28 نوفمبر 2005

 

                              

الديمقراطية في الدول العربية "

رافائيل لوزون*

 

      

 

دعونى اولا ان ارحب بكم بلغة اجدادي واقول صباح الخير واهلا وسهلا بكم.

 

ارجو التعبير عن شكري وامتناني لمنظمي هذا المؤتمر لدعوتي للمشاركة واتاحت الفرصة لي لالقاء هذه الكلمة امام هذا الحضور الموقر وتقديري للمشاركين لمنحي هذا الشرف.

 

 في البداية أود تعريف نفسي بنبذة قصيرة عن حياتي والتي تمثل الواقع المشترك لأغلبية يهود ليبيا, وهي بالحقيقة موازية لواقع كل اليهود الذين عاشوا في الدول الاسلامية.

 

لقد ولدت وترعرعت في ليبيا, مثل أبي من قبلي وكذلك اجدادي رجوعا الى 1300 سنة. ارجوالتوقف هنا لأثبات هذه الحقيقة (ابراز الوثيقة الاصلية لشهادة ميلادي الليبية).

 

بنغازي هي مسقط رأسي وما زالت الذكريات راسخة وستبقى دوما عالقة في ذهني. كانت حسب ما اذكر مدينة خلابة, مزدهرة وكنت تشعر بالطمأنينة لأن جميع اطياف المجتمع كانت تحافظ على التعايش والتآخي الذي كان أهم اسس المجتمع. العلاقات بين  اليهود والمسلمين في هذه الفترة كانت علاقات عمل او تجارة,  علاقات جيرة حسنة وصداقة خالية من أي منفعة. قسم من هذه العلاقات بقت صامدة على الرغم من كل ما واجهته لأنها بنيت على الاساس الصحيح وهو الاحترام المتبادل ناهيك عن الدين, العرق أو المذهب. صفقات تجارية عقدت بين يهودي ومسلم وختمت بمصافحة يد. كل طائفة تحترم اعياد وطقوس وتقاليد الطائفة الاخرى.

 

عائلتي كانت معروفة حيث كان ابي من رجال الاعمال الناجحين وكان معروف من قبل اليهود والمسلمين والجميع يكن له الاحترام. هكذا اتذكر بنغازي ما قبل وخلال حكم الملك ادريس السنوسي ولكن انقلبت الامور على عقب باندلاع حرب الايام الستة.

 

في عام 1967 كنت قد بلغت الثالثة عشر من عمري, عندما بدأت الحالة تتدهور الى ان وصلت ذروتها عندما حدثت مذابح دموية راح ضحيتها عدد من اليهود, فقط لأنهم يهود.  عائلتي المقربة وعدد كبير من الجالية اليهودية سنحت لهم الفرصة بالفرار الى مخيم للاجئين في ضواحي المدن حيث صدر قرار طرد الجالية اليهودية كليا والسماح لكل شخص باصطحاب حقيبة صغيرة ومقدار 20 جنيه وترك كل شئ في ليبيا. ولحسن الحظ استطعنا بعدها اللجوء الى أيطاليا. و لكن كان هناك من لم يحالفهم الحظ حتى بالطرد مثل عائلة عمي (أخ والدي) وزوجته وستة أولادهم الذين قتلوا بأيدي ضابط في الجيش الليبي.

 

وجد أبي صعوبة كبيرة للبدء من نقطة الصفر في مجتمع غريب وجديد وبدون حتى رأسمال. وعلى الرغم من الترحاب من قبل الحكومة والشعب الايطالي فقد شعرنا بالغربة. وعلى الرغم من كل الصعوبات والعقبات التي جابهتنا، فقد استطعنا بناء حياتنا من جديد وذلك لرؤيتنا المتفائلة للمستقبل وعدم النظر للماضي بأسف أو مرارة أو ألم. رغم أننا قد ُسلبنا من حقنا الشرعي، لكننا لا نحمل ألا الذكريات الطيبة عن مسقط رأسنا.

 

أننا ليبيون وأننا كذلك يهود. لقد طردنا من ليبيا ولكن لا يستطيع أحدا انتزاع ليبيا من قلوبنا.

 

مآس كهذه حصلت في كثير من الدول العربية حيث اجبر اكثر من مليون يهودي في الخمسينات والستينات على النزوح من مواطنهم, رغم الحماية التي كانوا ينعمون بها لقرون عديدة.

 

ما يثير الدهشة والعجب أن العالم يتعاطف مع القضية الفلسطينية من ناحية ويتجاهل قضية يهود الدول العربية من ناحية اخرى. فقد  قتلوا، اجبروا على اعتناق الاسلام وطُردوا من ديارهم ومن موطنهم بوسائل قاسية. يا ترى لماذا؟؟ يجب التنويه هنا الى حقيقة تاريخية بأن الاغلبية الساحقة من اليهود الذين قطنوا الدول العربية هم أبناء البلد الاصليين وسبق وجودهم الفتوحات الاسلامية.

 

هل يا ترى غطت فظاعة المحرقة النازية على قضية يهود الدول العربية او ربما كان مناسباً للعالم تجاهل هذا النزوح الهائل. أو ربما أن العالم لم يكن مستعد للبحث في مفهوم حقوق الانسان.

 

أن اليهود النازحين من الدول العربية والفلسطينيين هم ضحايا لنفس الصراع, الفرق الوحيد أنه- ولو ان الوضع ليس جيد جدا بعد- لكن العربي الفلسطيني الذي يقطن اسرائيل له ممثله في البرلمان الاسرائيلي. و ليس فقط  له حق التصويت في الانتخابات بل أنه ُيشجع على المشاركة فيها. فهل يستطيع احدا أن يذكر اسم دولة عربية واحدة ترحب أو تسمح ليهودي بتمثيل سياسي او حتى الحصول على مساواة في قانون عادل وغير منحاز.

 

أنا لا أعتقد بأن الصراع العربي-الاسرائيلي هو صراع اديان أو صراع على اراضي وأنما صراع بين الديمقراطية وبين كتلة الحكام الدكتاتوريين.

 

نعم - أن الفلسطينيين فقدوا الكثير. ولكن توجد عشرات المنظمات العالمية التي تقدم لهم المعونة المادية والانسانية بشكل يومي تقريبا. ولا زالت تشير لهم "باللاجئين" حتى بعد 57 سنة. ولكن ما موقف هذه المنظمات أو أي منظمة اخرى مما تكبد مليون يهودي مهجر من الدول العربية من خسارة وفقدان لاملاكهم واموالهم؟ أنا ومع الاسف عشت هذه الفترة  فأنا لا أتكلم عن نفسي فقط وأنما عن كل من  ُقلعت  جذوره وُطرد من بلده. فقد ُحرمنا وُمنعنا من أي تعويضات. والمحزن هو أننا نقف الان مكتوفي الايدي لا حول لنا و لا قوة ونحن نرى كيف ُيخفى تراثنا، لغتنا، تاريخنا وحضارتنا العربية اليهودية بالتدريج وبطريقة مدروسة ومقصودة.

 

اليهود الليبيون لم يطالبوا ابدا بدولة مجاورة لليبيا. اليهود المغاربة لم يطالبوا بتاتا بدولة مجاورة للمغرب. الشئ نفسه بالنسبة لليهود السوريين, اليهود الايرانيين واليهود العراقيين. لم يبقى لنا سوى الاستسلام للأمرالواقع والقبول بالغربة في المهجر ولكن حرقة الحنين تعذبنا.

 

أما أذا كان تحقيق السلام في الشرق الاوسط سيكون بتكوين دولة فلسطين, فدعونا نعيش جنبا الى جنب كجيران. دعونا نزدهر معا. فليترك الفلسطينيون فكرة الويل على النكبة, وليستغلوا الفرصة لتأهيل دولتهم اليافعة لتصبح من ضمن الدول المتحضرة: وذلك بواسطة التخلي عن العنف، التشجيع على التسامح والتفاهم، تثقيف مواطنيها وتأهيلهم لمستقبل احسن، وتشكيل حكم ديمقراطي. الهدف يجب أن  يكون التقدم والبناء والعيش بسلام وليس الموت والقتل والهدم لأنه ليس شئ مشرف.

 

منذ أبعادي ونفيي من ليبيا، لم أنسَ وطني ابدا. الى يومنا هذا احلم بزيارة مسقط رأسي. بقي هذا الامل يعشعش في قلبي لمدة 37 عاما. فقطعت على نفسي عهدا ان ابدأ بأتخاذ خطوات ولو صغيرة لمحاولة تحقيق هذا الامل بمد  يد التأخي, الصداقة والسلام الى مثقفين عرب لكي نبني جسور التقارب. ففي عام 1993 عملت مع بعض الزملاء على ترتيب زيارة حج لـ190 حاج ليبي لزيارة القدس. وخلال السنين الاربعة الاخيرة بادرت بإقامة المؤتمر الاول ليهود ليبيا في المملكة المتحدة، الذي ادى الى تأسيس جمعية يهود ليبيا في المملكة المتحدة, والتي انتخبت لرئاستها. الهدف من تأسيس هذه الجمعية هو أتاحة المجال للطائفة اليهودية الليبية للحفاظ على التقاليد, الموسيقى والتراث الليبي التي ورثناها عن اجدادنا والتي نعتز بها جدا. فلذلك نريد الأجيال القادمة أن تعتز بها مثلنا. كذلك نشرت عدة مقالات في الجرائد ومواقع الانترنت وفيها طلبت العدالة ليس ليهود ليبيا فقط وأنما لكل ليبي صودرت املاكه وجمدت امواله وانتهكت حقوقه الانسانية. ردود الفعل كانت هائلة وايجابية ومساندة الاخوات والاخوة الليبيين مسلمين ويهود من جميع انحاء العالم قوٌت من عزيمتي لمواصلة الطريق.

 

لقد تكبدنا ضربة قاسية من ليبيا ولكن عندما تضرب الام ولدها هذا ليس معناه أن الولد سيرد بالمثل, ليبيا هي الام ونحن ابناءها يهودا كنا ام مسلمين. نحن لا نكن الكراهية لوطننا رغم أن الم الصفعة لا زال يدوي في أذاننا.

 

في الفترة الاخيرة, اقدمت القيادة الليبية على اتخاذ بعض الخطوات للانفتاح الى الغرب مما أدى الى ارجاع بعض الامل عند يهود ليبيا المهجرين, خاصة بعد التصريحات التي رحبت برجوع اليهود الى وطنهم واعتبار اليهود ابناء ليبيا. ولكن لحد الآن كل هذه التصريحات ليست الا مجرد كلام. المحير في الامر هو ما معنى الخطوة التي اخذت من قبل الزعيم معمر القذاقي الذي كان شجاعاً لسن قانون في عام 1974 والذي وافق عليه المجلس الشعبي بالاجماع, والذي يقضي بالمحافظة على حقوق يهود ليبيا وتعويضهم بعدالة على الاموال والاملاك التي صودرت منهم خلال 20 سنة من اصدار القانون. لقد مرت 30 سنة من اصدار القانون ولا زلنا ننتظر.

 

وبحق التعايش السلمي لقرون عديدة اسمح لنفسي بتقديم طلبي من هذا المنبر لقائد الثورة، معمر القذافي، والتي تتلخص على النحو التالي:

 

*  الاتاحة لعائلتي لاستلام رفاة ثمانية اعضاء عائلة عمي المكونة من عمي , زوجته وستة اطفالهم والذين ُقتلوا في 1967 على يد ضابط في الجيش الليبي.

*  رغبة عائلتي أن  تدفن  ضحاياها  حسب شريعة الدين اليهودي والذي كان يجب أن يحصل قبل  37 عاما.

 *  تلبية امنية والدتي التي تجاوزت عقدها الثامن لزيارة مسقط رأسها. ستكون عمل رمزي بسيط لأمرأة كبيرة في السن ولكن صداها سيكون كبيراً في جميع أنحاء العالم.

 

العالم العربي يتواجد الان في مفترق طرق حساس للغاية. هناك مؤشرات تدل على ان عدداً من الحكام في الشرق الاوسط بدأ يتقبل أن سيطرة الحزب الواحد على السلطة هي أمر خطير وفي النهاية لا بد أن يؤدي الى نتائج سيئة جدا. حسب انطباعي انه يوجد الان تزايد في الوعي عند المثقفين العرب، كما هو ظاهر من المشاركة الفعالة في هذا المؤتمر, وأنه قد آن الاوان للبحث عن الحقيقة والرفض القاطع لتحريف الاحداث والدعاية الكاذبة, وأخذ الوقائع التأريخية بنظر الاعتبار ومن ثم أخذ العبر والعظة منها, والمطالبة بنهاية القمع, الجهل والفقر.

 

أنها عملية بطيئة مليئة بالعراقيل, ولكن امنيتي الصادقة أن نحضى يوما ما برؤية ميثاق يحفظ حق المواطن العربي بالمشاركة بالميادين الاجتماعية, السياسية, الاقتصادية والمدنية بغض النظرعن جنسه, عرقه أو عقيدته.

 

ولكي انهي كلمتي هذه بنظرة متفائلة للمستقبل فدعوني اشير بأن معاملة اليهود في بلدهم, اينما كان, تستعمل كمؤشر لمعاملة الدولة  لاقلياتها. فأذا نظرنا الى التاريخ سنرى أن في حوالي القرن 15 وقبل ان  ُطرد اليهود  والمسلمين من اسبانيا وقبل مآسي  محاكم التفتيش الاسبانية, تمتع اليهود والمسلمين بالعهد الذهبي. وتطورت الدولة في كثير من المجالات منها الثقافة,التجارة ,العلم والاقتصاد.

 

 دعونا نبذل قصارى جهدنا لتثقيف وتعليم أبنائنا ولتكن حكمة اجدادنا النور الذي ينور الطريق لمستقبل زاهر.

 

الله معكم والسلام لكم ولنا جميعا.

 

 

*رئيس الجالية اليهودية الليبية في المملكة المتحدة. كلمة ألقيت في مؤتمر الأقباط بواشنطن

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع