30 أبريل 2005

 

 

من يسرق انتفاضة الشباب؟

بول شاوول

 

 

يطوي الشبان والشابات المعتصمون منذ أكثر من شهرين في ساحة الشهداء (ساحة الحرية، ساحة الرفيق الكبير رفيق الحريري) خيمتهم، ويعودون، حاملين تجارب وتذكارات وأصواتاً وهتافات تظاهرات، ولقاءات، قد تفيض عن ذاكراتهم الطازجة والفتية. ولكن ماذا سيفعل هؤلاء الذين صنعوا نضارة التحركات وشغفها بهذه الخيم، والشارات، والاعلام، هل يركنونها في الزوايا، أم ينسونها، أم يخبئونها للأيام المقبلة؟ الأيام، ربما، الأصعب في محاولة صوغهم ولو شيئاً من دورهم، وحضوره، ولو شيئاً من أحلامهم على امتداد وطن، صار، ربما، للمرة الأولى وطنهم، بأرضه، وناسه، وفضائه؟، ولو شيئاً من محاولة التغيير، والتبديل، ونقل المجتمع الذي أتوا منه، بكل أثقاله وتواريخه المضنية، من ضفة الى ضفة، أو من موقع الى موقع.

أتخيل وهم يطوون تلك الخيم، ويودعون بعضهم، ويشيعون تلك الساحة، ساحة الشهداء، وتلك الأمكنة، وذلك الضريح الذي يفوح بأنفاسهم، وعرقهم، وسهرهم، وأصواتهم، ضريح الشهيد الذي نفحهم، بما يشبه الحياة، بما هو أكبر من تململ، بما هو أقرب الى الانتفاضة.

سيتذكرون انه عند نزولهم الى ساحة الشهداء، كانت البلاد ما تزال على غير خريطتها الطبيعية، مفجوعة، مجللة بالسواد، يتحكم بها الخوف، والرعب، يعبث بها الفساد والاستبداد يشطرها تقسيم، من صنع من ألّفوا الحروب وصاغوا الذرائع ليكون عليها من يدعي توحيداً لها، ومنعاً للحروب "الأهلية"، والتقاتل والموت والخراب، وأشباح المجازر والمذابح، سيتذكرون انهم عندما نزلوا الى ساحة الشهداء، كان الشهداء كلهم بكماً وصماً، مقيمين في حجارتهم وداخل بيوتهم، والمنافي والسجون. كان كل شيء في غير مكانه. كانت كل الأمكنة من تاريخ آخر لا يعرفونه. من تاريخ من لا تاريخ لهم سوى محو التواريخ والقسمات والهواء والحدود.

غرباء

سيتذكرون انهم جاؤوا وكأنهم غرباء، عن بلاط تلك المدينة. وجدرانها. وناسها، ومثقفيها، وغرباء عن أنفسهم، وغرباء عن بعضهم، جاؤوا وكأنهم وافدون، مجرد وافدين، ينصبون ملابسهم، وأصواتهم، وأجسامهم، وخيامهم في أرض مجهولة، بل وكأنهم وفدوا، من أراض مجهولة، لا يعرف واحدهم الآخر، ولا يريد أن يعرفه. كانوا مجهولي الهوية، والأسماء، والألقاب، والعلامات الفارقة، ارتجلوا مجيئهم وكأنهم على خشبة مسرحية تنتظر الأدوار والممثلين والنصوص والجمهور، جاؤوا لينتظروا، ربما أو جاؤوا ليجعلوا من كل انتظار انتظاراً آخر، وربما جاؤوا ليمتحنوا يأسهم، هذا اليأس الذي استزرع في عقولهم. ونفوسهم. وأفكارهم على امتداد عقود، بل كأنهم جاؤوا ليستردوا يأسهم من آبائهم وأجدادهم ومن سبقهم دروب الهجرات، والغربة، والذل، والمهانة، والاستبداد.

سيتذكرون انهم جاؤوا بقسمات وملامح رسمت على وجوههم وأجسامهم بما يشبه الدمغ والوشم والرقش والنقش. بما يشبه القدر. وكان عليهم ان يتركوا مراياهم في دورهم وجرودهم وسهولهم ومدنهم ودساكرهم خوفاً من هذه المرايا، ذلك ان هؤلاء الشبان أعطوا مرايا مشوهة، أخبروهم ان كل ملمح من ملامحهم مصنوع من الخوف. من الخوف من أنفسهم، والخوف من كل آخر، وانهم، ولدوا بالفطرة قتلة. ومجرمين، وعبيد حروب، وأبناء عنف، وأحفاد تخلف وتوحش وبربرية، هكذا قدموهم الى أنفسهم، وهكذا رفعت مراياهم أمامهم.

يتساءلون

لكن من حفر وجوههم بهذه القسوة؟

هكذا راحوا يتساءلون وهم ينصبون خيمهم وغرباتهم في ساحة الشهداء. وكان عليهم، أن يتفحص واحدهم الآخر، بما يشبه الارتياب والخوف والخشية من الغدر، كان عليهم، عندها، أن يتفقدوا الأصوات المنطلقة من حناجر الآخرين، زملائهم في الاحتجاج، ورفاقهم في الاقامة الجديدة، لكي يتأكدوا من أنها حناجر غير مسمومة. حطوا رحالهم وهم لا يعرفون كم ان القربى قريبة. وكم أن الوشائج دافئة. وكم ان الجذور قوية وراسخة بينهم. هكذا وما إن انتصبت الخيمة الأولى. حتى ارتفعت الثانية فالثالثة فالمئة. وما إن انطلق الصوت الأول المجبول بالمرارة والألم والغضب لاستشهاد الرفيق الكبير الحريري، حتى اشتعلت الأصوات كلها وكأنها طالعة من كل الأمكنة التي جاؤوا منها، وكأنها ذاهبة الى كل الأمكنة التي سيذهبون اليها. وما ان ارتفع العلم الأول في يد أحدهم حتى تناسلت الأعلام كالشجر. (من رأى علماً يصير نهراً؟ من رأى علماً يصير جبلاً؟ من رأى علماً يصير شجرة؟ فغابة؟ فبلاداً؟). وما إن علت أول صورة للشهيد الكبير في الأذرع واحتلت مكانها بين العلم والهواء والقامات والحناجر، حتى اطلعت الأرض صوراً بلا عدد. صوراً نبتت على الجدران، وعلى الأرصفة، والقمم، والسهول، صار الوطن كله صورة، (من رأى صورة تصير جسراً، ودرباً، وفضاء، وكلاماً؟ من رأى صورة تصير كل الصور؟ تصير كل العيون؟ والأجساد. من رأى صورة تمشي. من رأى صورة ترى؟).

سيتذكرون انهم اعلنوا الثورة من دون ان يعرفوا. ثم عرفوا. كأنما الثورة فاضت من أجسامهم بقوة الدمع. سالت من ابصارهم بقوة الرؤية. ثورة تفجرت من تلقائها، هكذا، لكي تستوي كلماتها بعدها. لكي تقف على أقدامها وتمشي. ثم لكي تتعرف على نفسها: ثورة لاستعادة الصورة، صورة الذات، ثورة لاسترداد الهواء. ثورة لنبش الحقيقة. حقيقة من اغتال الحريري؟ ثورة لاسترجاع المجتمع. أو بالأحرى لاسترجاع انفسهم في مجتمع مكسور. مكبوت، منهوك، مصادر، مسروق، مشوه، مقموع، مستباح، مفكك، مدمر.

سيتذكرون وهم يطوون خيمهم بعد أكثر من 70 يوماً من نصبها، كيف "ألغوا" مجتمعهم الآخر، قرب الضريح (من رأى ضريحاً ينفح الحياة؟ من رأى ضريحاً يمشي بين الجموع. من رأى ضريحاً لا ينام؟)، وفي الساحة بين الشهداء، وكيف سيحملون، في خيمهم، وملابسهم، وكلامهم، وسهرهم، وتظاهراتهم، "مجتمعهم" الأم هذا الى كل البلاد؟ وكيف سيمكنهم ان يكونوا رسل الزمن الجديد وها هم، وللمرة الأولى، يحسون، وهم يفككون خيمهم، وكأنهم يفككون معها، وطناً كاملاً، وطناً قديماً بناسه القدامى. وطناً مجلوداً بجلاديه. وطناً مقسماً بمقسِّميه، وطناً منتهكاً بمنتهكيه، وطناً مستعاراً بمستعاريه. سيذكرون كيف سالت الناس من كل جهات الوطن، كأنهر متصلة، على هذه الساحة في 14 آذار وكيف كان للحكاية ان تصير ملحمة، وكيف كان للملحمة ان تصير تاريخاً، وواقعاً، وكلاماً أليفاً، وجنوناً خلاباً...

العاصمة

سيتذكرون كيف جاؤوا الى مكان كان اسمه "الوسط التجاري"، و"الداون تاون"، وكيف تحول هذا ا لمكان الى عاصمتهم. وكيف رأوا في البداية، معماريات رائعة، ومحال رائعة، انيقة، مقصد زوار، وسياح، وكيف سيغادرون هذا المكان، وقد بات "محج" اللبنانيين، وقلب وطنهم، وحدود عاصمتهم الجامعة، وملتقاهم بكل فئاتهم، وطوائفهم، وطبقاتهم، وأطيافهم، وانتماءاتهم. عرفوا كشهود كيف تصير المدينة عاصمة، وكيف تصير العاصمة مختزل البلاد. هكذا يتذكرون وهم يفككون خيمهم: بأنهم جاؤوا حيارى، ما كان لهم ان يعرفوا تخوم الوطن والمواطنة، وحدود العيش المشترك والطائفة، وجغرافية الانتماء الى فكرة التعايش والحياة، والمساكنة والمشاركة، والصدفة والقدر. هكذا كانوا حيارى، لكن هزهم ما هزهم من التفاعل والتشابك وتبادل الانتماءات وتقابل الاتجاهات، وتهاوس الشغف، حتى شعروا، وهم يفككون خيمهم، بأنهم يفككون ايضاً من ذواتهم الكثير الكثير، ومن مخلفاتهم الكثير الكثير، ومن محمولاتهم السابقة الكثير الكثير، لتلتمع في داخل كل منهم "هوية" مواطنة. وتذكرة انخراط، وبطاقة دخول الى عمق الانتماء الكبير. جاؤوا الى ساحة الشهداء "سكاناً" في وطن يغادرهم كالجزر باستمرار، وها هم يغادرون مواطنين يغادرون ذواتهم ويقيمون في فكرة الوطن الكبير. في فكرة الوطن التي سيكون لهم ان يصوغوها، ويبلوروها، بقدر ما تصوغهم وتبلورهم.

لكن،

سيتذكر هؤلاء أيضاً ان هذه الأمكنة التي احتلوها والتي كسروا عبرها ما كسروا، وانجزوا ما ا نجزوا، وفتحوا ما فتحوا، وافتتحوا ما افتتحوا، هي أمكنة البدايات لا النهايات. هي محط أول وليس محطاً أخيراً. وان عليهم ان ينظروا جيداً في ما حولهم، وأمامهم، ووراءهم، يستكشفوا معالم دربهم الوعرة، والطويلة، رحلة الانضمام الى الوطن الحر، السيد، المستقل، العادل، الديموقراطي....

الرحلة الوعرة

وعندما سيلقي كل واحد من هؤلاء الشباب تحية الوداع الى الآخر، سيرى كل منهم في عيون هذا الآخر، كل استشفافات الرحلة الوعرة، الشاقة المقبلة سيعرفون ان تجار الهيكل سيسرقون متاعهم، وان قطاع طرق السياسة سيسلبونهم "كنوزهم" وان الفريسيين يضمرون لهم الكسر، والهزيمة، والغدر، وان الف بيلاطس ينتظرهم، وان الف يهوذا سيبيعونهم بأقل من ثلاثين من الفضة؟ وسيعرفون ان اعداء الوطن والسماسرة والعملاء والخونة، الذين تنادوا على تشويه صورتهم اثناء انتفاضتهم وقبلها، سيمعنون في ذلك، وسيدأبون على تمزيق ملامحهم، ورش وجوههم بالأسيد والوحول، ومحاولة محو ذاكراتهم الجديدة.

سيعرفون وهم يتأبطون خيمهم، انهم، سيتعرضون، ومن كل حدب وصوب، الى اساليب التيئيس من جديد. والى سياسة حملهم على الكفر بالوطن. وعلى دفعهم الى المناطق الفارغة، والمهملة، والمهمشة، بغية استيعابهم من جديد، وتبديدهم من جديد، وجعلهم وقوداً لحرائق وازمات وطوائف وهجرات، وقنوط، وزجهم في داخل مربعات التخلف، والتقوقع، والتشرذم، والعجز، وحظائر التعصب، وعلامات الإلغاء، والقتل، والشيخوخة المبكرة...

سيعرفون كل ذلك. وقد عرفوه، وقد عرفوا وسيعرفون ان رحلة استرجاع الوطن طويلة. ولهذا لن تكون وداعاتهم وداعات. ستكون لحظات انفضاض موقتة، املاً في لقاءات عميمة. فالاستقلال لا يؤخذ مرة واحدة وبشكل ناجز واحد. انه صنيعة كل يوم. وصنيعة كل فكرة جديدة. وصنيعة كل شغف جديد. ان تكون مستقلاً يعني ان يكون استقلالك الدائم امامك. وان تكون حراً يعني ان تكتشف كل يوم معالم جديدة لحريتك التي لا تستنفد. وان تكون سيداً يعني ان تغذي هذه السيادة، كل يوم، وترعاها، لكي تكتسب ما تكتسبه من مضامين وانفتاح، اي ان يكون استقلالك، وحريتك، وسيادتك جزءاً من ارادة المجتمع الحي، وجزءاً من تنوعه، وغناه، ولانهائية احتمالاته، فلا شيء ثابتاً ضمن ثوابت تاريخية لازبة. لا في المفاهيم، ولا في الأيديولوجيات. ولا حتى في المعتقدات التاريخية وغير التاريخية. إن هذا التجاوز الدائم للظواهر المكونة والأساسية هو الذي يصنع دينامية الحرية التي لا تكون حرية الا بتجسّدها في أدوات ديموقراطية، وقنوات نقابية، ووسائل مباشرة وغير مباشرة. والديموقراطية لا تكون ديموقراطية الا باكتسائها وجع الناس وانصافهم، وتنفيذ مشيئاتهم، والانخراط في قضاياهام وتفتح ارتباطاتهم...

السيادة الفوقية

وسيعرفون ان لا السيادة الفوقية، ولا الديموقراطية الاستعلائية (بتوع النخب)، ولا الحرية المجانية، كافية لصنع التغيير. اذ يمكن ان تكون "الأشكال" والأساليب التي تمارس بها السيادة والديموقراطية والحرية تؤدي الى النقيض، أو الى خلافها، أو تفضي الى مردودات مفرغة من كل احتمال تغيير. ولهذا عرف الشبان، وسيعرفون أكثر ان تغيير البنى القائمة، يتخطى ايلاء "هم" كل طائفة أو مذهب أو جماعة "استقلالها"، وسيادتها، عن الوطن، وعن مفاهيم الوطن المتحولة. على العكس، تماماً، يعني ان يتفاعل المجتمع (والنخب) بأفكاره المنفتحة، المتعددة، ليصوغ فضاء حياً، اي مجتمعاً مدنياً، بكل ما تعني العبارة من اكتنازات تاريخية وجماعية وفردية. التغيير يعني انتقال المجتمع من ضفة الى ضفة. لا بالعسف ولا بالقوة. ولا بالارهاب. ولا بالاستعانة بالخارج، اي خارج: قريباً كان أم بعيداً، صديقاً أم عدواً.

المجتمع يصنع نفسه، هذا عرفه الشبان. لأنهم تذوقوا طعم ان يصنعوا انتفاضتهم، لكن يعرف الشبان الذي يغادرون امكنتهم وخيمهم في ساحة الشهداء، أنه لا يمكن ان يصنع المجتمع اللبناني نفسه، خارج تفاعلات العصر. خارج كسر الذوات الى الذات الأخرى: العالم كله. أقصد من فكرة العروبة الى فكرة العالمية، مروراً بفكرة اللبنانية التي لا تكون إلا بضم الفكرتين. فلبنان بلا "عروبة" مفهوم هش، بلا كسوة، ولا سند، ولا تاريخ. لكن يعرف الشبان ان "عروبتهم" الجديدة التي اكتشفوها في بيروت (والمتصلة بالاستقلاال أصلاً) هي العروبة الشعبية. الديموقراطية. هي العروبة كمشروع سياسي وقومي مفتوح، وليست يافطة عفنة تعلقها الأنظمة فوق استبدادها، وعسفها، وسجونها، ونهبها... وعمالتها.

انها العروبة التي ولدت ثانية في بيروت

وبيروت دائما كانت مهدا للعروبة الحية، "العنقائية"، وسيبتسم الشبان كثيرا عندما يتذكرون عروبة "بعضهم أي بعض الاقلام السياسية المرتهنة عروبة المرور بالمخابرات والعسكرة والامننة والدكتاتورية والاستبداد وسيتذكرون جيدا ان هذه الانظمة العربية الراهنة هي التي احلت الطائفية محل العروبة. والعائلية والعشيرية محل القومية، والخوف من الجماهير محل الجماهير، والمخابرات والاجهزة محل الدولة، وسيبتسم هؤلاء الشبان كثيرا وهم يستذكرون العروبة المحنطة الميتة في عيون بعض العروبيين الذين لا يفقهون من العروبة سوى انها شعار للارتهان بأنظمة او بتخريب او بفساد.. لكن سيعرفون جيدا ان عروبتهم الشبابية ليست مجرد ارث، واصنام، وصفات "حسنى" "ابدية" بقدر ما هي مجموعة قيم منفتحة، واحتمالات مشاريع مستقبلية، لا تحقق إلا بدكّ الانظمة الاستبدادية، ومواجهة التخلف، والخروج من الانشائيات المناسبية والزجليات اللفظية.. وسيعرفون انهم وفدوا من تلك العروبة البالية، الغريبة عنهم حتى النفور، الى عروبة، قوتها في ان تخرج كل يوم من ذاتها، لتنتقد ذاتها، وتحيي ذاتها بالوسائل والمضامين العقلانية والنقدية، اذ لا عروبة من دون انتقاد العروبة، ولا عروبة من دون الخروج الدائم من العروبة، والعودة اليها بما يجددها، ويقويها، وينشرها، ويوسع آفاقها الى العالمية، والى كل الارهافات، والجماعات، اذ لا عروبة من دون عالمية انسانية. ولا عروبة من دون معاصرة، وانخراط في صناعة الحرية، والديموقراطية، والعدالة، أي صناعة التاريخ الحديث لا استيعابه واعدامه كما تفعل هذه الانظمة الاستبداية التي تدعي عروبة بائسة، رثة، بلا قيم، ولا افكار...

شباب الانتفاضة يطوون خيمهم، ويضبضبون اغراضهم، من اعلام، ويافطات، ومكبرات صوت، وأوراق، وأقلام، ويشيعون ذلك المكان التاريخي، والسحري، والملحمي، ساحة الشهداء، وساحة رياض الصلح، مكان جريمة اغتيال الحريري والضريح، ووروده، وصوره، وشموعه، وانفاسا حارة غمرته، من جموع زحفت من كل البقاع والمناطق.

ها هم يطوون تلك الخيم، ويتبادلون التحيات، ليعود كل منهم، الى حيث يجب ان يعود، وهم واثقون، بان اللحظة التي خرجوا فيها من منازلهم وقراهم ومدنهم، كانت لحظة الخروج الأول على مجمل التقاليد والعادات والموروثات الطائفية والتاريخية.

فلحظة الخروج تعني الحرية اولا واخيرا، اقصد الخروج من "الثوابت" والاحمال الميتة، الى المجتمع، المتفاعل، اللانهائي، المتنامي في كل ضمير من ضمائر هؤلاء.

على ان لحظة الخروج من تواريخ العائلات والاقطاع والطوائف والتعصب والارتهان، هي لحظة الدخول ايضا الى الذات المتحررة، التي نرى اكتمالها في الآخر، اي آخر مختلف، ومخالف، ومتناقض.

على ان هؤلاء الشبان وهم يطوون اشياءهم، ويوضبون حقائبهم، لا بد ان يستديروا وبكثير من العرفان، ناحية الضريح حيث يرقد الشهيد الكبير. يستديرون، ويقفون طويلا امامه، بأزهاره ووروده وطيوره وصمته وشموعه وصوره وحرارة الابدان التي بكت وصلت وحزنت وغضبت وثارت وانتفضت..

يقفون امامه محملين بإرثه الغالي، بإرث السيادة والاستقلال والديموقراطية والحرية، والعطاء حتى الاستشهاد.

سيقفون طويلا، ثم يغادرون، وهم يعرفون في قرارة انفسهم، وربما كل على طريقته، ان الخروج من الحياة احيانا كثيرة، هو الانضمام الى الحياة، وان الموت احيانا هو الوجه الآخر للحياة!

سيغادرون، وهم يعرفون، انهم سيعودون كثيرا الى هذا المكان الحي، كبوصلة مضيئة نحو الوطن، نحو لبنان الكبير.

عناوين داخلية

سيتذكر الشباب انهم عندما جاؤوا الى ساحة الشهداء، انما جاؤوا بقسمات رسمت على وجوههم بما يشبه الدمغ والوشم والرقش والنقش.

ما ان ارتفع العلم الاول في يد احدهم حتى تناسلت الاعلام كالشجر والطير وتدفقت كالانهر (من رأى علما يصير نهرا، من رأى علما يصير جبلا، من رأى علما يصير بلادا؟)

ها هم، وهم يفككون خيمهم، وكأنهم يفككون معها وطنا كاملا، وطنا قديما بناسه القدامى، وطنا مجلودا، بجلاديه، مقسما بمقسميه، منتهكا بمنتهكيه، مستعارا بمستعاريه.

سيعرفون وهم يطوون خيمهم ان اعداء الوطن والسماسرة والعملاء والخونة الذين تنادوا على تشويه صورتهم اثناء انتفاضتهم وقبلها، سيدأبون على تمزيق ملامحهم ورش وجوههم بالاسيد والوحول، ليصيروا مثلهم.

 

(المستقبل)

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

"Albert-abdallah" <albert@anatv.com> 

Date: Mon, 31 Oct 2005 16:12:30 -0500

أرغب التراسل مع بول شاؤول . انا د.عبدالله عقروق فلوريدا

aaakrouk@adelphia.net