15 أغسطس 2005

 

الإصبع الذي صنع التأريخ لا تكسروه!

الدكتور رياض الأمير

 

 

يمر العراق هذين اليومين في منعطف خطير في تاريخه المعاصر. " كن أو لا تكن " كما قالها شكسبير في مسرحية هاملت. حيث تجري مباحثات مكثفة بين السياسيين العراقيين الحاليين من اجل الاتفاق على صياغة مسودة دستور دائم للعراق ما بعد التاسع من نيسان 2003. إنها عمل حضاري ويمثل روح العراق الجديد أن يتحاور سياسيوه وان اختلفوا. فعلى الرغم من خيبات الأمل التي تدخل إلى صدور العراقيين الذين آمنوا ودعموا التحرير واعتبروا أن التاسع من نيسان 2003 ميلاد جديد لعراق الحضارات فان هناك محطات مظلمة وهي كثيرة تركت بصماتها عصابات النظام الساقط من مخلفات الفكر الصدامي وحلفها مع جماعات شذاذ الفكر الإسلامي من قطاع الطرق من الإرهابيين العرب فيما يقومون به من مجازر بحق العراقيين. وكذلك ما قامت به وما تقوم به جماعات الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني. فأولى الطرقات المربعه لإسقاط الحلم بالتحرير ما قامت به عصابات مقتدى الصدر ومن ثم ميلشياته في البصرة تدعمها مليشيات بدر في رفع صور الخميني في مركز محافظة البصرة العراقية العربية الجذور والأصول بدل صورة رئيس الجمهورية العراقية المنتخب ديمقراطيا كأول رئيس في العالم العربي والإسلامي بانتخابات نزيهة. ولا بد من التعريج على ازدواج الولاءات في إدارة الدولة وغيرها. كما وان هناك نقاطاً مضيئة في هذه المسيرة منذ ذلك اليوم الخالد عندما سقط الصنم العوجوي وانهار نظامه الغاشم.  وفي طليعة ذلك نجاح الانتخابات وتشكيل الجمعية الوطنية على الرغم من الكثير من الثغرات التي رافقت ذلك. ومنها على سبيل التذكير، التدخل الخارجي في إنجاح البعض وتبرقع بعض القوائم بالمرجعيات الدينية ولف إتلاف غير متجانس عقديا وغيرها. وقد دخل ملصق "الإصبع الذي صنع التأريخ" ليس فقط في عداد الأعمال الفنية الرائعة لعراق ما بعد التاسع من نيسان وإنما أيضا في مدلوله السياسي، خاصة عندما أضافت إليه "صحيفة عراق الغد الالكترونية"، فلا تخذلوه (الملصق منشور على صفحاتها تحت رابط www.iraqoftomorrow.org.

 

والمحطة الثانية انتخاب الرئيس جلال الطالباني رئيسا للعراق. وفي هذا دلالة مهمة على أن عراقاً جديد قد ولد فعلا يتساوى فيه العراقيون بغض النظر عن القومية والدين والمنطقة. والمحطة الثالثة هي اللقاءات بين الكتل السياسية العراقية في الجمعية الوطنية وما فعله الرئيس الطالباني في دعوة السياسيين من خارجها. أن اللقاءات مهما كانت وجهات النظر مختلفة مهمة. فهناك ثمة مثل يقول أن جبلاً مع جبل لا يلتقي ولكن إنساناً وانسان يلتقيان. فالخلافات بين اتجاهات الساسة العراقيين ليست بذلك العمق الذي يفصل الفلسطينيين بالإسرائيليين. ولم تكن بذلك العمق الذي فصل المعسكر الشرقي عن الغربي ولا الجيش الجمهوري الايرلندي عن الحكم البريطاني وغيرها الكثير. وعندما تمت تلك اللقاءات والمباحثات وكان نصيب اغلبها النجاح نابع من الإحساس بالمسؤولية اتجاه الشعب الذي وضع ثقته بقادته من اجل توفير أحسن الظروف وإتاحة أفضل الإمكانيات لحياة شريفة لهم وثانيا انطلاق هؤلاء وغيرهم بالانتماء الفعلي إلى أوطانهم وإخلاصهم لقضية شعوبهم ومستقبلها. واليوم أمام الساسة العراقيين الذين يتحملون المسؤولية الكبيرة في هذه المرحلة المهمة من تاريخ العراق أن يتحلوا بدرجة أعلى من المسؤولية اتجاه وطنهم وشعبهم وتفضيل مصالحه ومستقبل أبنائه وأجياله على أي شئ آخر مهما كان عقديا أو حزبيا، قوميا أو طائفيا، دينيا أو لادينيا والانطلاق من أن العراق لكل العراقيين بغض النظر عن القومية والدين والمنطقة، عن الطائفة والانتماء السياسي. العراق لكل العراقيين بتراثه وما يملكه من ثروات، العراق لك العراقيين بما يملكه من مشاكل ومآسي خلفها النظام الساقط وحلها مسؤولية جماعية يتحملها الكل بغض النظر من عاش بعيدا عن ظلم السلطة وقمعها، كما هو الحال شمال الوطن العراقي (بفضل المساعدة الامريكية ) أو الذين عاشوا القمع والظلم والحاجة والعوز في جنوب الوطن ووسطه. أن جميع القضايا العالقة التي خلفتها صياغة الدستور جاءت أساسا من خطا تشكيل لجنته من السياسيين وليس رجال القانون. من عراقيين لهم أجندتهم السياسية والدينية وليس من عراقيين هدفهم العراق بشكل مجرد عن الانتماء الحزبي والطائفي والعشائري. لقد وضع العراقيون ثقتهم بالكثيرين من يقود العراق اليوم وخضبوا أصابعهم بإخلاص وجازفوا بحياتهم في وصولهم إلى حكم بلد الحضارات، فلا بد أن يتحملوا المسؤولية التاريخية من منطلق وطني عراقي. ومن منظورات الانتماء للعراق الوطن بكل طوائفه وتعدد قومياته واختلاف دياناته ومناطقه من جبال شماله في كردستان إلى اهوار جنوبه العربي وبكل ما يضبط بين حناياه من قوميات وديانات وتراث، على انه شعب واحد وماضيه واحد ومستقبله واحد ولا يمكن اقرب إليه والى مصالحه أي دولة أو مجموعة بشرية وان كانت من قومية واحدة كالكردية أو التركية أو العربية. ولا بد أن يتحلى زعماء الحركة الوطنية الكردية بروح عالية من المسؤولية التاريخية ليس فقط في الحفاظ على مصالح الأكراد وإنما في الحفاظ على مصالح الشعب العراقي بكل مكوناته والتأكيد على وحدة ترابه وكفى الركض وراء الأحلام القومية التي لم تشبع قبله العرب من جوع ولم تغنيهم من فاقة ولم توحدهم في اشد ساعات الضيق. أما قادة أحزاب الإسلام السياسي فإنهم يمثلون أنفسهم وأحزابهم ولا يمثلون قط الأكثرية من المسلمين ولا حتى عشرهم فما عليهم إلى الانتماء إلى العراق وأرضه وتاريخه دون البقاء راكعين لمتطلبات دول الجوار التي لم ولن تفكر بمصالح الشعب العراقي بقدر ما يهمها مصالحها القومية البحتة وبالخصوص أولئك الذين يحدون راس الرمح الإيراني في العراق. وان استطعتم أيها السياسيين الوصول إلى صيغة توافقية في كتابة الدستور فإنها ستكون أكثر النقاط أضاءه في مسيرة العراق بعد التحرير من اعتى الأنظمة وأكثرها دموية.

 

للتعليق على هذا الموضوع