1 مايو 2005

 

حكومة جديدة وآمال قديمة
الدكتور رياض الأمير

على الرغم من اعتراض البعض أو نقد آخرين وتأخر اعتراف بعض الدول العربية، فان تشكيل حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري في الثامن والعشرين من نيسان حدث مهم في حياة العراق الحديث وخطوة، مهما كانت بها من ثغرات، لكنها إلى الأمام في بناء العراق الجديد. وما الأعمال الإرهابية الإجرامية المكثفة بعد يوم من إعلانها، والتي تشير إلى النفس الأخير لمنفذيها والتي راح ضحيتها الكثير من العراقيين، إلا دليل على أن تشكيل الحكومة عمل جيد من اجل العراق وشعبه. فبعد المخاض الصعب استطاع الدكتور إبراهيم الجعفري من تشكيل الحكومة العراقية الأولى بعد سقوط الفاشية والتي جاءت نتيجة انتخابات ديمقراطية للجمعية الوطنية. وكان انتظار الشارع العراقي لتشكيلها قرابة التسعين يوما، ولكن حسب ما هو المثل" يأتي متأخرا افضل من أن لا يأتي". فالسيد الجعفري يستحق الثناء لما بذله من جهد وصبر من اجل ان يخرج بالحد الأدنى من رضى المجموعات السياسية، ولربما كان نجاحه اكبر لو استطاع من تشكيل حكومة وحدة وطنية فعلية كما تمناها العراقيين في الداخل ودول الشتات وحسب جميع استطلاعات الرأي. المهم الآن ان تقدم  الحكومة التي فيهاعناصر كفوءة افضل ما تستطيع من اجل خدمة الشعب العراقي الذي قدم أبنائه افضل الأمثلة في التضحية، كإنجاح الانتخابات واختيار أعضاء الجمعية الوطنية وبالتالي إعطاء الشرعية للحكومة الجديدة لكي تمثل الشعب والرأي العراقيين. ان الأمل ان يكون هدف حكومة الجعفري خدمة العراق أولا والتخلي عن المصلحة الحزبية والقومية والفئوية الضيقة لمصلحة العراق وشعبه. لا يخفى على أحد أن الواجبات والمهام امام الحكومة كبيرة والتحديات عظيمة ويمكن تحقيق طموح العراقيين إذا خلصت النية وقدمت المصلحة الوطنية على المصالح الاخرى مهما كان نوعها. حكومة الجعفري لم تشرك  تيارات وطنية في تشكيلتها وبالتالي سوف تعطي الحق لقيام معارضة قوية في الجمعية الوطنية. ان دور المعارضة في الجمعية الوطنية لا يقل أهمية عن دور الحكومة. فان الأمل ان تكون المعارضة على مستوى المسؤولية الوطنية من اجل ان تكون عين راصدة وناقدة وموجه للحكومة من اجل المصلحة الوطنية وتحقيق آمال العراقيين  في حياة يستحقونها بعد معاناة امتدت لاربعة عقود  كاملة، وكذلك في إنجاح التجربة الديمقراطية لكي تكون محفزا لشعوب المنطقة التي تضع عينها على العراق والعراقيين  متحفزة ومنتظرة  للتغير على نهجه. ان احترام رجال الدين واعطائهم قدرهم ديدن الدكتور الجعفري ورفاقه في قائمة الائتلاف، ومن اجل عراق جديد بكل المقاييس والمعايير وحديث في خطواته لا بد  أن  يبتعد الجعفري من إشراك  رجال الدين في التأثير على مجمل الحركة السياسية في العراق. ما يتمناه الوطنيون العراقيون من حكومة الجعفري خلال المرحلة التي ستخدم العراق خلالها، وعلى الرغم من  قصرها، ولكنها مرحلة مهمة من تاريخه المعاصر وتاريخ المنطقة ككل، أن تحقق للشعب العراقي الكثير من الآمال التي يطمح المواطن المتعب الحصول عليها ومنه:

 ـ قطع دابر الإرهاب والقضاء على مصادره واستتباب الأمن للوطن والامان للمواطن.
ـ تهيئة مستلزمات الحياة الضرورية في تحسين البنى التحتية بأسرع وقت ممكن.
ـ مكافحة الفساد الإداري وتعزيز دور مؤسسة النزاهة الوطنية.
ـ مكافحة البطالة  والبدا بمشاريع إعادة الأعمار.
ـ اعتماد المشاريع الضرورية والإنتاجية والعمل على توظيف العراقيين في جميع المشاريع التي تديرها الشركات الأجنبية في العراق.
ـ تحسين أداء السلك الدبلوماسي العراقي واختيار عناصر وطنية كفوءة لتمثيل العراق الوطن، والشعب بشكل سليم، وليس على أساس المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية على حساب الكفاءة المهنية.
ـ إبعاد قوى الأمن والجيش والشرطة عن تأثير الأحزاب السياسية والتحزب وبناء القوات العراقية وقوات الأمن والشرطة على أساس الوطنية العراقية والكفاءة فقط.
ـ تعزيز مشروع اجتثاث الفكر البعثفاشي وحرمان من أيديه ملطخة بدماء العراقيين من المساهمة في الحياة السياسية.
ـ العمل على بناء مشروع المصالحة الوطنية والمشاركة الفاعلة لجميع أطياف الشعب العراقي في العملية السياسية مع أبعاد كل من ساهم في إراقة دماء العراقيين ودعم الإرهاب وساهم به بأي حجة كانت.
ـ اختيار افضل ما لدي الشعب العراقي من كفاءات لوضع مسودة الدستور العراقي لكي يمثل العراق الموحد الفدرالي الحديث ويكون دستورا يحترمه الجميع ليس للجيل الحالي وانما للأجيال القادمة، في انه يمثل العراقيين بكل أطيافهم ومختلف دياناتهم ويساويهم في الواجبات والحقوق دون المفاضلة القومية او الدينية او المذهبية. اختيار النشيد والعلم الوطنيان العراقيان لكي يمثلا تاريخ العراق  الحضاري الذي يمتد لسبعة آلاف عام بمختلف أدواره وتعدد قومياته ودياناته ومناطقه في تعايش الديانات وتآخي القوميات فيه.
ـ العمل على إيقاف التدخل الأجنبي في الشأن العراقي في طليعته  التدخل الإيراني والسوري.
ـ العمل على تعزيز التعاون بين الحكومة العراقية وقوات التحالف من اجل مصلحة العراق ومستقبله وامن أبناءه  على أساس الواقع الفعلي لحالة العراق الآن.

 

لا بد ان تكون كلمات الدكتور الجعفري "  سأحكم كعراقي لا كشيعي " منهاج ليس له فحسب، وانما لجميع أفراد طاقمه في أن  يحكموا كعراقيين  وليس كأكراد أو عرب أو تركمان أو شيعة أو سنة أو مسيحيين. التمنيات  بالنجاح لتحقيق ذلك، وهو اضعف الإيمان.

 

من تاريخ الشعوب

 

 قبل ستين عاماً وبعد تحرير النمسا من الفشنازية الألمانية واختيار الدكتور كارل رينر رئيسا للبلاد قال في البرلمان علينا أن لا نفكر من أي منطقة نحن ولا إلى أي حزب ننتمي ولا أي ديانة نحمل وانما أن نفكر بالوطن. وبعد تشكيل الحكومة الأولى تحدث رئيس الوزراء للشعب النمساوي قائلا: " لا ستطيع أن أعدكم في تقديم مزيد من الخبز ولا معجزة في تحسين البني التحية وزيادة ساعات وصول التيار الكهربائي، ولكني أعدكم أن نثق بهذه النمسا. وفعلا أصبحت بعد ذلك في اقل من ثلاثة عقود بلد يفتخر بمنجزاته ومنزلته المتقدمة،  ليس فقط ضمن الاتحاد الأوربي، وانما على مستوى العالم على الرغم من صغره، لسبب واحد هو أيمان الشعب بوحدة الوطن ووقوفهم خلف حكومتهم الوطنية وتصفية آثار النظام الدكتاتوري إلى الأبد فكرا وممارسة. وفي هذا الصدد قال مستشار النمسا فولفغان شوسل في الاحتفال بميلاد الجمهورية الثانية ومرور ستين عام على تحرير بلاده من الفاشية: "كان عدد ضحايا الفاشية في النمسا 400 ألف مواطن وأعضاء الحزب النازي وجلادي شعبنا 550 ألف شخص، اعدم منهم عدد وادخل السجن عدد كبير وعزل سياسيا وحرم من العمل الأغلبية الساحقة منهم ".

 

ولكم العبرة يا أولي الألباب.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع