيرة وانما في تعزيز المؤسسة الدينية الموالية لإيران وخط ولاية الفقيه على حساب بناء عراق حديث بعيد عن التبعية لدول الجوار وفي مقدمتها ايران وهيمنة رجال الدين المسيسيين. أدلى السيد احمدي نجاد بتصريحات بعد انتخابه قال فيها:" إن أمواج الثورة الإسلامية ستجتاح العالم قريباً وأن بوادرها ظاهرة منذ الآن". جاءت هذه التصريحات في جمع عوائل قتلى انفجار مقر حزب الجمهوري الإسلامي عام 1981. ووصف احمدي نجاد الانتخابات الإيرانية بأنها ثورة إسلامية ثانية حيث قال: "أن ثورة إسلامية وقعت في عام 2005 وهي ستنتزع جذور الجور في العالم". وعلى الرغم من ان السلطات الايرانية لم تسمح سوى لست مرشحين من الذين ترضى عنهم وكانت وراء احمدي لانه من بطانة السيد خامنئي،  لكنه اعتبر تلك الانتخابات ثورة إسلامية، كما وان تصريحاته تلك تشير بوضوح إلى نوايا النظام الإيراني لتصعيد تصدير نظام ولاية الفقيه إلى الخارج وخاصة العراق. ومن المعلوم أن احمدي كان مشرفا على تدريب قوات بدر وتمويلها وهو يعتبر الاب الروحي لقائدها الميداني بدر هادي العامري ولذلك كانت أولى التهاني منه ومن السيد عبد العزيز الحكيم. فهل ستوقف شهية الرئيس الجديد على ما قدمه للمجلس الأعلى ومليشيات بدر؟ أو سيجعل "أمواج الثورة الإسلامية" ستحتاج العالم عبر العراق؟  فعندما وجهت الدعوة الابراهيم الجعفري لزيارة إيران قال بان هناك ملفات عالقة تحتاج إلى حسم قبل قيامه بتلك الزيارة ومنها التدخل الإيراني في الشأن العراقي. فهل زيارته الحالية لطهران سوف توقف ذلك؟ اغلبية العراقيين يساورها الشك. ومن المعروف بان احمدي ليس فقط من الذين اتهموا بتعذيب السجناء السياسيين وساهم في قيادة الحرس الثوري "الباسدران" والبسيج وجيش القدس وما شابه ذلك من تنظيمات إسلامية متطرفه حكومية وامنية لكنه من ازلام  خامنئي ودعاة ولاية الفقية وخطه المتشدد الذي سيطبق توجهاته  بالكامل وبالتالي ستذوب الدولة في المؤسسة الدينية المتشددة التي يقف على راس هرمها خامنئي نفسه ك"ولي للفقيه" . فان سقوط رفسنجاني في الانتخابات وهو المسئول عن مصلحة تشخيص النظام جاء لان احمدي اكثر انصياعا للسيد خامنئي مرشد الثورة الاسلامية. وإذا كانت هناك فسحة مناورة في زمن الاصلاحي محمد خاتمي فأنها ستنتهي بالكامل في زمن الرئيس الجديد.

 

لقد شكك المرجع الديني الإيراني المعارض آية الله الشيخ حسين علي منتظري بالانتخابات الرئاسية الأخيرة واعتبرها غير جيدة إلا أن ذلك لم يمنع منتظري من أن يبدي أمله في أن يقوم الرئيس الجديد بواجباته الدينية والوطنية، خصوصاً في مجال تحسين الاوضاع الاقتصادية وتأمين الحريات ووقف الاعتقالات والمحاكمات السياسية والعقائدية والابتعاد عن "التعاطي الحزبي "من أجل التخفيف من الحساسيات الدولية والقوى العظمى اتجاه ايران.وشن منتظري هجوماً مركزاً على "الولاية المطلقة" للفقية والتي أدرجت في الدستور عام 1998، واعتبر ان صلاحياتها تتعلق بالخالق فقط "وحتى الانبياء لم تتوافر لهم هذه الولاية التي تجعل الامور كلها والقرارات في يد شخص واحد يصنف باعتباره فوق الجميع" واستشهد منتظري بعدم صواب الوضع الذي واجهه الرئيس محمد خاتمي الذي انتخبه 22 مليون صوت من دون أن يملك حرية تنفيذ الوعود التي قطعها. اما في ظل احمدي فان قرار الشخص الواحد كما سماه منتظري "ولي الفقيه" ستنفذ دون ابطاء للتبعية الوظيفية والاديولوجية. قال الرئيس الجديد للجمهورية الاسلامية في ايران أحمدي نجاد "نريد علاقات متكافئة ومتطورة مع كافة بلدان العالم لا سيما الاوروبية منها، لكننا ننصح الدول الغربية ان تتصرف بطريقة لا تنال من معنويات الايرانيين".واضاف لدى استقباله مجموعة من النواب الايرانيين "لا يمكن للدول الغربية ان تزعم بانها تدافع عن الديموقراطية وحرية الاختيار، والتهجم في نفس الوقت على النهج الديموقراطي الذي اتخذه الشعب الايراني من خلال مشاركة ثلاثين مليون ناخب في الانتخابات الرئاسية". تناس السيد احمدي رفض اكثر من 900 مرشح للمشاركة  في الانتخابات الرئاسية. فان كان هذا النهج ديمقراطي إسلامي فيكيف ستكون عليه الديمقراطية عندما يتولى احمدي مكانه على راس هرم السلطة التنفيذية؟ مع العلم ان البرلمان الإيراني يقر بأن الثورة الإسلامية لم تحترم حقوق الإنسان منذ عام 1979 حتى عام 2004. وحتى هذا القانون الجديد الذي أقره البرلمان الإيراني اخيرا  لا يمنع تعذيب المعتقلين الذي ما زال جارياً حتى الآن. وقد يؤدي هذا التعذيب إلى موتهم كما حدث مع الصحفية فاطمة كاظمي، ولم يحترم الذين عذبوها كونها امرأة والإسلام أكرم المرأة وأعزها.

 

 اما الملف الثاني فيشمل منطقة الخليج العربي برمتها. فان احمدي وما قدمه خلال حياته العملية في المساهمة في صنع المليشيات المختلفة كحزب الله اللبناني وبدر العراقية وجيش القدس، فانه سوف يستمر في استثمار تجربته في خلق نقاط إرتكاز لإيران لدي الشيعة في دول المنطقة. وليس غريبا قبل استلامه السلطة ردة الفعل المتشنجة على نشر صورة كاريكاتورية في البحرين هددت ايران بعدها دول المنطقة التي "قد تقدم على التقليل من احترام النظام الايراني" حسب قول الناطق باسم الخارجية الايرانية محمد رضا آصفي: "فور نشر هذا الرسم الكاريكاتوري في الصحيفة، وجهنا تحذيراً واستدعينا السفير البحريني في طهران والتقينا في المنامة احد مسؤولي وزارة الخارجية البحرينيه ووزير الاعلام فيها". وضمن آصفي تصريحاته تحذيرا الى دول المنطقة قائلا: "ان على هذه الدول ان تعرف بأنها ستكون الخاسرة اذا قللت من احترام اقطاب النظام الايراني ورجال الدين فيه". وقال آصفي: "ان قدراتنا تفوق باشواط قدراتهم (...) وعليهم ان يكونوا اكثر حذرا".ونسي الناطق بلسان الخارجية الإيرانية ان الصحافة العالمية تنشر صور اكثر جرأة ضد رجال الدين ورؤساء الدول ولم تهدد فرنسا او بريطانيا او الولايات المتحدة او روسيا الدول حيث نشرت الصور. لقد استغلت إيران قضية الرسم الكاريكاتوري ذلك لتوجه رسالة تحذير لدول المنطقة بان "قدراتنا تفوق باشواط قدراتكم" وما عليكم إلا الانصياع. وبالتالي سوف تكون قضية حل الخلافات حول الجزر العربية الثلاث مثلا، بالطرق الدبلوماسية او حتى التحاكم في محكمة العدل الدولية غير واردة اطلاقا. اما الملف الثالث: وهو الملف النووي الإيراني الذي  سيشعل المنطقة خطرا لا يمكن التكهن بعواقبه. فان الجمهورية الاسلامية الايرانية مستمره في برنامجها النووي ليس للاغراض السلمية كما تدعي وانما للحصول على السلاح النووي، وهي قاب قوسيين او ادنى من ذلك. وفي حالة تملكها ستركع دول المنطقة امام طموحات ايران القومية وتعصبها الطائفي. وفي المقابل من ذلك فان دول العالم الاخرى وفي طليعتها الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي سوف تعمل على لجم اندفاع ايران وغلق شهيتها في تملك اسلحة دمار شامل وذلك سوف لن يتوقف على الطرق الدبلوماسية التي شهدت مدا وجزرا في عهد الرئيس خاتمي فانها حتما سوف تكون حدية في عهد احمدي الذي سوف يزيد شهية ايران في تملك السلاح النووي لما للرجل من ماضي يغلفه العنف. كما وان اسرائيل سوف لن تسكت قطعا على ان تكون دوله اخرى في المنطقة تملكه. وبالتالي ستقوم بعمل عسكري مما ستكون تبعيته على دول المنطقة غير واضحة النتائج. اما إذا فلتت إيران من الرقابة الدولية لبرنامجها النووي واعلنت بعد حين عن تملكها السلاح النووي فان المنطقة والدول العربية الخليجية تحديدا ستكون تحت رحمة المطرقة الإيرانية والسندان الاسرائلي وبالتالي سيتحول العرب إلى عبيد طائعة. والله في خلقه شؤون. ان وصول السيد احمدي نجاد إلى سدة حكم إيران يعيد بالضبط قصة وصول صدام حسين لحكم العراق وما جلبه لوطنه ولدول المنطقة من مآسي والام عبر حروبه وبطشه وذلك لخلفية كلا الرجلين العنفية ومساهمتها شخصيا في تعذيب الذين اختلفوا معهم في الرأي. وعلى الرغم مما ينتظر المنطقة من مخاطر يقف مثقفوا العرب مع الجماعات الارهابية التي تحفر لهذه الامة قبرها بيدها، يدعمون قتلة اطفال العراق والابرياء في قطار الانفاق في لندن ويرفعون شعارات المجرم الزرقاوي ويلتفون حول تلفيقات صوت الارهاب "قناة الجزيرة" القطرية.  ويقول الدكتور شاكر النابلسي في احد مقالاته الاخيرة عن مثقفي الامة: "معظم المثقفين العرب من الذين يتصدون مجالس الرأي، مازالوا يرددون أن ما يجري في العراق الآن من عمليات انتحارية إرهابية هو عمليات "مقاومة لأناس شرفاء يدافعون ضد المحتل الغربي الذي جاء لسرقة العراق ومصادرة الوطن العراقي، في حين أثبتت الأحداث منذ عامين إلى الآن عكس ذلك".

ومن لم يعرف دربه فقد حلت عليه المصيبة، واعذر من انذر.

 

للتعليق على هذا الموضوع