5 يوليو 2006

 

 

 

 

 

ما نحتاج إليه هو دولة بالمعنى الحديث

عمر كوش

 

   تبيّن الأقلمة العربية لمفهوم الدولة أن السلطات الحاكمة في البلدان العربية أخذت الجانب الأمني منه دون أي اعتبار للمفاهيم المترابطة مع هذا المفهوم بمعناه الحديث، كالمواطنة والديموقراطية وحقوق الإنسان وتحقيق التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي ..إلخ، وأن أخذها لهذا الجانب من المفهوم مرتبط بمصالح حزب أو فئة أو جماعة أو أقلية عرقية أو مذهبية أرادت أن تركّب مفهوم تحقيق الأمن، بالمعنى الاستخباراتي، من أجل ضبط حركة المجتمع، وتأكيد سيطرتها على ضبط المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تؤثر على هدف هذه الفئة أو هذا الحزب المتمثل في المحافظة على البقاء في السلطة إلى ما شاء الله.

  ولم تتمكن الدولة العربية من إيجاد سلطة منظمة للمجتمع، حامية له، وملبية لاحتياجياته ومتطلباته، بل أنتجت سلطة متسلطة على المجتمع، أي على مقدرات البلاد ورقاب العباد، فغاب التفاعل الإيجابي السلمي بين الفئات المدنية والأهلية ومختلف الطوائف والقوى الاجتماعية، لذلك بقي المجتمع بحاجة للدولة، وخصوصاً في بلدان مثل سوريا ومصر ولبنان وسواها في ظل غياب المؤسسات والتنظيمات المدنية الحاملة.

  وبالرجوع إلى تاريخ سوريا الحديث، نجد منذ وصول حزب البعث إلى السلطة وإلى اليوم، أن مقولة تقاسم السلطة وتداولها السلمي قد انتفت لتحل محلها مقولة الانفراد بالسلطة بشكل مطلق، حيث قامت فلسفة النظام السوري على هيمنة السلطة الحاكمة على كافة مفاصل ومواقع الدولة واقتصار من يشغل مناصبها على المقربين منها والمختارين من بين أوساط البعثيين، والتي أدت إلى جعل التبعيث (من حزب البعث) قاعدة لانتماء الفرد إلى الدولة.

  وبينت السنوات المديدة للممارسات السلطة أنها لا تقبل أي رأي مخالف أو معارض، كونها تعتبر أن ما تقوم به منطلق من ثوابت قاطعة، لا يمكن إعادة النظر فيها، بوصفها تراثاً مصاناً للدولة، وخطوطاً حمراء لا يمكن لأحد أن يتطاول عليها. وصارت النخب الحاكمة تعتبر ممارساتها السياسية والأيديولوجية والأمنية والأخلاقية هي المرجعية الوحيدة في الدولة، وكل ما يخرج عن إطارها إنما يجنح نحو الخيانة والمساس بالأمن الوطني أو القومي، وبالتالي فإن أي حراك إجتماعي وأي نشاط الشأن العام هو حكر على أصحاب السلطة، وعليه أن يستند إلى ما تقوله وتمارسه وتفرضه عبر وسائل الطاعة العمياء والترداد الببغائي، وكل من يخرج عن هذا السياق يناله الاعتقال والملاحقة والمحاربة في لقمة العيش أي الفصل عن العمل الوظيفي في مؤسسات الدولة.

  إن مكمن الخطأ هو الانفراد بالرأي وعدم تقبل الرأي الآخر، إذ لا يمكن الوثوق بأية انفرادية وفي إمكانية بنائها للدولة وتمتين وحدة المجتمع الوطنية، فقد أدت ممارسات السلطات الحاكمة في البلدان العربية إلى ضعف وتفكك المجتمع المدني وتوزيعه بين جماعات عائلية وقبلية وطائفية، الأمر الذي أدى إلى غياب مشروع الدولة المكتملة، العادلة والحيادية، والقادرة على استقطاب مواطنيها تحت سقف مشروعها الوطني. وهذا المأزق مستمر منذ نشوء الدولة العربية في نسختها الشمولية، وأدى إلى استمرار العجز عن إيجاد بديل يحول دون انفصام في انتماء الفرد إلى جماعته الوطنية، من جهة أولى، وتوقه إلى أن يكون مواطناً منتمياً إلى دولة يحترمها وتحترمه، من جهة أخرى.

  غير أن المامول هو الوصول إلى الدولة بمعناها الحديث، أي عبر مندرجات العقد الاجتماعي التي تجد أساسها في تحقيق مفاهيم المواطنة والديموقراطية التعاقدية، ذلك أن النظام الأصلح في أي بلد عربي هو ذلك النظام الذي يحفظ التوازن الوطني وكفاءة المؤسسات وتكاملها وتعاونها، ويوفر فاعلية السلطات وتناوب المسؤولين وتجديد البنى السياسية. مع أن فكرة تكوين الدولة تقوم على مبدأ تجسيد وحدة السلطة، فإما أن تكون الدولة واحدة في مؤسساتها ونصابها، وإما لا تكون. وعليه تتحد المعالم بجملة من المبادئ والمسلمات التي تعتبر أساساً للعيش المشترك، والتي تجد متحققها في تجاوز النظام الشمولي أو الفئوي والطوائفي، وذلك بالاستعاضة عنه بعقد اجتماعي متوافق عليه ودائم، يوضح أسس الشراكة في الوطن والالتزامات المتبادلة بين جماعاته، شريطة أن يبنى التوافق على عقد اجتماعي على قاعدة المساواة التامة بين المواطنين، ويؤكد على تأمين هذه المساواة دائماً وفي كل الظروف. وهذا يقتضي التعاقد على أساس سياسي يوفر بشكل ملزم ودائم آلية إنتاج السلطة الوطنية على قاعدة التوازن الوطني، وبالتالي يتوجب إلغاء التمثيلات ما قبل المدنية على كافة المستويات، وممارسة المسؤوليات في مؤسسات الدولة والسلطة الدستورية والمؤسسات العامة على قاعدة الاستحقاق والمؤهلات دون تفرقة أو تمييز بين مواطن وآخر. وهنا تكمن أهمية طرح صيغة بديلة لإنتاج السلطة الوطنية، التي تشارك فيها مختلف الجماعات الوطنية على قدم المساواة دون هيمنة جماعة على أخرى.

     تأسيساً على ما تقدم، يأتي العمل لتعزيز وإرساء مركبات دولة تعترف بحق جميع الأفراد والقوى والتيارات بشكل متساوي، من خلال الممارسة في المؤسسات المدنية، وبحوار متكافئ حول استراتيجية مواجهة التحديات. فاللحظة التاريخية تتطلب الإدراك العميق بضرورة أن يشترك الجميع في وضع استراتيجية الخلاص، وذلك بسلوك مسيرة تنمية حقيقية، بكل مكوناتها السياسية والثقافية والاجتماعية، والتي تتمثل أساساً في ممارسة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وتنزع من خلال الحوار الحضاري إلى التفاعل الإيجابي الخلاق مع القوى الحية في العالم.

o.kouch@hotmail.com

 

* كاتب سوري

 للتعليق على الموضوع