31 يناير 2005

 

 

 

رسالة جديدة لأيمن الظواهري

"تحرير الإنسان والأوطان تحت راية القرآن"

وجّه الرقم 2 في "القاعدة" رسالة جديدة بالنص والصوت يبدو أنها حديثة بدليل أنها تشير إلى إتفاقية المناطق الصناعية المشتركة بين مصر وإسرائيل، إذ يقول الظواهري: "لا يمكن أن يتحقق لنا إصلاح وحكامنا يسعون في سياسة التطبيع مع إسرائيل لتدمر اقتصادنا تحقيقاً لمصالحهم الشخصية، كما وقع النظام المصري اتفاقية الكويز مع إسرائيل لحساب جمال مبارك وعصابته." كما تنتقد الرسالة الإنتخابات الفلسطينية في ظل الإحتلال الإسرائيلي، مما يعني أنه تمّ تحريرها بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات.

 والرسالة بعنوان "تحرير الإنسان والأوطان تحت راية القرآن". ويعود الظواهري فيها إلى فكرة "جهادية" قديمة هي فكرة الإنقلاب العسكري ضد الأنظمة إذ يقول أنه "وفي هذه المعركة الكبرى يعظم دور الضباط والجنود باعتبارهم الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها الأنظمة في قمع شعوبها وفي استمرار سياستها الموالية للصليبيين واليهود، وباعتبارهم أداة التغيير الأساسية في بلادنا". كما يتطرّق إلى قضايا "تغيير المناهج" و"طرد القوات الأمريكية الصليبية من منابع بترول المسلمين" لكي "نبيعه بالسعر الذي نريده".

ويعتبر الظواهري أن "الحرية عند معلمي الحرية الأمريكان تعني.. إباحة التحلّل والشذوذ والسخرية من الدين والأنبياء والأخلاق، وتغيير مناهج التعليم". كما يعود الظواهري إلى شعار "تدمير إسرائيل". ويطرح 3 مبادئ لمعركته هي "حاكمية الشريعة"، و"حرية ديار الإسلام"،و"تحرير الإنسان". ولا ينسى الظواهري "المال باعتباره عصب الحرب ووقودها" داعياً إلى تقديم "الزكاة" لـ"المجاهدين ولدعم الجهاد ضد الصليبيين واليهود".

وقد يكون الجديد الأهم في الرسالة هو أن الظواهري ما يزال طليقا ًوقادراً على توجيه رسائل لأنصاره، ولو أن وصول هذه الرسالة والرسالة التي سبقتها بات يستغرق بضعة أسابيع وليس أياماً.

بيار عقل

 

نص رسالة أيمن الظواهري:

بسم الله الرحمن الرحيم

تحرير الإنسان والأوطان تحت راية القرآن

إن الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

(يا أيها الذينَ آمنوا اتقوا اللهَ حقَ تقاتِهِ ولا تموتنْ إلا وأنتم مسلمونَ)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وقولوا قولاً سديداً يصلِحْ لكم أعمالَكُم ويغفرْ لكم ذنوبَكم ومنْ يطِعِ اللهَ ورسولَهُ فقدْ فازَ فوزاً عظيماً).

أيها الإخوة المسلمون في كل مكان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  

وبعد

تسعى أمريكا منذ فترة إلى ترسيخ وجودها العسكري الصليبي في العالم الإسلامي.

ومن وسائل ترسيخ هذا الوجود دعم الكيان الصهيوني باعتباره موطىء القدم الأساسي للغزو الصليبي لعالمنا الإسلامي، ولذلك لا يمكن اعتبار احتلال اليهود لفلسطين قضيةً اقليميةً محصورةً في فلسطين تتعلق بالفلسطينيين فقط، بل هي في ميزان الإسلام عدوان على ديار الإسلام باعتبار أن المسلمين أمة واحدة بلادهم بمنزلة البلد الواحد، وفي ميزان أي تحليل محايد يتضح أن الكيان الصهيوني ما هو إلا طليعة متقدمة للحملة الأمريكية للسيطرة على الشرق الإسلامي، وما هو إلا جزء من حملة ضخمة ضد العالم الإسلامي تحالف فيها الغرب بزعامة أمريكا مع الصهيونية العالمية.

وبمجيء الإدارة الحالية للبيت الأبيض تصاعدت الروح الصليبية الحاقدة لذروة حماقتها في الدعم والتأييد لإسرائيل، ولم تكن هذه الإدارة الحمقاء تتوقع أن تواجه -بفضل الله- بهذه المقاومة الإسلامية الجبارة  لاستكبارها وتجبرها، تلك المقاومة التي بلغت أوجها بغزوتي نييورك وواشنطن المباركتين.

وكالثور الأعمي قررت أمريكا أن تغزو أفغانستان، ثم زادت في حماقتها وقررت أن تغزو العراق، فاكتشفت أمريكا أنها قد غاصت لآذانها في أكبر ورطة تعرضت لها في تاريخها، وأن ما أرادته من شن حملة لإرعاب وإرهاب المسلمين ارتد عليها استنزافاً متدفقاً لدماء الأمريكان واقتصادهم، وكشفاً لأخلاقهم المتدنية ونفاقهم المبدئي، وورطة لا مخرج منها إلا بإعلان أمريكا لهزيمتها وانسحابها، والتسليم بقوة الأمة المسلمة المتوكلة على الله، بكل ما يعني ذلك من نتائج كارثية على الأمبراطورية الأمريكية وحلفائها الحاكمين في عالمنا الإسلامي، خاصةً وهي قد شاهدت كيف تفكك الاتحاد السوفيتي وتدهور نفوذه بعد انسحابه مهزوماً من أفغانستان. بعد أن سلم بالهزيمة في حرب استنزاف كادت أن تقضي على موارده دون تحقيق أي نصر أو مد لمناطق نفوذه. بل على العكس انتهى إلى غير رجعة -بعدها بسنتين- ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي.

ولذلك تسعى الولايات المتحدة بكل وسيلة أن تحارب الأمة المسلمة في عقيدتها التي تمثل الخطر الأكبر لوجود أمريكا المستكبر، خاصةً وقد بدأت الأصوات تتعالى في داخل أمريكا ألا أمل في الانتصار على ما يسمونه بالإرهاب -وهي التسمية الكاذبة للجهاد- إلا بتغيير أفكار المسلمين وعقولهم، وأن المواجهة العسكرية معهم لن تؤدي إلا لمزيد من الخسائر لأمريكا بل قد تزلزل بنيان الامبراطورية الإمريكية.

وبدلاً من أن تراجع أمريكا نفسها وتتساءل عن السبب الذي دفع المسلمين لإنزال هذه الخسائر الفادحة بها، ركبت رأسها وتمادت في غيها وعنادها وراحت تفكر كيف تغير عقائد المسلمين وأفكارهم حتى يقروا بمشروعية جرائم أمريكا ضد الإسلام والمسلمين، ومن هنا جاءت هذه الدعوات التي تزعم أنها ستحرر المسلمين من الجهل والتعصب والكبت وتحلق بهم في أفق من الحرية والعدالة والمعرفة.

ومن المضحك المبكي أن هذه الدعوات تنظر إلينا بعين عوراء وفكر متعصب متجن، فالحرية عندهم لا تعني مطلقاً أن نقرر إزالة إسرائيل، ولا تعني أن نتساوى مع إسرائيل في الأسلحة التقليدية والغير تقليدية، ولا تعني أن نختار الإسلام منهجاً للحياة، ولا تعني أن نطرد القوات الأمريكية الصليبية من منابع بترول المسلمين ولا أن نبيعه بالسعر الذي نريده، ولا أن نعلم أبناءنا المناهج التي نختارها لهم، ولا أن نعين إخواننا المعتدي عليهم في فلسطين وأفغانستان وكشمير والشيشان، ولا تعني أن نعلن الجهاد ضد أمريكا وجرائمها، ولا تعني أن نعمل على التخلص من عملاء أمريكا المسلطين علينا بالقهر والتزوير، ولا تعني أن نختار بإرادتنا الحرة حكامنا الذين يسعون لتحرير أراضينا واستعادة ثرواتنا المسلوبة.

الحرية عند أمريكا لا تعني -بأي حال من الأحوال- أياً من ذلك حتى وإن اخترناه وصممنا عليه بكامل إرادتنا واختيارنا، لإن كل ذلك في نظر الأحرار الأمريكان تعصب ورجعية وجهل بل وتمرد على السلطان الأمريكي والطاغوت الصليبي اليهودي المتحكم في بني البشر. وهذا الجهل والتعصب يجب أن يواجه بالقهر والكبت والتزوير والاحتلال والقصف والتدمير وقتل عشرات الآلاف من النساء والأطفال قرباناً على مذبح الحرية الأمريكي.

الحرية عند معلمي الحرية الأمريكان تعني مجموعةً من المضحكات المبكيات تشمل الإقرار باستيلاء إسرائيل على أراضينا وتمددها كل يوم وتوسعها على حسابنا، وتعني عجزنا المطلق عن أية مواجهة مع الكيان الصهيوني، وتعني إيقاف أية مقاومة للعدوان اليهودي على أمتنا، وتعني إباحة التحلل والإباحية والشذوذ والسخرية من الدين والأنبياء والأخلاق، وتعني تغيير مناهج تعليم أبنائنا لنعلمهم أن إسرائيل مظلومة ولم تحصل على كل مستحقاتها من أمتنا، وأن إسلامنا هو مجموعة من العقائد الجامدة المتعصبة التي ربما كانت صالحةً في غابر الأزمان أما الآن فلا مكان لها في العصر الأمريكي الصليبي الجديد، وتعني أن نبيح بترولنا وثرواتنا لمصاصي الدماء في نييويورك وواشنطن، وتعني أن نستسلم للعصابات المسلطة على بلادنا تورثنا كالعقار لبعضها البعض بالتزوير والقمع والقهر.

وتعني بعد كل ذلك أن نقر ونعترف بل ونرضى ونبارك قصف أمريكا بأطنان المتفجرات لأية مقاومة أو شبهة مقاومة تبزغ في ديارنا ضد سياسات رواد الحرية والتحرر الصليبيين الجدد. حتى وإن أدى ذلك إلى شي لحوم نسائنا وأبنائنا وتدمير مدننا وحرق قرانا.

وقد وفق المولى سبحانه وتعالى الأمة المسلمة للنكاية في الطاغوت الأمريكي الصليبي وفي كشف حقيقة القوة الأمريكية الزائفة التي تمتلك ملايين الأطنان من الحديد والمتفجرات ولكنها لا تملك شجاعة مواجهة الموت ولا الدفاع عن المبادئ ولا التضحية من أجل العقيدة، وأنى لهم ذلك وهم أمة بلا عقيدة ولا أخلاق، رغم كل دعايتهم وكذبهم.

وأشهد الله لقد خبرنا هؤلاء العلوج الأمريكان وكشفنا خبيئتهم، جنود أجبن من الجبن، وأخور من الخور، لا يعتمدون إلا على الاستطلاع ثم القصف من بعد، واستئجار عصابات المرتزقة وقطاع الطرق. أما سوى ذلك فلا شجاعة ولا إقدام ولا صبر ولا ثبات. بل ولا وفاء بالمعاهدات والاتفاقات.

وما الاتفاقات عندهم إلا وسيلة لخداع العدو واستدراجه، ولا صلة لها بالصدق أو الوفاء أو الشرف، واتفاق الخروج من قندز وما تلاه من مذبحة قلعي جنكي ثم قتل أكثر من ألف أسير -في الحاويات خنقاً وعطشاً- شاهد ناطق على ذلك.

وكما وفق المولى سبحانه الأمة المسلمة للتصدي لزيف القوة الأمريكية، والنكاية فيها ووضعها في حجمها الحقيقي وإظهار أن هزيمتها ممكنة على أيدي أهل الجهاد والاستشهاد، فإن علينا أن نتصدى لأمريكا أيضاً في ميدان العقائد والمبادئ فنفضح شركها وفجورها ونفاقها.

إن الحرية التي نريدها ليست حرية أمريكا المتدنية السافلة، ليست حرية بنوك الربا والشركات العملاقة وأجهزة الإعلام المضللة وليست حرية تدمير الآخرين من أجل المصالح المادية وليست حرية الإيدز وصناعة الفاحشة والزواج المثلي، وليست حرية القمار والخمر والتفكك الأسري، وليست حرية استخدام المرأة كسلعة لجلب الزبائن وتوقيع الصفقات وجذب المسافرين والترويج للبضائع، ليست حرية المبادئ المزدوجة وتقسيم الناس إلى ناهبين ومنهوبين، ليست حرية هيروشيما ونجازاكي، وليست حرية تجارة أجهزة التعذيب ودعم أنظمة القهر والكبت والقمع أصدقاء أمريكا، وليست حرية إسرائيل في إبادة المسلمين وهدم المسجد الأقصى وتهويد فلسطين، وليست حرية جوانتانامو وأبو غريب، وليست حرية القصف السجادي وقنابل السبعة أطنان والقنابل العنقودية ومسقطات الأوراق واليورانيوم المنضب وتدمير القرى في أفغانستان والعراق، وليست حرية حكومة هاليبرتون وأخواتها مصاصي الدماء، وليست حرية احتكار أسلحة الدمار الشامل وتنميتها مع تحريمها على الآخرين، وليست حرية احتكار القرار في المجتمع الدولي لخمسة من الكبار أربعة منهم صليبيون.

إن حريتنا هي حرية التوحيد والأخلاق والعفة والنزاهة والعدالة. ولذلك فإن الإصلاح الذي نسعى إليه يقوم على أسس ثلاث:

الأساس الأول: حاكمية الشريعة: لأن الشريعة المنزلة من الله سبحانه هي المنهج الواجب الاتباع، وهذه قضية لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يقف منها موقفاً متميعاً أو متذبذباً، وهي قضية لا يمكن أن تؤخذ إلا بجد لأنها لا تقبل الهزل، فإما أن تكون مؤمناً بالله فلا بد أن تلتزم بحكمه، وإما أن تكون كافراً بالله فلا جدوى من مناقشتك في تفاصيل شرعه.

والتميع الذي تحرص العلمانية الغربية على نشره لا يمكن لأي عقل سليم يحترم نفسه أن يقبله، لأن المولى إذا كان هو الخالق فهو الأحق بالحكم، وهذه بديهية لا تقبل التردد العقلي، وإذا آمن الإنسان بالله فليس من العقل والمنطق أن يناقش ربه في تفاصيل شرعه، أو يمنح نفسه حق التحلل منه والوقوف أمامه موقفاً متميعاً هازلاً، بل واجب العاقل الذي آمن بالله أن يبحث عن شرعه لينفذه.

وكذلك لو كنت كافراً بالله فلا جدوى عقلاً من مناقشة تفاصيل شرعه معك، بل الواجب عقلاً النظر في وجود الله سبحانه وتعالى قبل كل شيء لأن هذه أخطر قضية في الوجود، بل هي قضية القضايا التي تنبني عليها كل القضايا.

وهكذا يجب على المؤمنين بالله أن يناقشوا غيرهم في هذه القضية الأساس أولاً، لأن الهروب منها هو ما يسعى إليه العلمانيون الذين لا يستطيعون مواجهة الحق في هذه القضية الساطعة قضية وجود الله سبحانه، فيلجئون إلى حيلهم المعروفة التي تسعى إلى الوصول مع المؤمنين إلى حل وسط بعيداً عن كشف عجزهم أمام مسألة الإيمان بوجود الله. وعقيدة الإسلام تأبى إباءً مطلقاً التفرقة بين الإيمان بوجود الله وبين الإقرار بحقه في الحكم والتشريع. فهذا تفريق لا يقول به مؤمن جاد ولا ملحد جاد.

ولذلك كان من أهم حيل العلمانيين في تغطية عجزهم الخلط بين الحرية وبين انتزاع حق التشريع من الله وإسناده للبشر، وهو خلط لا يستقيم في العقل السليم، بل الحرية الحقيقية هي في الخضوع للشريعة المترفعة عن الأطماع والعدوات والأهواء.

وإذا كانت أوروبا العلمانية قد خلطت بين الحرية وإقصاء الدين عن الحكم لأنها واجهت الكنيسة التي أسبغت على نفسها العصمة وحق التحدث باسم الله، وألفت لهم ثالوثاً لا يقبله العقل، وتحالفت مع الملوك والأباطرة، ومنحتهم حق الحكم الإلهي، وباعت للناس صكوك الغفران وتدخلت بين الخلق والخالق يعترفون لها بأسرارهم حتى تغفر لهم، وحاربت العلماء والبحث العلمي، فما ذنبنا نحن ولم تقم عندنا كنيسة في يوم من الأيام، ولا عصمة عندنا إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، والحاكم عندنا ليس معصوماً ولا مصوناً ولا مشرعاً ولا مؤبداً لا يمكن لأحد أن يناقشه فيما يرى، بل هو بشر يبايع على الطاعة في المعروف ويعزل إن تعدى حدوده.

وما ذنبنا وليس بيننا أحد يدعي أنه يتكلم باسم الله ولا نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا أنه قد ورث سلطةً أو تفويضاً أو توكيلاً ينزهه عن الخطأ أو يعفيه من النقد أو يمنحه حق التشريع والحكم والتصرف في أنفس الناس وأموالهم، وما ذنبنا وليس عندنا من يدعي حق الوساطة بين الله وخلقه، ما ذنبنا وليس عندنا رجال دين ولكن عندنا علماء ليس لأقوالهم عصمة ولا يدعون الوكالة عن قوة غيبية، بل مصداقية أقوالهم وحجيتها بقدر قوة ما يستدلون به من القرآن والسنة.

 ما ذنبنا وليس بيننا من يدعي حق غفران الذنوب ولا التصرف في أموال الناس دون حساب ولا بيع صكوك الغفران.

ما ذنبنا ولم يحارب عندنا العلم والعلماء بل نحن أمة تكريم العلم والعلماء، وعلومنا الطبيعية كالطب والهندسة والفلك نشأت وترعرعت في أحضان المساجد والمدارس.

ما ذنبنا لكي نرث التركة النكدة التي ورثها الغرب في صراعه مع تحالف الكنيسة والملوك، أم أنها التبعية الفكرية التي أعقبت الهزيمة العسكرية، والتي تلهث عمياء وراء الغرب في خيره وشره، وتورثنا عنه ما لا جريرة لنا فيه.

ثم إذا نظرنا تاريخياً إلى الفرق بين حكومة الشريعة وحكومات العلمانيين فماذا نرى، نرى أن حكومة الشريعة في أضعف حالاتها وأسوأ أدوارها وأكثر فتراتها تحللاً وفساداً حافظت على وحدة الأمة المسلمة بكل أجناسها، وصدت الصليبيين عن بلادنا لمدة خمسة قرون، وأحيت فريضة الجهاد فغزت الصليبيين في بلادهم وفتحت القسطنطينية في الوقت الذي كانت الأندلس فيه تتهاوى من الانحلال والفساد تحت ضربات الصليبيين، وتمسكت بفلسطين وأبى السلطان عبد الحميد في رمق الدولة الأخير أن يتنازل عن شبر منها.

أما حكومات العلمانيين فقد تعاونت في الحرب الأولى مع الصليبيين ضد دولة الخلافة، وقبلت بحدود سايكس بيكو، وبتقسيم السير بيرسي كوكس للجزيرة، وجلبت في نصف قرن خمس كوارث داهية على الأمة المسلمة بدءً من حرب عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين حتى غزو العراق في عام ألفين وثلاثة، وقبلت بوجود إسرائيل واعترفت بها وتنازلت عن معظم فلسطين لها، بل ووقعت المعاهدات معها لمحاربة المجاهدين في شرم الشيخ عام ألف وتسعمائة وستة وتسعين، وأعانت على حصار العراق ثم غزوه، وأعانت على احتلال أفغانستان، واعترفت بالحكومات العميلة التي نصبها الغزاة الصليبيون في العراق وأفغانستان. وحاربت الإسلام والجهاد ضد إسرائيل وأمريكا، ونشرت الإباحية والفساد والسرقة والعلمانية بالتزوير والقمع والمحاكم العسكرية.

هذه هي حكومة الشريعة في أضعف وأسوأ فتراتها وهذه هي حكومات العلمانيين في أوج قوتهم وتجبرهم وتكبرهم على أمتنا. قال تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)، وقال سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ {35} مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).

الأساس الثاني الذي يجب أن يقوم عليه الإصلاح وهو فرع عن الأساس الأول: هو حرية ديار الإسلام، وتحريرها من كل معتد سارق ناهب، فلا يتصور أن يتحقق لنا أي إصلاح ونحن تحت وطأة الاحتلال الأمريكي واليهودي، ولا يمكن أن تقوم أية انتخابات حرة ولا حكومة مستقلة ولا يمكن أن تصان كرامتنا وحرماتنا وقوات الصليبيين واليهود تدنس أرضنا تقتل من تشاء وتقصف من تشاء وتعتقل من تشاء وتعذب من تشاء، وتقسم الناس إلى معتدلين لهم حق الحرية وممارسة السياسة وإرهابيين ليس لهم إلا التدمير والقتل والتعذيب.

لا يمكن أن يتحقق لنا إصلاح وحكامنا يسعون في سياسة التطبيع مع إسرائيل لتدمر اقتصادنا تحقيقاً لمصالحهم الشخصية، كما وقع النظام المصري اتفاقية الكويز مع إسرائيل لحساب جمال مبارك وعصابته.

لا يمكن أن يتحقق لنا إصلاح تحت وطأة حكومات ينصبها المحتل بانتخابات مزورة تدار تحت إشراف الأمم المتحدة في حماية قاصفات البي اثنين وخمسين وصواريخ طائرات الأباتشي ثم قنابل السبعة أطنان والقنابل العنقودية.

لا يمكن أن يتحقق لنا أي إصلاح ونحن عجزة مكشوفون أمام الترسانة النووية الإسرائيلية.

لا يمكن أن يتحقق لنا أي إصلاح وبترولنا ينهب نهباً تحت تهديد الأساطيل الأمريكية.

أما الأساس الثالث للإصلاح وهو متفرع أيضاً عن الأساس الأول: فهو تحرير الإنسان.

يجب أن تنتزع الأمة حقها في اختيار الحاكم ومحاسبته ونقده وعزله، وتنتزع حقها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجب أن تتصدى الأمة لكل أشكال العدوان على حرمات الناس وحرياتهم وحقوقهم، ولا بد أن تتصدى الأمة للقمع والبطش والسرقة والتزوير والفساد وتوريث الحكم الذي يمارسه حكامنا بمباركة أمريكا ودعمها، ويجب أن تنتزع الأمة حقها في معرفة ما يدور حولها والوصول للحقائق، بدلاً من أن تباع وتستباح في الاتفاقات السرية في مقابل بقاء الزمرة الفاسدة المفسدة وأولادهم في كراسي الحكم.

يجب أن تقرر الأمة سلطة القضاء الشرعي وألا حق لأحد أن يمس حقوق الناس إلا بحكمه.

وهذه الأسس الثلاثة للإصلاح وهي: حاكمية القرآن وتحرير الأوطان والإنسان، لن تتحقق إلا بجهاد وكفاح ونضال واستشهاد، لن تتحقق إلا إذا طردنا أعداءنا من ديارنا وإلا إذا انتزعنا حقوقنا بقوة الجهاد، فلن يرحل الأعداء عن ديارنا بالتودد والتوسل، ولن تتزحزح الطغمة الفاسدة المفسدة عن كراسيها التي تعدها ليرثها أبناؤها بغير قوة الجهاد، وكيف يتزحزحون بغير قوة الجهاد وهم الذين سدوا كل وسائل التغيير السلمي، بل وعاقبوا من يحاوله بالسجن والقتل والتعذيب والنفي، وهم الذين نكلوا بكل صوت شريف يتصدى لطغيانهم، وزوروا كل الانتخابات، وجندوا جيشاً من المنتسبين للعلم يباركون فسادهم ويجرمون أي دعوة للتغيير والإصلاح، ويصمون أي داع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنه خارجي مثير للفتنة وما الفتنة إلا ما يحامون عنه وما رؤوسها إلا دافعو رواتبهم، وينشرون بين الأمة مذهب المرجئة.

روى ابن عساكر -رحمه الله- عن النضر بن شميل-رحمه الله- أنه قال: دخلت على المأمون، فقال لي: كيف أصبحت يا نضر؟ قال قلت: بخير يا أمير المؤمنين. قال: أتدري ما الإرجاء؟ قلت: دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقص من دينهم. قال لي: صدقت.

وهكذا لا إصلاح إلا بالجهاد، وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: "لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة  ليلزمنكم الله مذلةً في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله".

ووالله الذي لا إله إلا هو إن هؤلاء الصليبيين وأعوانهم لا ينتصرون علينا إلا بضعفنا وعجزنا وترددنا وحرصنا على الحياة الدنيا الفانية، أما لو انتصرنا على أنفسنا وقررنا أن نموت أعزةً ولا نعيش أذلةً، وقررنا أن نضحي بأنفسنا وأموالنا وجاهنا وراحتنا في سبيل الله فلا بد أن ننتصر عليهم بإذن الله، وسينكشف حينئذ أمام أعيننا ضعفهم وتهالكهم وتهافتهم. قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا).

فإذا تبين لنا ألا سبيل إلا الجهاد والمقاومة لتطهير أوطاننا وانتزاع حقوقنا بالقوة، بعد أن سد الصليبيون واليهود وأعوانهم كل طريق للتغيير السلمي، فعلينا أن نسعى في المقاومة بكل سبيل متيسر لنا بدءً من التوعية والدعوة والتحريض والتنظيم والتشاور وجمع الصفوف وانتهاءً بحمل السلاح والنكاية في أعداء الإسلام، ثم دعم الجهاد والمجاهدين بالمال والنفس.

وفي هذه المعركة الكبرى كل منا له دوره المهم والخطير وعلى عاتقه مسؤولية عظمى سيسأل عنها يوم القيامة. قال تعالى: (انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، وقال سبحانه: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم".

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"

وفي هذه المعركة الكبرى يبرز دور العلماء والدعاة الصادقين والمثقفين في توعية الأمة وتبصيرها بالأخطار المحدقة بها، وتحريضها وتحفيزها على المقاومة. قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً).

ويبرز دورهم في نزع الشرعية عن هذه الأنظمة الخارجة عن شرع الله والموالية لأعدائه. ويبرز دورهم في كشف شبهات المرجئة الجدد خدام السلاطين الذين يغيرون دينهم من أجل راتبهم ومنصبهم.

وفي هذه المعركة الكبرى يعظم دور الضباط والجنود باعتبارهم الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها الأنظمة في قمع شعوبها وفي استمرار سياستها الموالية للصليبيين واليهود، وباعتبارهم أداة التغيير الأساسية في بلادنا بعد أن تم إقصاء الأمة عن ممارسة حقها في اختيار الحاكم ومحاسبته ومراقبة عمله، وهنا يبرز دور الدعوة والتبيين والبلاغ في توعية الأمة، وخاصةً الجنود والضباط بواجبهم المفترض عليهم، وأنهم عليهم أن يستخدموا أسلحتهم وإمكاناتهم في الدفاع عن الإسلام وليس في المشاركة في العدوان على المسلمين ولا قمعهم ولا محاصرة المجاهدين ومطاردتهم.

وفي هذه المعركة الكبرى يتضح دور الشباب باعتبارهم الطليعة المجاهدة التى أفسدت -بحمد الله- على الصليبيين واليهود مخططاتهم في أفغانستان والعراق وفلسطين والشيشان.

فيجب على الشباب المسلم أن ينشر المعركة ضد اليهود والصليبيين على أكبر رقعة ممكنة من الأرض، وأن يهدد مصالحهم في كل مكان، وألا يسمح لهم بالراحة أو الاستقرار.

وفي هذه المعركة الكبرى يتأكد دور المال باعتباره عصب الحرب ووقودها، لذا يجب أن نقدم زكاة أموالنا للمجاهدين ولدعم الجهاد ضد الصليبيين واليهود، ويجب أن نمتنع بكل وسيلة ممكنة عن دفع الضرائب والرسوم إلى الحكومات العميلة التي تستخدم هذه الأموال في تنفيذ سياسات الصليبيين واليهود.

وفي هذه المعركة الكبرى يتضح دور المعلمين والمربين والأساتذة والصحافيين والنقابيين ومشايخ القبائل والتجار وكل طوائف الأمة بلا استثناء.

وفي هذه المعركة الكبرى يتأكد دور أهل الرأي والقيادة في جمع صفوف الأمة تحت راية الجهاد في سبيل الله. تنظيماً للمقاومة وتوزيعاً للمهام وحشداً للطاقات.

وفي هذه المعركة الكبرى يتعين علينا جميعاً أفراداً وحركات وتجمعات أن نتحد ونتجمع من أجل جهاد الصليبيين واليهود وعملائهم الحاكمين لديارنا، وألا نقبل بأي حل وسط معهم، أو بأي منهج يضفي عليهم الشرعية ويبرر أفعالهم. يجب علينا جميعاً أن نفاصلهم وننابذهم ونعاديهم ونحرض على معاداتهم، ونحشد الأمة لجهادهم.

فيا أيها المسلمون جاهدوا في سبيل الله وليكن شعارنا: تحرير الإنسان والأوطان تحت راية القرآن.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

للتعليق على هذا الموضوع