19 فبراير 2005

 

 

عقلانية طه حسين ومواقف اليمين واليسار

نقولا الزهر

 

ربما كان طه حسين من أكثر رجالات فكر النهضة العربية إثارةً للاهتمام.وتنبع أهميته من نهجه الفكري الذي راح يتصدى به لتغيير المجتمع العربي التقليدي، المكبل منذ قرون باستبداد الحكام، ودوغمائية الفقه والقياس على الماضي .

وربما أكثر من أنصَفَ طه حسين المؤرخ (ألبرت حوراني)، في كتابه (تاريخ الشعوب العربية) وذلك في معرض كلامه على القطيعة مع الماضي التي راحت تتممظهر بها الثقافة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فقال:"والكاتب الذي عبّر عن آمالِ جيله ومشاكلِهم بأفضل طريقة كان المصري طه حسين(1889-1973). ولم يكن النموذج فحسب، بل ربما الأكثر ابتكاراً بينهم".

ما عُرَفَ عن طه حسين في الفضاء الثقافي العربي العام هو الأديب، كاتب المقالة والسيرة ومؤلف الرواية، وصاحب "الأيام" و"دعاء الكروان"و"الوعد الحق"....، لكن فيما يتعلق بمنهجه الفكري وموقفه الاجتماعي ورؤيته حول السياسة والدولة والدين والعلم، لم تٌعْطَ كل هذه الأمور ما تستحق في عالمنا العربي ولم ترَكَّزْ عليها الأضواء، لا من وزارات التربية والتعليم ومناهجها ومدارسها وجامعاتها، ولا من المؤسسات الثقافية الأخرى، ولا حتى من الحركات والأحزاب السياسية على مختلف اتجاهاتها الموالية والمعارضة؛ بل بقيت ضمن الأطر النخبوية وكتب التاريخ، في الوقت الذي لم يكن يأخذ عميد الأدب العربي بمفهوم النخبة المثقفة والعارفة بل كان خصماً عنيداً لهذا المفهوم؛ وهو الذي كان يدعو لديموقراطية التعليم ومجانيته ويبرز دوره الاجتماعي؛ ويؤمن بدور اجتماعي للمثقف بشكل عام ويحمِّله مسؤولية أخلاقية ومعنوية في شروط يسودها القهر والتجهيل.

ولا بد هنا أن نشير إلى مضمون مفهوم "الأدب"لدى طه حسين، إذ كان يعطيه معنىً عاماً وموسعًا، وهذا ما يبدو في سياق كتاباته، فهو لم يكن يعني بالأدب فقط الشعر والنثر والقصة والمقالة والرواية، إنما كان يعني به مضامين متعددة وهو بالتالي يشمل الثقافة بشكل عام والعلم والفكر. ولقد كانت كتاباته المختلفة تنضح بالمواقف المنهجية والفكرية والاجتماعية والسياسية.

 

-1 مفاهيم التنوع والتعدد والفصل لدى طه حسين

من أهم ما يميز طه حسين بين أقرانه من رواد النهضة في مصر، وعيه الكبير لموضوعية وتاريخية مفهوم التنوع والتعدد في المجتمعات. وهذا شديد الوضوح في رؤيته لمستقبل الثقافة المصرية، فهو يعتبرها أنها يجب أن تتكون دائماً من ثلاثة وجوه ثقافية متمازجة ومتناسجة فيما بينها وهذا ما نراه في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" حينما يقول: عناصر ثلاثة تَكَوَّن منها الروح الأدبي المصري منذ استعربت مصر: أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم، والذي نستمده دائماً من أرض مصر وسمائها ونيل مصر وصحرائها.. والعنصر الثاني هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نخلص منه، ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجاً مكوناً لها مقوماً لشخصيتها.. ولا تقلْ أنه عنصر أجنبي فليس أجنبياً هذا العنصر الذي تَمَصَّرَ منذ قرون وقرون... فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، وإنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرة ومرة من لغة المصريين القدماء.. أما العنصر الثالث فهو هذا العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائماً.. وهو هذا الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب. جاءها من اليونان والرومان واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها من أوربا وأميركا في العصر الحديث...فإني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين العناصر الثلاث ".

في نصه هذا لا يمكن أن نتصوره قومياً فرعونياً متعصباً، ولا قومياً عربياً متزمتاً، ولا إسلامياً سلفياً متقوقعاً، ولا نشم منه أي رائحة للعدمية القومية أو الدينية، بل نراه ينتمي لمصر وللعروبة وللثقافة العربية الإسلامية وللحضارة العالمية معاً.

ونلمح في هذا النص أسساً وأركاناً عقلانية هامة جداً تميز منهجه، فنصه ينضح بموضوعية وتاريخية ومشروعية التعددية الثقافية والحضارية كمفهوم، ويبدو أنه واعٍ تماماً منذ ذلك الوقت لموضوعية التمايز بين الشعوب ضمن الدائرة الواحدة والأمة الواحدة، وهو يميز مفهوم الفصل عن مفهوم القطع والقطيعة ويميز مفهوم العلاقة بين الأشياء عن مفهوم الدمج بينها. فنراه يؤمن بموضوعية وتاريخية التثاقف العالمي، ويبدو أنه لا يتصور مصر على الإطلاق أنها خلية كونية سميكة الجدران معزولة عن الجوار وعن التنوع الإقليمي والتنوع العالمي. بل يؤكد بكل تواضع إنساني أنها نهلت وغرفت من كل الأمم، على عكس ما يصورها المتفرعنون من المصريين بتعالٍ ونرجسية قومية على أنها تعطي ولا تأخذ. وبالإضافة إلى ذلك لا يظهر في نص طه حسين أي ميل لتقديس المفاهيم فهو لا يتكلم على أمةٍ خالدة لا تموت، ولا على لغة مقدسة لا تندثر، ولا على مجتمع متقوقع، عصيٍ على التثاقف مع الغير وعلى إقامة العلاقات مع الجوار والأقاليم والعالم.

ويرقى مفهوم التعددية لدى طه حسين إلى مستوى عالٍ من العقلانية، حينما يتكلم على العلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر فيقول: "يجب أن لا يقوم خلاف بين المسلمين والأقباط، فالاختلاف بينهما أشبه بالاختلاف بين النغمات الموسيقية، فهو اختلاف لا يفسد وحدة اللحن وإنما يقويها ويزكّيها ويمنحها بهجة وجمالاً" ثم يواصل كلامه ليقول: "والكنيسة القبطية مجْدٌ مصري قديم ومقوِّم من مقومات الوطن المصري، فلا بد أن يكون مجدُها الحديث مثل مجدِها القديم".

فطه حسين هنا هو أبعد ما يكون عن أي تزمت أو تعصب ديني، وفي كلامه على "وحدة اللحن" يؤكد على أن وحدة الأشياء تكمن في تنوعها وتمايزها وليس في تماثلها؛ فعند تماثل الأشياء لا يوجد مبرر للكلام عن وحدتها، وهو يقرر هنا بكل صدق وموضوعية وحس تاريخي أن الأقباط في مصر قدماء وليس كما يصور المسيحيين الشرقيين، البعض من رجال الدين المسلمين والسياسيين المعاصرين في العالم العربي، على أنهم جاليات طارئة تاريخياً على المنطقة وليس من سكانها الأصليين القدماء.

في الواقع، ما قاله طه حسين على مصر ينطبق على كل دول وأقاليم العالم العربي، ينطبق على لبنان وعلى سوريا وعلى العراق والجزيرة العربية والسودان والجزائر وتونس والمغرب، ففي كل بلد من هذه البلدان العربية هنالك تنوعات قومية ودينية وثقافية، وهو كأنه يقول: أي فضاء أو أي عالم(وطن، دولة، أمة، قطر، إقليم، مدينة...) لا تقوم وحدته على الدمج والقسر التعسفي، إنما عن طريق نسج العلاقات و احترام موضوعية الفصول والمفاصل بين مكونات هذه الوحدة.

 

-2 التاريخانية في نصوص طه حسين

كان للعامل التاريخي واختلاف الزمان والمكان دور مركزي في منهج طه حسين الفكري، فهو لم يكن يقيم قطيعةً بين الإنسان والتاريخ، وكان يرى في كليهما حالةً من النقص الدائم والمستمر، وهو لا يتصور نهاية للتاريخ قبل أن يولد "فوكوياما". وهو يعتقد بنسبية المفهوم، ويرفض فكرة المكتمل والتام "الراقد في الماضي"، وهذه الأمور هي من أهم أسس النفي والجدل. فعقيدة التمام والكمال في العلم والمعرفة(Integrism) تكَوِّن من وجهة نظره حاجزاً بين الإنسان ومستقبله، وتمنعه من إمكانية الحلم والبحث والمغامرة والاكتشاف. وقد دافع طول حياته عن مستقبل أفضل وعن إنسانٍ حرٍ يستطيع الانتقال من واقعٍ يعيش فيه مغترباً ومقيداً إلى واقع أكثر عقلانية. ويشكل المستقبل بالنسبة إليه "حاضناً للعقل" و"موقعاً للرغبة" وفضاءً لإعادة التشكيل والبناء والتحسين والتقدم.

ونرى تاريخية وراهنية وحداثة فكره بشكل صريح وجليٍّ في نقده لأسلوب مصطفى صادق الرافعي في الأدب حينما يقول: "إن هذا الأسلوب الذي ربما راق أهلَ القرن الخامس والسادس للهجرة، لا يستطيع أن يروقَنا في هذا العصر الحديث الذي تغَيَّر فيه الذوق الأدبي، لاسيما في مصر، تغيراً شديداً". هنا يبدو وعيه بوحدة الزمان والمكان حاسماً، حينما يقول "لا سيما في مصر"؛ لأن مصر كانت متطورة نسبياً بحكم انفكاكها عن السلطنة العثمانية مبكراً.

لذلك ليس صدفة أن يكون فكره محطََ الاتهامِ والهجوم من كل الذين كانوا يصرون على تأبيد الماضي من حكامٍ وفقهاءَ وأدباء وشعراء وسلفيين من مختلف الأشكال، من اليمين ومن اليسار. فحداثة فكره وعقلانيته راحت تشكل خطراً على دوغمائيتهم وقدسية محمولهم الفكري الماضوي.

فمنهجه هذا أوقعه بين ناري جهتين مختلفتين في الظاهر والصورة، متماثلتين في الشكل والمضمون والممارسة، بين نار التقليديين والسلفيين المتزمتين ومن ثم نار(الانقلابيين والثوريين) من القوميين والماركسيين الدوغمائيين. فلم يحز فكره على الرضى لا من التيار السياسي القديم التقليدي(الرجعي) ولا من التيار السياسي الثوري(التقدمي) القومي واليساري الطبقوي. فالأول رماه بالغربنة والحيْدةِ عن الأصول والتشكيك بالنصوص والخروج عن الملة والدين وخدمة الأجنبي، والثاني رماه بالبرجوازيةً والليبرالية والنخبوية والارتباط بالغرب الرأسمالي. فكلا الطرفين ألقوا بحَبِّهم في نفس الطاحون!!!

ويجب الاعتراف بأن حركــة التحــرر العــربي، بأنظمتها وأحزابها، ومنظريها ومثقفيها، بدلاً من أن تشكل عتلة سياسية لفكر طه حسين التقدمي التحديثي، قد لعبت بكامل طيفها دوراً مركزياً في تغييبه وإغراقه وقمعه ووضع كل العراقيل في طريقه. وسلوكها هذا وضعها بشكل غير مباشر في موقع الحليف العضوي للتيار النكوصي الرجعي.

فيا ترى الآن، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على هذا التحالف العميق بين الاتجاهين، وبعد الفشل الذريع لحركة التحرر العربي في إنجاز أي مشروع من مشاريعها، على مستوى التنمية الاجتماعية وعلى مستوى الوحدة العربية وعلى مستوى القضية الفلسطينية والتحرر القومي، أليس من الضرورة إعادة الاعتبار للنهضويين العرب وفكرهم، الذي في اعتقادي، لا يزال يشكل إلى يومنا هذا الجسر الأساس للانطلاق إلى مواجهة أزمة الركود والتخلف والاضمحلال العربي؟؟

لقد بادر المرحوم (سعد الله ونوس) وآخرون إلى ذلك في أوائل التسعينات من القرن الماضي، لكن المحاولة بقيت موسمية ولم تندفع إليها الأحزاب السياسية. ولكن يبدو أن المسألة عادت لتطفو على السطح، وقد بادر إلى المحاولة الجديدة مشكوراً (الدكتور حبيب حداد) بمقالة قيمة على صفحات "الرأي". وفي الواقع يمكن اعتبارها إسهاماً في نقد الفكر القومي من رمز ينتمي إلى هذا الفكر وممارسة في النقد الذاتي باتت مطلوبة من الجميع.

 

-3 فصل الدين عن الدولة والسياسة والعلم

وإذا كانت أهمية علي عبـد الرازق، تأتي من محاولته الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، وتفكيك التحالف السلطوي الفقهي التاريخي، فإن أهمية طه حسين تأتي من تصديه لقضية لا تقل أهمية هي الفصـل بين العلـم والديـن.

يقول علي عبد الرازق في كتابه(الإسلام وأصول الحكم): "لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعدَ ملكهم ونظامَ حكوماتهم على أحدث ما أنتجته العقول البشرية وأمتن ما دلَّت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم". فهذا الشيخ الأزهري ينسف منذ أكثر من سبعة عقود مقولة (الخصوصية) التي تتذرع بها الأنظمة العربية الحالية للتهرب من الاستحقاق الديموقراطي الذي راح يطفو على السطح بقوة.

أما فيما يتعلق بمسألة الفصل بين العلم والدين يقول طه حسين: "إن العقل الماضي (المندفع) في طريقه إلى البحث والدرس والاستقصاء والابتكار، يكون في رأي المنهج الأيماني عقلاً زنديقاً لأن هذا العقل لا يبدأ بالجاهز الثابت والمستقر، بل بشيء لم يتم التعرف عليه بعد، إن إطلاق صفة الزندقة على الفكر الباحث عن شيء لم يتم التعرف عليه بعد، هو الذي يجعل البعض يرمي بصفة الكفر على الرواية والمسرحية والشعر الحديث وعلى كل شكل من الكتابة لم يعرفه الزمن القديم".

وتبرز قضية الفصل بين العلم والدين في موقفه المتقدم والمتفرِّد بين أقرانه من التقديس السائد للّغة حين يقول: "قد يكون من الغريب أن تكون اللغة مقدسة ومبتذلة في نفس الوقت؛ لكنها في حقيقة الأمر مقدسة ومبتذلة في آن واحد: مقدسة لأنها لغة القرآن والدين، وهي تدرس في رأي أصحاب الأدب القديم من حيث هي وسيلة إلى فهم القرآن والدين، ومبتذلة لأنها لا تُدْرَس لنفسها، ولأنها درس إضافي(غير أساسي)، ولأن الاستغناء عنها قد يكون ميسوراً لو أمكن فهم القرآن والدين بدونها". كان يرى أي ضرب من القداسة على اللغة يجعلها في حالة اغتراب عن ذاتها، وبالتالي لا تعود مادة يمكن للبحث العلمي الحر والنزيه مقاربتها.

والموضوع (أو المفهوم)، في نظر طه حسين، يجب أن يكون إنسانياً وبعيداً كل البعد عن التقديس؛ إذ كان يرى في القداسة، أنها تقرب البحث من "الجبرية" وتبعده عن الدرس العملي. فهو ينظر إلى العلم هنا كوحدة مستقلة متحررة من سلطة العوامل الدينية والسياسية. أي أن العلم موجود من أجل ذاته وليس مجرد وسيلة إلى غيره. فاللغة مستقلة بذاتها وكذلك الأدب في نظره موضوع مستقل. لذلك نراه يقول: "أريد أن أدرسَ تاريخ الآداب في حرية وشرف، كما يدرس صاحب العلم التطبيقي علم الحيوان والنبات، لا أخشى في هذا الدرس أي سلطان". فالأدب كان بالنسبة إليه كغيره من العلوم لا بد أن يخضع للبحث والنقد والتحليل والشك والرفض وحتى الإنكار.

 

فمفهوم الفصل وإقامة الفصول والمفاصل بين الأشياء كان واضحاً وحاسماً لديه تماماً ولا يساوم عليه في منهجه أبداً.

وهو يقترح حلاً لمسألة الفصل بين العلم والدين فيقول: " الخصومة إذن بين العلم والدين أساسية جوهرية لأن الدين يرى لنفسه الثبات والاستقرار، ولأن العلم يرى لنفسه التغير والتجدد، فلا يمكن أن يتفقا إلا أن ينزل أحدهما عن شخصيته". فنرى طه حسين هنا يدخل الخصومة في المجال السياسي ويشرط حلها "بقيام نظام سياسي مدني ديموقراطي يتخذ الحيدة التامة بين رجال العلم ورجال الدين، وأن السياسة يجب "أن تستقل وتمشي على قدميها دون أن تعتمد على عصاً دينية أو علمية". فهو يدعو إلى التعايش بين العلم والدين عبر الحوار والسجال وعبر المراهنة على الزمن والتطور وليس من خلال النفي والاستئصال المتبادلين.

والإشكالية في رأيه لا تتحدد في إيجاد حل توفيقي للتناقض بينهما، إذ لا يمكن ذلك معرفياً، بل تتحدد في إيجاد حلٍ توازني يكفل مساهمتهما معاً في الخير العام. وهو يعتقد أن "الإنسانية يمكن أن تسعد بالعلم والدين معاً... وأنها ملزمة إذا لم تستطع أن تسعد بهما أن تجتهد في ألا تشقى بهما".

 

-4 الشك حجر الزاوية في منهج طه حسين

فيقول في هذا المجال: "أريد ألا نقبل شيئاً مما قاله القدماء في الأدب وتاريخه إلا بعد بحثٍ وتثبتٍ، إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرجحان". هذه القاعدة تضمن للباحث حريةً عقليةً وتحرراً منهجياً كافيين لاستبعاد ما لا يستند إلى العقل والبرهان". وهنا تكمن تقدمية طه حسين في لجوئه إلى أدوات الحاضر المعرفية لتفسير الماضي، بدلا من استخدام (القياس الفقهي) لتفسير الحاضر على الماضي. فيقول في هذا المجال: "هم لم يغيروا في الأدب شيئاً، وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئاً، وقد اخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء، وأغلقوا على أنفسهم باب الاجتهاد، كما أغلقه الفقهاء في الفقه والمتكلمون في الكلام؛ إن حجر الزاوية في منهج أنصار الجديد في دراسة الأدب وتاريخه؛ فهو الشك بكل تأكيد وأهم ما يميز طريقة تفكيرهم". ثم يتابع في السياق ذاته: "إنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان....... وقد خلق الله لهم عقولاً تجد في الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا". هذه المنهجية هي التي قادته إلى كتابه في الشعر الجاهلي. ثم يذهب أكثر وأعمق في هذا المجال فيقول: " يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح، ذلك إنا إذا لم ننسَ قوميتنا وديننا وما يتصل بهما سنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف، وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين".

 

-5 علاقة الفكر والأدب بالسلطة والسياسة

أما عن علاقة الأدب بالسياسة والسلطة (المقصود هنا بالأدب الفكر والفلسفة والثقافة)، يقول طه حسين: "هناك إذن ثورتان، أولاهما ثورة العقل التي يصدرها الأدب/الفكر، والثانية ثورة السياسة التي تعتمد على القوة فتغير نظاماً وتقيم مكانه نظاماً آخر. وفي رأيه: "هناك أدبان/فكران، أدب يسبق الثورة ويدفع إليها، وأدب يأتي بعد الثورة فيصورها أولاً ويصور آثارها في حياة الناس.. أما أن يحاول الأدب مجاراة الثورة السياسية، فهو في هذا الحال أدب ضعيف فاتر، لأن الأحداث المادية أقوى منه وأظهر أثراً". مأثرة طه حسين هنا تتجلى في أنه يدعو أيضاً إلى الفصل(لا القطع) بين الفكر والسياسة عموماً وبين الفكر والسلطة خصوصاً. وبين السطور هنا نرى تلك الوظيفة العضوية والموضوعية المناطة بالأدب والفكر؛ أي وظيفته النقدية الاجتماعية، وعند افتقاده لهذه الوظيفة التي هي سمة أصيلة من سماته يصبح لاأدباً "ضعيفاً وفاتراً". يكافح طه حسين هنا كي لا يتحول الفكر إلى عباءةٍ إيديولوجية سلطوية.

وحول تواطؤ السلطة السياسية ورجال الدين، يرى طه حسين أن هذه السلطة منذ أواخر القرن الخامس قبل الميلاد أي منذ محنة سقراط، قد تواطأت مع الدين ضد العلم والفكر والفلسفة، وأن اليونان القديمة على كل ما أنجزته للفكر الإنساني، لم تستطع في أوج ديموقراطيتها أن تقيم علاقة سوية بين الدولة والدين، وكانت فلسفة سقراط عندهم آثمة مرتين لأنها تناقش النظام السياسي ولأنها تناقش الدين. وطبعاً هذا معروف في تاريخ السلطات السياسية فقد تواطأت سلطات الأمبراطورية الرومانية مع الفريسيين ضد السيد المسيح (بيلاطس البنطي) وتواطأت فيما بعد مع المسيحية حينما أصبحت ديناً رسمياً لها ضد (الهراطقة)، ومن ثم تواطأت السلطة الأموية مع الجبرية الدينية ضد (المتكلمين والقدريين والجهميين)، وقد ساهم في ملاحقة هؤلاء إلى جانب الأمويين أفراد المؤسسة الدينية الذين أفتوا بقتلهم أو باركوه بعد حصوله؛ واستمر هذا التواطؤ في الدولة العربية الإسلامية حتى انهيار الدولة العثمانية، ولكنه لم ينحسر نهائياً فهو لا يزال قائماً يضعف أحياناً ويشتد أحيانا أخرى وهو دائما يضطرد مع سوية الاستبداد والقمع.

وحول شكل نظام الحكم الذي يرتئيه طه حسين لمصر وحول الدولة والوطن يقول: "نريد الحرية الداخلية وقوامها النظام الديموقراطي، ونريد الحرية الخارجية وقوامها الاستقلال الصحيح والقوة التي تحوط هذا الاستقلال". فهو في نصه هذا يركزعلى تلازم الوطني والديموقراطي وعلى عدم القطع بينهما. فهو يربط بين الاستقلال والقدرة على حماية الوطن (الحرية الخارجية) وسوية الديموقراطية وحرية الأفراد (الحرية الداخلية).

ثم يستمر طه حسين في السياق ذاته، فيربط بين التخلف والجهل والاستبداد والهزيمة من جهة، والتقدم وتطور العلوم والحرية والديموقراطية والقدرة على التحرر من جهة ثانية فيقول: "لقد استطاعت هذه الحضارة الوليدة بابتكاراتها تلك(أي اليونان) أن تهزم الحضارات الراسخة التي لم تعرف من نظم الحكم غير الاستبداد والطغيان. ألم تدمر تلك المدن الصغيرة جحافل دولة فارس العظيمة في موقعة سلاميس؟ أو لم يتباه شعراؤها وخطباؤها بعد ذاك بأنهم قد حققوا هذا النصر وهم فئة قليلة لأنهم أحرار، ولأن أعداءهم على كثرتهم عدداً وعدة ليس سوى عبيداً لكسرى؟" فيرى الكاتب أن عند صخور سلاميس: "انتصرت قوة العقل على قوة الملك وسعة السلطان".

في اعتقادنا أن هذه النصوص زاخرة بالنقد المباشر والصريح للأنظمة العربية التي تؤجل الديموقراطية والحريات إلى ما بعد التحرير!!!!!!!!!!!!!

***********

 

وفي النهاية لم أر أن طه حسين في نصوصه كان متنكراً للدين وخارجاً عن الملة ولا متنكراً للعروبة ولا داعيةً للغرب ولا نخبوياً متعالياً على (الرعاع) ولا ارستقراطياً لا يتحسس آلام(القهر والفقر والجهل). وفي اعتقادي أنه يمثل الحرية والديموقراطية والوطنية والاستقلالية. وبالنسبة إلى علاقته بالغرب فالفرق بينه وبين البعض هو أنه كان يميز بذهنه التعددي بين غربٍ وغرب وبين شرقٍ وشرق وبين أميركا وأميركا وبين أوربا وأوربا........

أرى أن الشأن الفكري في العالم العربي يحتاج إلى عودة؛ عودة إلى فكر النهضة والتنقيب فيه، ليس لأخذه كما هو تماماً وإنما لمحاولة نقده وإغنائه وجره إلى متطلبات المرحلة الراهنة المختلفة من حيث شروطها التاريخية؛ ربما هذه الخطوة تشكل الجسر من أجل إعادة تأسيس الذهنية العربية والفكر العربي. وهذه العودة تقع على عاتق كل فصائل حركة التحرر العربي من ماركسيين وقوميين وإسلاميين وليبراليين. وليس عيباً أن تبدأ هذه الفصائل من الصفحة البيضاء كما يقول ديكارت. وليس عيباً أن تتنازل عن المتكلس من نصوصها وتحذف منها وتضيف إليها. هذه سنة الحياة فبعض المفاهيم تعيش طويلاً وبعضها يتكلس ويموت. فقد آن الأوان لأن تقلع فصائل حركة التحرر العربي عن لغتها الخشبية.

دمشق في 30/1/2005

 

مواضيع ذات صلة:

مقدمة كتاب "في الشعر الجاهلي" طه حسين

 

للتعليق على هذا الموضوع