Middle East Transparent

 13 سبتمبر 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

"الوجود" غير الواجب الوجود

عـمـر عـجـمــي

 

 

لا تهدف هذه المقالة الى الدوران في حلقة مفرغة حول الظروف التي تسببت في دخول القوات السورية لبنان وتدخلها فيه، ولا حول الأسباب والأدبيات

 

التي لا تزال تفرض استمرار بقائها “الشرعي والموقت”، بقدر ما تسعى الى تفكيك معنى عبارة “الوجود السوري في لبنان” في ذاتها، واتصال هذا المعنى بما هو أبعد من التفسيرات الخبيثة، “المتواضعة” والمحدودة الممنوحة له: أي بما يذهب الى جعل استخدام هذه الكلمة للدلالة على انتشار الجيش السوري موازياً تماماً لحال وجودية كيانية هي من جوهر الشيء لا من أوصافه العارضة والزائلة. فما المعاني الدلالية التي تنطوي عليها الكلمة، وخصوصاً لجهة استخدامها لتفسير طبيعة الوجود السوري في لبنان؟

أساء أهل السياسة والحكم في لبنان التفسير والتقدير حين استخدموا كلمة “الوجود” في أدبياتهم ومواثيقهم السياسية والقانونية والاجتهادية، للإشارة الى “طبيعة” مرابطة القوات السورية وانتشارها في لبنان. ربما كان قصدهم تحديد ماهية هذه “الطبيعة” وخصوصيتها التقنية، لجهة حصر طابعها الشرعي والدستوري في هذه الحال بالذات. وربما كان قصدهم، من جهة أخرى، طمأنة الأطراف اللبنانيين الى أن “طبيعة” هذه المرابطة ليست كيانية في المعنى “الوجودي” للكلمة، بل مشروطة بالحاجة اليها، عرضية، غير مستديمة، وبما ترتضيه لها السلطتان اللبنانية والسورية بالتكافل والتضامن.

 

أياً يكن المعنى الذي قصده الحكم والمشترعون والسياسيون والأطراف اللبنانيون لـ”قوننة” حضور القوات السورية وانتشارها أو تموضعها في لبنان، فما تريده هذه المقالة مختلف في الشكل والمضمون عن المعنى والقصد الاشتراعيين والسياسيين والأمنيين، لأنها تهدف الى تحليل كلمة “وجود” تحليلاً فيلولوجياً ودلالياً، من خلال ضبط مواصفاتها وتأويلاتها أولاً، وإبراز الشطط اللغوي الذي ارتكبه القائلون بها ثانيا، وخصوصاً عندما يتدارك القارىء والمحلل والمقارن أن كلمة “وجود” في الفرنسية معناها existence لا prιsence قبل أن يصار الى استخدامها محليا بما جعلها شديدة الالتباس وقريبة من معاني الهيمنة والاحتلال. ومن شأن هذا التدارك المقارن أن يضعنا مباشرةً في جحيم الشطط اللغوي المرتكب والمشار، مثلما يضعنا في جحيم الدلالات والتأويلات الخطيرة التي ينطوي عليها هذا الاستخدام، مما يدعو في الآن نفسه الى التشهير باستخدام هذه الكلمة دستورياً وقانونيا في الدلالة على “طبيعة” مرابطة القوات السورية في لبنان، ذلك لأنها تمس جوهر الوجود الوطني وتطعن طعناً قاتلاً في الماهية الميتافيزيكية والروحية للوطن كدولة مستقلة وذات سيادة غير منقوصة.

 

فماذا تعني هذه الكلمة قاموسياً وتحليلاً فلسفياً؟

 

هي تعني أن الوجود خلاف العدم. وماذا يعني العدم؟ هو ضد الوجود. وهو الفقدان. ومن ذلك المعدوم، أي خلاف الموجود، أي فاقد الأشياء. ومن ذلك المنعدم، أي ما يساوي صفراً. ومن ذلك الوجودية وهي مذهب فلسفي يقول بأن الإنسان الذي وجد أولاً وجوداً شبه ميتافيزيكي، يخلق نفسه ويتخيّر نفسه بعمله.

 

في الاستنتاج، يتبادر الى التحليل الأولي أن مستخدمي هذه الكلمة ربما لم يكونوا يتقصدون المعنى المعنوي، الروحي والميتافيزكي، لكلمة “الوجود”، بقدر ما كانوا يتقصدون “وصف” “الطبيعة” المادية والواقعية والملموسة والحسية لـ"الوجود" العسكري والأمني وأيضاً... السياسي السوري في لبنان.

 

هم ربما كانوا يلهثون وراء كلمة تقنية تكون أخفّ وطأةً ودلالةً من عبارات أخرى كالتدخل العسكري المهيمن (أو... المحتل). كلمة من شأنها أن تمنح الداخلين والمتدخلين مشروعية الدخول والتدخل، لا وصف الميتافيزيكية “الوجودية” للدخول والتدخل. وقد أشكّ الشكّ المفضي الى اليقين في أن أحداً من مستخدمي هذه الكلمة قد تنبّه عقله السياسي والفكري والثقافي الى مثل هذا التفسير “الوجودي – الكياني” لكلمة “وجود”.

 

وفي الاستنتاج الأولي أيضاً وثانياً، أن مستخدمي هذا اللفظ “التقني” من الحكّام والسياسيين إنما كانوا يريدون سحب نقمة المتحفظين من اللبنانيين الذين كان استهولوا الدخول والتدخل السوريين في الشؤون اللبنانية، والذين يعارضون استمرار انتشار القوات السورية في لبنان، وإنما كانوا يريدون طمأنتهم – وسأقول إغواءهم وتخديرهم - بكلمة “وجود”، المشفوعة أحياناً وعندما تدعو الحاجة بكلمة “موقت”.

 

فـ"الوجود الموقت"، وفق هذا الاستنتاج الأولي، ينبغي له ألاّ يثير حفيظة أحد إثارةً حادة، بل ينبغي له أن يوحي أن ثمة في هذا الاستخدام حالاً عابرة وزائلة وغير قابلة للاستمرار. أي أن “وجود” الدخول والتدخل غير كياني وغير أزلي وغير سرمدي وغير “وجودي”. أي محض فيزيكي. لا مثلما يُفترض أن تكون عليه حال الأوطان و... الكيانات المعشوقة من أهلها ومواطنيها وأهل اللجوء إليها، وخصوصاً لجهة قيمتها المعنوية، الروحية والميتافيزيكية (أو شبهها).

 

لكن الوجود هو الوجود، أياً تكن التعبيرات التخفيفية التي ترافق استخدام الكلمة الدالة عليه، لامتصاص معناه الكياني. فمثل هذه التعبيرات ليس من شأن استخدامها التخفيفي سوى أن يوقظ جمر التوجس والقلق والريبة عند الأهل الساهرين (أو الخائفين) على مصيرهم ومصير كيانهم، والمستريبين من إمكان أن تصادر منهم “لعنة الحرية” المصابون بها عن بكرة تاريخهم الدرامي الطويل.

 

ربما غاب عن أذهان مستخدمي هذه الكلمة من أهل الحكم ومن مريدي النظام السوري وأذياله في لبنان – وربما غاب أيضاً وخصوصاً عن أذهان رافضي اليد السورية في لبنان أكانوا لبنانيين أم سوريين -، أن “الوجود” ميتافيزكي المعنى أو شبهه، وهو خلاف العدم وضد الفقدان، ولا يمكن أن ينطوي على معنى محض حسي وملموس وفيزيكي، إلاّ في بعض قليل من “وجوده”.

 

وربما غاب عن أذهانهم أيضاً أنهم سيقعون في شطط كياني عندما يمنحون، تالياً، المرابطة العسكرية والأمنية (الفيزيكية) السورية في لبنان معنى “وجودياً” و“شبه ميتافيزيكي”.

 

أقول ربما، والله أعلم. فلربما كان المشترعون والحكام والمريدون والرافضون جميعهم يدرون، ولربما كانوا لا يدرون. ففي الحالين مصيبة ما بعدها من مصيبة.

 

فإذا كانوا يدرون فإنهم بذلك يكونون يرتكبون خطيئة كيانية مميتة، قد توازي “الدخول” على الدستور والميثاق والاتفاق الوطني، و“التدخل” فيها من خارج الأبواب الدستورية والميثاقية والاتفاقية، وقد تتخطى الانتهاك، وقد تتخطى تالياً الخطيئة الى ما يكون شبيهاً بالخيانة العظمى.

 

إن التعظيم من شأن هذا الارتكاب “الوجودي” مردّه الى أن كلمة “الوجود” لم تستخدم إلاّ في حالة كيانية واحدة، عندما يرد ذكر لبنان في مقدمة الدستور مسبوقاً بكلمة “وجود”، للدلالة على الأهمية الكيانية والميتافيزيكية التي تنطوي عليها هذه الكلمة.

 

وعندما سنكتشف في مراحل لاحقة أن هذه الكلمة تستخدم لوصف الحال العسكرية والأمنية والسياسية السورية المستديمة (!) في لبنان، لا بدّ أن يستيقظ الجمر القلِق من تحت رماد اللاوعي الحارق لينبّه الى خطورة هذا الاستخدام والى خفاياه ودلالاته الكيانية.

 

أما إذا كان مستخدمو هذه الكلمة لا يستشعرون ميتافيزيكيتها، فمن واجبهم الوطني والأخلاقي والدستوري والكياني أن يتداركوا – في هذا اللحظة الكيانية بالذات - خطيئتهم القاتلة هذه، عندما يدركون أنهم ارتكبوا مثل هذا الشطط، أو عندما يتلقون “إخباراً” كهذا “الإخبار”، وأن يعمدوا الى سحب هذه الكلمة فوراً من التداول السياسي ومن كل الأدبيات والوثائق والمواثيق السياسية والكيانية والفكرية والثقافية و”الايديولوجية” والإعلامية على حد سواء. وأن يعمدوا تالياً، وعلى الفور، الى استبدالها على سبيل المثال لا الحصر بكلمة “الحضور” التي توازي في الفرنسية كلمة prιsence بما يحفظ كلمة “الوجود” من الشطط الكياني المشار إليه، وبما يجعلها وصفاً يستخدم على سبيل الحصر لتحديد معنى “الوجود اللبناني” ككيان ووطن ودولة وكجغرافيا روحية – مادية غير قابلة للدخول عليها والتدخل فيها، وغير قابلة لـ“انوجاد” (أو وجود) كل جسم “غير كياني” فيها.

 

ففي تعريب كلمة prιsence يمعن القاموس في إيراد المترادفات الآتية: حضور، حضرة، مثول، كحضور الإنسان في العالم وعمله وتأثيره ومشاركته فيه. ويتصل “الحضور” في هذا التفسير القاموسي نفسه بـ”النفوذ” الذي يفرض نفسه وهالته على “الوجود” وبـ“إثبات الوجود” الذي يبدأ – كالتدخل السوري في لبنان - حضورياً عيانياً مادياً وملموساً فحسب، لكنه سرعان ما ينتهي ليصير “وجوداً” أو “شبيهاً بالوجود”.

 

“حضور” القوات السورية في لبنان، دستوريا وحكومياً وشعبياً، هو في الأساس “وجود فيزيكي” وليس “وجوداً” كيانياً. ولم يتجاسر أحد حتى الآن على رفع المعنى الى حالته الوجودية - الميتافيزيكية علناً. لكن استمرار هذا “الحضور” الفيزيكي الشديد النفوذ لا بدّ مع مرور الأيام وانشقاق النفس أن “يثبت وجوده” فيصير “وجوداً”. وفي استمرار هذا “الحضور” من جهة، وفي مواصلة استخدام كلمة “وجود” انتهاكان هائلان للدستور اللبناني أولاً ولجوهر التأويل الفلسفي للكلمة ثانياً، بما يجعل تفسيرها الدلالي خطراً حسياً ومعنوياً. مادياً وكيانياً.

 

ترى، هل كان الحكّام والسياسيون متنبهين الى هذه المعاني كلها والى ما يناقضها؟

 

لا أعتقد أن “الذكاء” قد يصل بأحد هؤلاء الى القول إنه يستخدم كلمة “وجود” للتأكيد أن القوات السورية “موجودة” في لبنان وأنها ليست “معدومة” وأنها ليست “منعدمة الوجود” وأنها لا “تساوي صفراً”، وأنها ليست “فاقدة الأشياء” (اللبنانية)؟

 

لا أعتقد. لكني سأظل أقول: والله أعلم. وسأظل أستخدم “لا أعتقد” بتحفظ شديد.

 

لقد أحسن “المنجد” العربي صنيعاً (وكذلك قرينه الفرنسي) حين قرّب معنى كلمة “وجود” من الميتافيزيك. هذا التأويل يمنحنا فرصة عقلية وفيزيائية ثمينة لدحض الاستخدام الجائر الذي يفرضه المتهاونون اللبنانيون حين يستطيبون تفسير “طبيعة” انتشار القوات السورية في لبنان بأنها “وجود” وليست “حضوراً”.

 

لربما كانوا غافلين عن حقيقة هذه الكلمة، ومتغافلين عن دلالاتها الخطيرة، ولربما لم يكونوا يدركون المعاني القاتلة التي تنطوي عليها. فهم يستخدمونها في اعتبارها حلاً وسطاً يرتضيه الأطراف اللبنانيون جميعهم، الذين منهم يؤيدون بقاء القوات السورية في لبنان، وأولئك الذين يعتبرون دخولها الأراضي اللبنانية واستمرار انتشارها فعلَين قسريين، اغتصابيين، انتهاكيين، لادستوريين، ولاشرعيين، وقد تحققا في لحظة تاريخية كان من غير الممكن تفادي وقائعها ومعطياتها الموضوعية، وقد جرى ذلك في غفلة عن “وجود” “الشرعية” اللبنانية وفي لحظة انشغال اللبنانيين بتدمير “وجودهم” كياناً ودولة وبلداً وشعباً وأرضاً.

 

بين الإمعان في تدمير “الوجود” اللبناني، والاستمرار في محض الشرعية لـ“الوجود” السوري سينتهي لبنان من “الوجود” الفيزيكي والميتافيزيكي.

 

لكن، إذا كان هذا “الحضور” الأمني والعسكري والمخابراتي والسياسي السوري في لبنان محض حضور فحسب وليس “وجوداً” كيانياً لصيقاً بوجود الكيان اللبناني، في اعتباره “وجوداً موقتاً”، ألم يحن الأوان يا ترى بعد كل هذا العمر المسروق من حياة بلدنا وشعبنا في لبنان (ومن حياة سوريا وشعبها أولاً ومعاً وفي الأساس) كي ينتهي هذا الحضور؟ ألم تأت الساعة التي نرى فيها آخر فلول هذا الحضور وهي تقفل عائدة الى حيث يجب أن تكون “موجودة” الوجود كله، تحت ظلال الديموقراطية السورية لا تحت ظلال حكم الطوارىء “الحاضر” و”الموجود” بل “الراسخ الوجود” منذ عقود سوداء متواصلة؟

 

ألم يحن التاريخ الذي يصير فيه “الوجود” الأمني والعسكري والمخابراتي السوري، في لبنان وفي سوريا، وجوداً فيزيكياً بحتاً تابعاً لـ“الوجود” السيادي والديموقراطي والاستقلالي “الميتافيزيكي” أو “شبه الميتافيزيكي”، لا واضعاً يده الثقيلة عليه، فيرتاح البلدان والشعبان من شرّ الوجودات والموجودات الجائرة التي لم تترك روحاً إلاّ صادرتها لأجل المحافظة على “وجودها” الشخصاني والعسكريتاري والحزبي والايديولوجي والديكتاتوري؟

 

ألم تدق، بعد، أجراس “الوجود” الوحيد للحرية والديموقراطية والاستقلال في كلا البلدين ولدى كلا الشعبين؟ ام أن “الانتحار الوجودي” للحكم الجائر لا يسمح بـ”وجود” أي “وجود” آخر، وإن يكن الثمن المتوقع الذي سيدفعه – عاجلاً أم آجلاً - هو الانتحار بالذات؟

 

ليس الشعب اللبناني - ولا دولة لبنان - هما العدم وهما الفقدان وهما انعدام الوجود، وليس الحكم في لبنان هو الوجود الواجب الوجود.

 

وليس الشعب السوري – ولا دولة سوريا - هما العدم وهما الفقدان وهما انعدام الوجود، وليس الحكم في سوريا هو الوجود الواجب الوجود.

 

ثمة “وجود” واحد ينبغي له أن يكون “موجوداً”: هو “الوجود” الذي لا يقتل “وجود” الآخر ويمحوه ويلغيه ويصادره وينتزع عصب حياته ومعناه وقدرته على البقاء،... مثلما يفعل هذا “الوجود” السوري في “وجود” لبنان.

 

... ومثلما يفعل بالقوة الجائرة نفسها في “وجود” سوريا بالذات. وفي وجود شعبها الشقيق أيضاً.

نقلاً عن "ملحق النهار"

 

للتعليق على هذا الموضوع