25 أغسطس 2005

 

الانسحاب من غزة بين الامتحان الفلسطيني والتجربة الإسرائيلية

نقولا الزهر*

 

لا يوجد أدنى شك، بأن انسحاب الإسرائيليين والمستوطنين من قطاع غزة بعد ثمانية وثلاثين عاماً من الاحتلال، ما كان ليجري لولا صمود الفلسطينيين ومقاومتهم الطويلة الأمد وتضحياتهم وعطاءاتهم الهائلة واستعدادهم للمزيد؛ وحتى في قولنا أن شارون أراد بخطته التخفف من عبء غزة المتعِبة يحيل إلى اعتبار المقاومة سبباً رئيساً من الأسباب التي دفعت شارون إلى اعتماد خطته. ولكننا نخطئ تماماً إذا اعتبرنا انسحاب الجيش الإسرائيلي هي خطوة أولى على طريق الهزيمة الماحقة لإسرائيل ووجودها، كما تسوق بعض الأوساط القومية والإسلامية في خطابها السياسي. صحيح أن الانسحاب من غزة يحمل في عمقه تراجعاً استراتيجياً إسرائيلياً  عن الحلم ب" إسرائيل الكبرى" ولكن في الوقت ذاته يتضمن " تكتيك التنازل عن بعض الأوراق" مقابل خدمة وتقوية أوراق أخرى باليد.

 

حتى هذه اللحظة ما زالت خطة شارون يمكن أن تنفتح على خسائر فلسطينية، قد تكون كبيرة واستراتيجية، إذا لم تتمكن القيادات السياسية الفلسطينية في السلطة والمعارضة من تفويت الفرصة على إسرائيل في جني الكثير من المكاسب بعد انسحابها من قطاع غزة. وفي المقابل يعمل شارون كل ما بوسعه لاستثمار خطته سياسياً واقتصادياً، وعلى المستوى الاستراتيجي دولياً وإقليمياً.

 

يريد شارون بإصراره على خطة الانسحاب، التأكيد على تعزيز علاقاته التنسيقية مع الولايات المتحدة، وأنه يمشي على خطى الولايات المتحدة في تشجيع المبادرات السلمية وإعادة بعض الحقوق، ولو أنه اضطر أن يلجأ إلى بعض الخطوات الصارمة في الداخل الإسرائيلي وفي أوساط المستوطنين والمتطرفين. ويذهب استثمار شارون إلى مدى أبعد، حينما يحاول الاستفادة من خطته في إعادة الروح لبعض العلاقات الإسرائيلية العربية، وفي هذا الإطار لجأ إلى التنسيق مع مصر حول الانسحاب أكثر من التنسيق مع السلطة الفلسطينية. ومن الملاحظ أن خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة أعاد بعض الحرارة لمعاهدة كامب دافيد المصرية الإسرائيلية، وربما سيؤدي تطبيقها إلى تطورات معينة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية(جهد دولي مكثف لنشر الجيش اللبناني على الجنوب وتقليص نفوذ حزب الله).

 

والمسألة الأهم التي طفت على السطح عشية تطبيق خطة شارون بالانسحاب من قطاع غزة، هي تلك التناقضات التي راحت تتفاقم على الساحة السياسية الفلسطينية. فهنالك التناقضات القديمة الجديدة بين الفصائل المعارضة ومنظمة فتح التي تسيطر تقريباً على السلطة الفلسطينية، وهناك التناقضات ضمن حركة فتح؛ منها التي بدأت تستفحل منذ فترة بين الكوادر الأكثر شباباً  والحرس القديم، وبين الحركة وجناحيها المسلحين كتائب "المسجد الأقصى" و"المقاومة الشعبية"  . وفي الآونة الأخيرة راح يبرز تدهور خطير على العلاقة بين فاروق القدومي رئيس حركة فتح ورئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير ومحمود عباس (أبو مازن) رئيس السلطة الفلسطينية. وتلبدت الأجواء بينهما ووصلت إلى حد الاعتداء على مكتب القدومي في خان يونس الذي أعقبه تشكيل الجيش الشعبي برئاسة سامي الفرَّا، وهذا ما أثار السلطة الفلسطينية ودعاها لأن تصدر بياناً عاصفاً تطلب فيه "عدم قيام أية تشكيلات عسكرية خارج الأجهزة الرسمية". واشتدت حرب البيانات بين الطرفين فأصدر القدومي بياناً جديداً يستبدل الجيش الشعبي بحرس أمانة اللجنة المركزية وينتهي الأمر بان تزج السلطة بسامي الفرا  ممثل القدومي في السجن. والأخطر من ذلك أن هذه التناقضات على الساحة الفلسطينية لم تبق في حدود إصدار البيانات والمواقف السياسية بل تطورت إلى حدود الاشتباكات والفلتان الأمني والفوضى.

 

ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن خطة شارون المأخوذة من طرف واحد ودون تنسيق واضح مع السلطة الفلسطينية، تبدو وكأنها مليئة بالألغام.

 

ففي الوقت الذي تتوقع الرباعية الدولية(أميركا وأوربا وروسيا والأمم المتحدة) عودة المسار التفاوضي بين الطرفين والاستمرار في خارطة الطريق، وتتحدث السلطة الفلسطينية يومياً عن ذلك وكذلك الدول العربية؛ وبالرغم من رفض اللجنة المركزية لحركة فتح،  في اجتماعات عمان في    الثالث من أيار الماضي، فكرة الدولة بحدود مؤقتة  في قطاع غزة وإصرارها على دولة مستقلة على كامل الأراضي المحتلة منذ 1967 وعاصمتها القدس الشرقية؛ نرى في المقابل في تصريحات الإسرائيليين وحتى الأميركيين عدم الوضوح والتسويف والمماطلة. وهذا نراه في تصريح لشارون يقول فيه: واضح للجميع أن قطاع غزة لن يكون جزءاً من دولة إسرائيل في أي اتفاقية للتسوية؛ ثم يضيف في موازاة هذا الانسحاب: "سنوجه طاقاتنا إلى المناطق الأكثر أهمية وهي الجليل والنقب ومنطقة القدس الكبرى والكتل الاستيطانية في يهودا والسامرة(الضفة الغربية) والمناطق الأمنية في غور الأردن". وتقول أيضاً رايس بهذا الصدد: " إننا لا نتوقع أن نرى أي نشاط من جانب الإسرائيليين يحكم بشكل مسبق على اتفاق الوضع النهائي". وهذا يعني أن أحادية الانسحاب لم تربط أساساً بأي بحث في انسحاب آخر،وإنما بالتخلص من عبء غزة والتفرغ لإكمال جدار الفصل في الضفة الغربية  وحماية المستوطنات هناك وتوسيعها.

 

لذلك يرى بعضهم في الانسحاب من غزة استقالة إسرائيلية من تلك المنطقة الفلسطينية المكتظة بالمخيمات والأزقة والفقراء ومفرخة للانتحاريين؛ ومنهم يرى أنها تعزز إمكانيات إسرائيل لقضم جزء جديد من الضفة الغربية وتخفف من مخاوفها من القنبلة الديموغرافية، وتخفف أيضا من الضغط الدولي عليها، وتظهرها بمظهر الدولة التي تنزع إلى السلام. ويبدو مارتن اندايك السفير الأميركي السابق في إسرائيل أكثر تفاؤلاً حين يرى أن الانسحاب من غزة ليس بعملية سلام ولكنه يضع حجر الأساس لإنهاء الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين والأمن للإسرائيليين والحرية للفلسطينيين.

 

وتبقى مشكلة حركة حماس محطاً للنقاش والجدل على الساحة السياسية الفلسطينية، ومما لاشك فيه أنها تشكل نفوذا لا يستهان به على هذه الساحة وخاصة في قطاع غزة. ودون أدنى شك تشكل منافساً رئيساً لحركة فتح في لعبة السلطة، وهنالك خوف في الانتخابات القادمة من أن تحرز رقماً متقدماً بعدد المقاعد. ويحذر مارتن إندايك من إمكانية سقوط قطاع غزة بيدها بعد الانسحاب الإسرائيلي. ومن طرف آخر تنتقد صحيفة (هآرتس) في افتتاحية لها رفض لإسرائيل لإمكانية انضمام حماس على السلطة الفلسطينية، وترى في هذه الحركة الإسلامية أن وضعها لا يختلف عن وضع الإخوان المسلمين في مصر وحزب الله في لبنان فهي تمثل جزءاً رئيساً من المجال السياسي الفلسطيني.

 

ومما لاشك فيه أن قرار التهدئة ووقف الأعمال العسكرية صار يلقى قبولاً واسعا وشعوراً بالراحة لدى الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وخلق انتعاشا اقتصاديا لديهما، ويقول توماس فريدمان أن هذا يوفر أساساً لإعادة بناء عملية السلام المتداعية.

 

على أية حال، فاللعبة السياسية الراهنةعلى الساحة الفلسطينية تحكمها حزمة من التناقضات والمفارقات، ففي الوقت الذي ترغب السلطة الفلسطينية في انخراط حماس ضمن العملية السياسية والمشاركة في المسؤوليات الرسمية وبالتالي في ضبطها سياسياً ودفعها للاعتدال في نشاطاتها العسكرية، ترى هذه السلطة أن اشتراك حماس يمكن أن يربكها ويقيدها ويحد من حريتها في تعاملها مع الإسرائيليين والأميركيين والأوساط الدولية والإقليمية. وكذلك الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة  التي تسوق هذه الأيام لنشر مشروعها لتكريس الحرية والديموقراطية والمشاركة السياسية لديها المخاوف من أن تحصل حماس على مركز متقدم في الانتخابات الفلسطينية القادمة. وكذلك الحال تقع إسرائيل في تناقض من هذا القبيل ففي الوقت الذي تحاول الخلاص من أثقال غزة تستمر في إصرارها على توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وهذا مما يزيد من شعبية التيارات الإسلامية وعودة العمل الاستشهادي.

 

في النهاية نرى أن الوضع الفلسطيني بعد الخروج الإسرائيلي من غزة فيه الكثير من التعقيد، وللتغلب على مصاعبه يتطلب من كل الفصائل الفلسطينية أن لا تدفع في عملية الصراع على السلطة، وفي غزة خاصة، إلى مستوى الاقتتال والحرب الأهلية، وفي هذا المجال على السلطة الفلسطينية أن تتخلى تماماً عن فكرة الحزب الواحد السائدة في العالم العربي، وبالتالي أن تقلع عن إبقاء المفاصل الرئيسية في السلطة حكراً على حركة فتح (كحزب قائد) وحاكم وحيد، وتفسح في المجال لكل الفصائل المعارضة في قيادة المرحلة. وعلى حركة حماس أن تواصل سياسة التهدئة و" تغيير الأساليب" كما أعلنت مؤخراً، والأخذ في الاعتبار كل خيارات الشعب الفلسطيني فيما يتعلق بأساليب المقاومة، وعليها أن لا تقلل من شأن أساليب  وأشكال الكفاح الفلسطيني الأخرى.

 

إن تفويت الفرصة على أن يكون الانسحاب الصهيوني من غزة تجربةً للاقتتال والحرب والفوضى، يتطلب تشكيل قيادة وطنية موحدة تشمل كل الأراضي المحتلة لتكون مرجعية لإدارة السياسة الفلسطينية في الوقت الراهن.

 

إن تسلم الفلسطينيين للسلطة في قطاع غزة الذي سيتحرر من إسرائيل في منتصف أيلول القادم سيكون المحك والامتحان الصعب الذي يتمحور حوله النضال الفلسطيني حول الحل النهائي. وإذا لم يعرف القادة الفلسطينيون كيف يتسلمون السلطة على مساحة صغيرة من الأرض؟ فسيشكك العالم كله في إمكانية انتصار الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي قدراتهم على تشكيل الدولة الفلسطينية المستقلة.

*دمشق

 

 

للتعليق على هذا الموضوع