27 فبراير 2005

 

"رفاعي طه" و"السبعاوي" و"علمانية" البعث

بيار عقل

 

قبل سنتين، اكتشفت السلطات السورية فجأة أن أمير "الجماعة الإسلامية" المصرية، "رفاعي طه"، موجود في سجونها (ربما بتواطئ إيراني)، فقرّرت تسليمه لمصر. هكذا، بدون إعلان، وبدون ضجّة، ومن غير أية ضمانات من نوع الضمانات  التي تطلبها الدول المتمدّنة حينما تسلّم مطلوباً لبلده. وقبله، "رحّلت" تركيا "عبدالله أوجالان"، بعد أن كشّر جنرالات أنقره عن أنيابهم، وسهّلت تسليمه للسلطات التركية.

 

وقبل أسابيع، أكّدت السلطات السورية أنها تتعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب البعثي-الأصولي في العراق، بل وزعمت أن أسماء البعثيين العراقيين الموجودين في سوريا، التي قدّمها الديبلوماسيون الأميركيون للسلطات السورية، كانت أسماء "وهمية".

 

وفجأة، اكتشفت سوريا أن مجرما نازياً يدعى "سبعاوي"، هو الأخ غير الشقيق لصدّام حسين، يقيم في أراضيها معزّزاً مكرّماً، فسلّمته إلى الأميركيين في العراق، مع حفنة من أتباعه. وحسناً فعلت. وهي تستعدّ، في ما يبدو، لتسليم "وجبة جديدة" من بقايا البعث.

 

لماذا تم تسليم "سبعاوي" للأميركيين (وليس للعراقيين) اليوم؟ لأن سوريا محشورة في لبنان، وهي لم تفقد الأمل بعد في "صفقة" أميركية-سورية على حساب لبنان.

 

ماذا تبقّى في "كهوف" النظام السوري؟ وهل للسوريين علاقة بما يُشاع عن إعتقال "مساعدين" للزرقاوي؟

 

ألا تعني "يقظة الضمير" السورية هذه أن النظام السوري متورّط في الأعمال الإجرامية (قناة "الجزيرة" ووسائل إعلام كثيرة في السعودية تسمّيها أعمال "مقاومة") التي دفع ثمنها الشعب العراقي عشرات الألوف من القتلى. لا مفرّ من أن نتوجّه بالشكر إلى "الضغوط الأميركية" التي وفّرت على العراقيين عشرات الألوف من القتلى الجدد.

 

لكن، أليست هنالك "مفارقة" في دعم البعث السوري للزرقاوي "الأصولي" والبعث معاً؟ وفي دعمه، بالأمس، القريب لمقتدى الصدر؟ الزرقاوي يرفع شعار إبادة الشيعة، و"المقاومة البعثية" ترفع لواء الدفاع عن السنّة! ومقتدى الصدر رفع لواء الثورة الشيعية. فأين يقف "البعث السوري" من هؤلاء؟ ببساطة، البعث السوري مع البعث العراقي ومع الزرقاوي ومع مقتدى الصدر!

 

إن "درس" تسليم سبعاوي ومساعدي الزرقاوي هو أن النظام السوري، على غرار نظام صدام حسين، هو نظام "علماني"، بالمعنى "البشع" للكلمة. وهو درس يُحسِن أن يتمعّن به المثقّفون العرب (وبينهم أصدقاء لهذا الموقع) الذي اندفعوا في إضفاء طابع "مذهبي" على النظامين العراقين والسوري. البعث إيديولوجية فاشية، والبعث نظام فاشي، وليس ممثّلاً لطائفة أو مذهب. ولم يتورّع أي من النظامين، في يوم من الأيام، عن الإيغال في دماء السنّة والشيعة والعلويين والمسيحيين واليهود، إلخ.

 

هنالك فارق أساسي بين "إستخدام" الورقة الطائفية- وهذا ما يسعى له النظام السوري في لبنان حالياً- وبين أن يكون هذا النظام ممثّلاً لطائفة. وعلى النخبة العربية أن تحذر من الإنخراط في هذه اللعبة "البعثية".

 

مرّة أخرى، "العلمانية" ليست نظرية "مستوردة من الغرب". "العلمانية"، بتعريفها العربي، هي "صمام الأمان" لمجتمعات "متعدّدة" الطوائف والإثنيات والعصبيّات. و"العلمانية" هي التي تحوّل هذا التعدّد إلى ما يشبه حديقة أزهار متنوّعة، بدلاً من أن تكون مشروع "مجازر" لا تنتهي.

 

وحتى لو كانت العلمانية "مستوردة"، مثل "الكوكاكولا"، فهل يملك أحد حلاً أفضل؟

 

للتعليق على هذا الموضوع