Middle East Transparent

01 نوفمبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

الزرقاوي التحق بـ"القاعدة" في شهر أكتوبر بعد أن تبنّى بن لادن إستراتيجية

 "الجهاد ضد الشيعة"

"الجهاد السنّي" ضد الشيعة يلتقي مع سياسات الإستخبارات الباكستانية .. والسعودية

عناصر إستخبارات صدّام التحقت بالزرقاوي ووضعت إمكاناتها وشبكاتها بتصرّفه

بيار عقل

 

في خضم معركة الفلّوجة، تراجع جهاز "السي آي أي" الأميركي عن المعلومات التي كان روّجها سابقاً حول "أبو مصعب الزرقاوي"، وبينها أن ساقه كانت قد قطعت، وأنه كان ينتمي أصلاً لتنظيم "القاعدة"، أي المعلومات التي كان وزير خارجية أميركا، "كولين باويل"،  قد أعلنها من منبر "الأمم المتحدة"  قبل غزو العراق!

 

وتميل أوساط إستخبارية غربية، الآن، إلى اعتماد "رواية" مختلفة لسيرة الزرقاوي، وعلاقته المزعومة مع بن لادن. وتلتقي هذه الرواية الجديدة مع معلومات أوساط أصولية تتمتّع بمصداقية كبيرة كانت، منذ أكثر من عام، تشكّك بصحة رواية قطع ساق الزرقاوي، وتشكّك برواية إنتمائه لـ"القاعدة"، بل وتشكّك في "أهمية" الزرقاوي، وأحياناً في ما إذا كان الزرقاوي ما يزال على قيد الحياة!

 

تستند معلومات الإستخبارات الغربية، في ما يتعلق بالبدايات الجهادية للزرقاوي، إلى معلومات الإستخبارات الأردنية. ومفادها أن الزرقاوي سافر إلى أفغانستان في مطلع التسعينات، ولكن مستواه التعليمي المنخفض وأخلاقه الشبيهة بأخلاق "الزعران"والعصابات لم تقرّبه من"الأرستقراطية" الجهادية الممثّلة في "إبني العائلات"، أي أسامة بن لادن وأيمن الظواهري (حول مسألة "إرستقراطية" الظواهري: ليست فقط لجهة جدّه، الأمين العام للجامعة العربية، بل بحكم علاقته "العائلية" مع أسرة "الفيصل"، بفضل زواج الملك فيصل مع الملكة "عفّت"، وهذا ما يجعل من الزرقاوي "إبن عم" آل الفيصل...).

 

ولهذا السبب، ربما، قام الزرقاوي بتأسيس مجموعته الخاصة، بمساندة جهاز الإستخبارات الباكستاني، أي جهاز ISI الشهير. ويحتمل، أيضاً، أن يكون الزرقاوي قد حُظِيَ ببعض التعاطف من جانب الإستخبارات السعودية التي كانت تسعى (في مطلع التسعينات) لإضعاف التيّار الذي يمثّله بن لادن.

 

أين كان الزرقاوي بين مطلع التسعينات والعام 2001، حينما أعلن الأميركيون عن وجوده في العراق؟ هذه النقطة مهمّة. ولكن لا تتوفّر معلومات حولها.

 

بعد هذه الفترة التي لا تتوفّر معلومات كثيرة حولها، انتقل الزرقاوي إلى العراق قبل أشهر من الغزو الأميركي. وقد استقبله النظام العراقي ليس بسبب علاقته مع "القاعدة" بل، ربما، بسبب إستقلاليته عن "القاعدة". وبفضل استقبال النظام العراقي له، أي تحديداً الإستخبارات العراقية في عهد صدّام، فإن سقوط صدّام أمّن له إنضمام عناصر الإستخبارات من النظام السابق لتنظيمه، وأمّنت له تسخير إمكانات الإستخبارات العراقية السابقة لخدمة عملياته (راجع بيان "عزت الدوري يبايع أبو مصعب الزرقاوي").

 

الزرقاوي يسعى للإلتحاق بـ"القاعدة" وبن لادن يتجاهل طلبه!

عند هذه النقطة الحاسمة، تقول المعلومات الغربية أن الزرقاوي، رغم امتداد نفوذه في "المثلّث السنّي"، سعى بكل جهده للإلتحاق بـ"القاعدة" ولمبايعة أسامة بن لادن "أميراً للمؤمنين". وتضيف المعلومات الغربية أن قيادة "القاعدة" نفسها تجاهلت طلبات الإلتحاق التي صدرت عن الزرقاوي.

 

ولكن، خلال شهر أكتوبر 2004 الماضين أي قبل حوالي أسبوعين فحسب، وفي ذروة معركة الفلّوجة، حصل الزرقاوي في ما يبدو على "مباركة"أسامة بن لادن له،

 وقام أنصاره بمبايعة بن لادن أميراً أعلى لهم.

 

كيف يفسّر المراقبون الغربيون هذا السلوك الغريب؟ يقول الكاتب في جريدة "الفيغارو"، ألكسندر أدلير، أن السبب الذي دفع "القاعدة"، في الفترة الأولى، للعزوف عن تبنّي الزرقاوي وعمليّاته كان عاملاً أساسياً، وليس عاملاً تفصيلياً، وهو "المسألة الشيعية".

 

يضيف أدلير: "ليس هنالك شك على الإطلاق في أن ما يسمّى الجهاد ضد الإحتلال الأميركي يخفي وراءه، في نظر الزرقاوي، جهاداً حقيقياً ضد الشيعة ("الخونة منذ ألف سنة")! ويكون هذا "الجهاد ضد الشيعة" ضمنياً حينما تستهدف العمليات الإرهابية القوى المسلّحة العراقية الجديدة ذات الأغلبية الساحقة من الشيعة (حادثة إغتيال 50 متطوّعاً، والتمثيل بجثثهم قبل أيام). ولكنه يصبح جهادأ "صريحاً" ضد الشيعة حينما يتخذ شكل عمليات إرهابية فظيعة ضد النجف الأشرف في يوم عاشوراء بالذات" في العام 2003.  (راجع "رسالة الزرقاوي بالصوت والنص")

 

وقد أعلن الزرقاوي"جهاده"ضد الشيعة بصورة تخلو من الغموض في بيانات نُسِبَت إليه، ونشرناها على هذا الموقع. كما صدرت عن الجماعات الجهادية السنّية في العراق ردود فعل سلبية تجاه الأنباء التي روّجت لإمكانية دعم الجماعات السنّية لـ"الشيعي" مقتدى الصدر. وقد نشرنا في حينه بيانات النفي المذكورة. كما لاحظنا مدى "الحدّة" الذي اتّسم به النفي الأصولي لأي تقارب مع الجماعات الشيعية المسلّحة. وكأن مجرّد طرح هذه الإمكانية يمسّ نقطة "حسّاسة" في الإستراتيجية الأصولية في العراق.

 

لكن، يبقى السؤال:لماذا لم يقبل أسامة بن لادن، في البداية، بهذا الطرح الزرقاوي المعادي لشيعة العراق إلى أبعد الحدود؟ فأسامة بن لادن "الوهّابي" يكره الشيعة تماماً كما يكرههم الزرقاوي. وينقل الكاتب الباكستاني أحمد رشيد، في كتابه عن "الطالبان"، الذي تُرجِم إلى عدة لغات، أخبار "المجازر" التي ارتكبها بن لادن وجماعته ضد الشيعة ("الهزارة") الأفغان. (بل إن الأفغان "الطاجيك" أنفسهم، الذي كان ينتمي إليهم أحمد شاه مسعود، هم من "السنّة"، ولكنهم يتحدّثون اللغة الفارسية، وينتمون إلى "العالَم الفارسي" ثقافياً، بل وسياسياً إلى حدّ ما). أي أن أحداً لا يستطيع أن ينكر على بن لادن عداءه المطلق للشيعة.

 

ومع ذلك، تفيد معلومات يصعب التحقّق منها أن بن لادن كان يردّد أن الخميني كان رجلاً عظيماً، وأن حزب الله اللبناني خاض جهاداً بطولياً ضد إسرائيل، وأن الأصولية الشيعية المحاصرة (حتى في بلدها، إيران، حيث يقف المجتمع وخاصة فئة الشباب ضد سلطة رجال الدين) ستجاهد تحت رايته هو آجلاً أم عاجلاً!

 

إن هذا الكلام المنسوب لأسامة بن لادن قد يدخل في خانة "الغموض التكتيكي"، الذي يبرع فيه بن لادن نفسه، كما يبرع فيه الإيرانيون أنفسهم، وهم يُعتَبَرون "أساتذة" في ميدان "الغموض" و"المواقف المزدوجة".  ولكن نفس المصادر تقول أن هذا الموقف "المهادن" للشيعة من جانب أسامة بن لادن كان يتعارض مع سياسات "أصدقائه" في الإستخبارات الباكستانية الذين "يكافحون" الشيعة الباكستانيين داخل باكستان (راجع مقال واجد شمس الحسن بعنوان:  لماذا وقعت باكستان في قبضة العنف الطائفي؟) كما يكافحون العملاء الإيرانيين داخل أفغانستان.

 

قد يكون التفسير الأفضل لتردّد بن لادن في الموضوع الشيعي هو أن المسؤول العسكري للقاعدة، الضابط المصري السابق "سيف العدل" (الذي تفيد معلومات جديدة أنه كان على علاقة "حميمة" مع المصري الآخر محمد عطا)، وعدداً من كوادر "القاعدة"، اختاروا اللجوء إلى إيران، ووضعوا أنفسهم تحت حماية الدولة الإيرانية، بعد اندحار الطالبان وهزيمة "تورا بورا".

 

 

إن نقطة لجوء هذه المجموعة من "القاعدة" إلى إيران تبدو مؤكّدة، ولا تنفيها إيران نفسها. ولكن يمكن الجزم بأن أسامة بن لادن وأيمن الظواهري لم يكونا بين المجموعة التي لجأت إلى إيران. لماذا؟ طبعاً، لأن إيران يمكن أن "تبيع" مثل هذا "الصيد الثمين" للأميركيين. ولكن أيضاً، لأن الأوساط الأصولية تتداول معلومات بأن عراق صدّام حسين كان قد دفع مبالغ مالية محددة لأيمن الظواهري أثناء وجوده في السودان (200-300 ألف دولار) مقابل عمليات ضد النظام المصري)، في حين رفض الإيرانيون رفضاً قاطعاً أي تعامل مع أيمن الظواهري. بل، وتردّد مصادر أصولية أن الإيرانيين قاموا بـ"مبادرة غير مألوفة" حينما وجّهوا "رفضاً مكتوباً" لأي تعامل مع أيمن الظواهري! أي أنهم قطعوا "شعرة معاوية" مع الظواهري بصورة غير مألوفة في السياسة الإيرانية!  ولهذا السبب، كان الظواهري سيقوم بما يشبه عملية "إنتحارية" لو اختار الفرار من أفغانستان إلى إيران.

 

منذ وصول"سيف العدل"وجماعته إلى إيران، تتّخذ السلطات الإيرانية موقفاً غامضاً تجاههم. فهم يخضعون للإقامة الجبرية (ليس جميعهم، حيث أن قسماً منهم عاد إلى مناطق البشتون في أفغانستان، وخصوصاً في المنطقة التي يسيطر عليها الملا "جلال الدين حقّاني"، الذي يملك وزناً دينياً وسياسياً مستقلاً عن الطالبان)، ولكن إيران- التي تعترف بوجود عناصر من "القاعدة" فيها- ترفض تسليمهم للأميركيين.

 

شرق أوسط ذو غَلَبَة شيعية بالتفاهم مع الأميركيين؟

لماذا؟ عدا إمكانية "المقايضة" بهم، فإن مصير جماعة "القاعدة" الموجودين في إيران يرتبط بالصراع الدائر، ضمن السلطة الإيرانية، بين الإتجاهات التي ترغب في العودة إلى سياسات متشدّدة لا هوادة فيها ضد الأميركيين، هذا من جهة، والإتجاهات التي تعتبر أن "ورطة" الأميركيين في العراق ستدفع واشنطن إلى التعامل مع طهران مباشرةً، وستقنع الأميركيين بالموافقة على نشوء "شرق أوسط جديد ذي غَلَبَة شيعية" يكون "محور طهران-بغداد" محوَرَه الأساسي.

 

وإذا صح هذا التصوّر "فهنالك داخل ما يسمى المحافظين في إيران، أي في صفوف "الملات أنفسهم، صراعاً بين جناح إسلامي وعروبي مناوئ للأميركيين ولإسرائيل بقوة، وجناحٍ مقابل (آية الله روحاني.. وغيره) يركّز على المصالح "الإيرانية" بالمعنى الضيّق، ويتعامل بصورة "براغماتية" مع الخصوم الأميركيين والإسرائيليين.

 

إن متابعة تطوّرات "الملف النووي"الإيراني يمكن أن تشكّل "مؤشّراً"جيّداً لتطوّرات

هذا الصراع داخل إيران نفسها.

 

 

كيف ينعكس هذا الإنقسام الإيراني في شيعة العراق؟

 تقول المعلومات الغربية أن صراعات صيف 2004 أظهرت أن مقتدى الصدر يجسّد هذا الإتجاه الإيراني الأول، في حين يمثّل آية الله السيستاني الإتجاه الثاني.  وقد تمتّع مقتدى الصدر بدعم حزب الله اللبناني (الذي كان يدعو لوحدة الشيعة والسنّة ضد الأميركيين)، كما تمتّع بدعم جماعات السلطة الإيرانية التي طالبت باتخاذ موقف متشدّد من موضوع إمتلاك إيران للتكنولوجيا النووية.

 

بالمقابل، كان السيستاني يتمتع بدعم وزارة الخارجية الإيرانية، بل وبدعم "بعض"أجهزة الإستخبارات الإيرانية.ولهذا السبب، قام الزرقاوي باختطاف وحجز أحد مسؤولي جهاز "السافاما"الإيراني الرسمي لمدة شهرين، وذلك ردّاً على "التنسيق" الذي كان قد نشأ بين "السافاما" والقوات الأميركية والبريطانية.

 

إن انتصار السيستاني "السلمي" على مقتدى الصدر يجسّد هزيمة الجناح الشيعي الأكثر تشدّداً. وهذا يقفل الباب أمام أي "تحالف ظرفي" بين "الجهاد السنّي" (ممثّلاً بالزرقاوي) و"الجهاد الشيعي" الذي يبدو أن طهران قد تخلّت عنه.

 

كيف سيؤثّر هذا التطوّر على حزب الله في لبنان؟

 المعلومات المحدودة المتوفّرة تفيد أن الشيخ فضل الله مقرّب جداً من آية الله السيستاني وأنه (أي فضل الله) يرغب في الإنتقال إلى النجف. وكان الشيخ فضل الله قد حرص في ذروة معركة مقتدى الصدر على تجنّب إصدار فتاوى تدعو للجهاد ضد الأميركين. بالمقابل، يظلّ الشيخ حسن نصرالله قريباً من السوريين، مع العلم بأن هنالك تباعداً واضحاً بين إيران وسوريا.

 

إن هذه التطوّرات الإيرانية بصورة خاصة يمكن أن تفسّر قرار أسامة بن لادن بتبنّي "الجهاد المناوئ للشيعة"الذي أعلنه الزرقاوي (وحلفاؤه من بقايا إستخبارات صدّام حسين) في العراق. هذا يعني عملياً التخلّي عن جماعة "القاعدة" الباقين في إيران، وهذا تطوّر يستحق المتابعة.. كما أنه يتعارض مع مصالح بن لادن في المدى القريب، حيث أن الإحتفاظ بعلاقات ودية محدودة مع إيران يمكن أن يفيده في حربه ضد الأميركيين في أفغانستان.

 

"ولكن هذا التطوّر يلتقي إلتقاءً تاماً مع سياسات جهاز الإستخبارات الباكستاني المشترك ISI وغالبية ضباط الجيش الباكستاني."

 

ويقول ألكسندر أدلير، في "الفيغارو"الفرنسية أن هذا التطوّر يلتقي أيضاً مع سياسات "الجناح الذي لا يقلّ تطرّفاً في الإستخبارات السعودية والذي يعتقد- ضد الأمير عبدالله- أن خطّ الدفاع الأول عن المملكة يمرّ بصراعٍ لا هوادة فيه ضد شيعة العراق المعتدلين، سواءً كانوا مقرّبين من طهران أو كانوا مقرّبين من واشنطن."

 

إن هذا الكلام حول الدور السعودي سيثير دهشة أو "استهجان" البعض. ولكن مئات السعوديين موجودون في العراق إلى جانب الزرقاوي ورجاله. ومسرحية "وساطة سفر الحوالي" بين الأصوليين والدولة السعودية لم تنتهِ فصولها بعد. وما زال دعاة الإصلاح في سجن عليشه بالرياض بدون سبب أو مبرّر. كما أن معركة الصراع على السلطة في السعودية لم تُحسَم بعد، وإن كانت الدلائل تشير إلى أن الأمير عبدالله ربما يخرج منها خاسراً، رغم ما يلقاه من تأييد شعبي داخل السعودية، ومن تمنّيات بالتوفيق خارجها.

 

 

مواضيع ذات صلة:

 

The Trial of Saudi Liberals and its Implications for Saudi Arabia,

the US and the Nascent  Arab “Civil Society” movement

 

 

للتعليق على هذا الموضوع