21 ديسمبر 2004

"المفقودون في الحروب" من إيران وإسرائيل والكويت والأكراد واللبنانيين.. و"المعارضين السياسيين"

بيار عقل

 

نشرت جريدة "القدس" الفلسطينية قبل 10 أيام إعلاناً على صفحة كاملة تضمّن صورة للطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد مع إعلان من مؤسّسة "أهلية"، أي غير حكومية، تخصّص مبلغ 10 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن الطيّار المفقود و4 جنود إسرائيليين مفقودين منذ معركة السلطان يعقوب في لبنان. بل وأنشأت هذه المؤسسة "الأهلية" موقعاً على الإنترنيت يمكن "لأصحاب الضمائر الحيّة"، أو للطامعين بمبلغ 10 مليون دولار، أن يتصلوا عليه، وهو https://www.10million.org.

 

وكان الإسرائيليون قد نشروا في العام الماضي معلومات تشير إلى أن الطيّار الإسرائيلي موجود في إيران.

 

ويعاني الإيرانيون من مشكلة مشابهة. فلم يُكشَف، حتى الآن، مصير الديبلوماسيين الإيرانيين الذين اختطفهم حاجز لـ"القوات اللبنانية" في شمال لبنان منذ أكثر من 10 سنوات. ومع أن عائلات المفقودين زارت لبنان قبل أشهر وناشدت "أصحاب الضمائر الحيّة"، فالأرجح أنها لم تحصد سوى روايات كاذبة يرغب أصحابها في نفي التهمة عنهم وإلقائها على الآخرين، دون مراعاة الجانب "الإنساني" في الموضوع، أي معاناة أسَرٍ لا تعرف إذا كان أبناؤها أحياء أو أموات.

 

 

طبعاً، سجّل صدّام حسين الرقم القياسي في ميدان "المفقودين". فبعد هزيمة الديكتاتور العراقي في "أم المعارك"، اختفى قرابة 11 ألف شاب كردي، لأسباب غير سياسية، ولا يُعرَف عنهم شيء حتى الآن، باستثناء معلومات يتداولها الأكراد بأنهم "استُخدموا" لإجراء إختبارات كيميائية وبيولوجية عليهم. والغريب أنه لم تُنشَر معلومات عن مصير هؤلاء الشبان الأكراد حتى بعد سقوط النظام الديكتاتوري. وإلى جانب الأكراد "اختفى" مئات الألوف من العراقيين من كل الطوائف والقوميات بدون إستثناء.

وقد تذمّر الإيرانيون طوال أكثر من 10 سنوات واحتجّوا على عدم الإفراج عن "أسراهم" من الحرب العراقية-الإيرانية. وكان العراق يزعم أنه "لم يعد لديه أي أسير إيراني". ومع ذلك، كان يفرج عن بضع مئات من الأسرى "غير الموجودين لديه" كلما تطلّبت الظروف السياسية ذلك. وما تزال إيران، حتى الآن، تجهل مصير بضعة ألوف من جنودها المفقودين في العراق.

 

وزعم صدّام طويلاً أنه ليس لديه أي أسير كويتي. وسمح سقوطه بالعثور على جثث قسم من أسرى الكويت، في حين يظل مصير الأسرى الآخرين مجهولاً.

وفي الحرب اللبنانية، يصعب إحصاء "المفقودين" لدى أطراف الحرب الداخليين، والمفقودين الذين يقول أهلهم أنهم انتهوا إلى سجون سوريا، وتزعم سوريا أنها "أطلقت سراحهم"! كما نشرت المعارضة السورية، مؤخّراً، تقارير عن وجود "سجون سرّية" و"سجناء سرّيين" يشملون سوريين ولبنانيين وفلسطينيين وأردنيين.

 

وحتى في مصر، رغم ابتعاد النظام عن التصفيات منذ عهد الرئيس السادات، فالجماعات الأصولية تتحدّث عن تسليم قيادات أصولية من دول عربية إلى مصر (محمد الظواهري، رفاعي طه..). ولكن قسماً من الذين يُفتَرَض أنه تمّ تسليمهم يظل "مخفيّاً"، ربما بانتظار انتهاء التحقيقات.. ولكن النظام المصري يظلّ الأرحم بالمقارنة مع عدد من الأنظمة العربية الأخرى التي "يختفي" معارضوها إلى الأبد أو "لبضع عشرات من السنين".

 

ظاهرة "المفقودين" في الحروب، وفي المعارضة، ظاهرة شرق أوسطية بامتياز، وللعرب حصة "محترمة" فيها. ولكنها تظلّ ظاهرة بدائية وساديّة. وقد طوّرت شعوب العالم مواثيق و"قوانين للحرب" وميثاق جنيف للتعامل مع "أسرى الحروب" للحدّ من بشاعة الحروب وتخفيف آلامها بقدر الإمكان. ولكن فرقاء نزاعات الشرق الأوسط، أو بعضهم، ما يزال يفضّل أسلوب "النكاية بالعدو"، أو "الساديّة" المطلقة كما في حالة صدام حسين، أو يلعب لعبة إخفاء الأسرى لابتزاز ثمن سياسي أعلى.

 

من يستفيد من استمرار ظاهرة "المفقودين"؟ باستثناء حالاتٍ نادرة، فإن "تجّار المعلومات" كانوا المستفيدين الأبرز. وستظلّ هذه الظاهرة مستمرة إلى أن يدخل الشرق الأوسط، بنزاعاته وأنظمته، ضمن نطاق "القانون الدولي" الذي ما تزال هذه المنطقة من العالم عصيّة عليه.

 

للتعليق على هذا الموضوع