14 ديسمبر 2005

 

 

وقوفا عند بيتك كافكا

د.نبال خليل

 

 

اليوم عند رحيلي في أواخر أيام صيفية ما زالت في رام الله، يوم من أواخر أيام تشرين الأول، لبست في المطار معطفي الأحمر الطويل الذي يثقلني، وصلت الى براغ، والبرد بدأ في براغ متقدما فبدايات الصقيع اليوم ملتهبة.

 

رحت أمشي على طول نهر (الفلتافا) لأبحث عن أي محل يفتح في يوم سبت ويبيع على الأقل خبز، فأنا جائعة، وتعرفت عليه للمرة التاسعة و التسعين و لكن هذه المرة في براغ، هناك على بعد حديقة، على بعد عمود من حديد، يافطة حمراء مكتوب عليها باللغة التشيكية التي بعد لم أكن أعرفها، ولكني فهمت الكلمة الكبيرة الوحيدة وكأنّ في نظري مشكلة مع الأحرف الصغيرة، اسمهُ مكتوب ( كافكا )بالأحرف اللاتينية العادية، و السهم يشير هناك، و لم أعرف الى أين،فاستعصت اللغة علي، و لكن حان وقت الرجوع الى المكان الذي سأنام فيه، وداعاً أيتها اليافطة الحمراء و حتى نلتقي فيما بعد، و التقينا بالفعل فيما بعد فلقد رجعت لها بعد سنة فعرفت أنها تؤدي الى مكان اسمه مكتبة ومتحف كافكا في المدينة القديمة لبراغ.

 

في السنين الماضية تعرفت على صفحات كافكا في كتبه الصغيرة و قصاصات أوراقه الكبيرة، ولم أكن مرة لأربط بين براغ و كافكا، كانت ذاكرتي دائما تضعه في ميزان برلين وأمه اليهودية، وكأنني على حساسية من الاثنين.

 

لسوء الطالع لدي أخذت قطار الساعة الرابعة مساءا في اليوم التالي الى ( بوديبرادي)؛ القرية الجميلة الهادئة على بعد ساعة من يافطة كافكا، لابدأ معاناتي مع اللغة التشيكية الصعبة، ومع ذلك لدي حميمية ما مع تعلم هذه اللغة لأنني سأستطيع أن أقرأ (كونديرا) بها، كونديرا ذاك العملاق الذي هب على رائحة ناره بسيف يمنيّ، وعند بحثي عن كونديرا اصطدمت بكافكا، شخصين من الصعب عدم الإنزلاق على عتبتهم.

فكانت عتبة دار كافكا أو بالأحرى بيت طفولته مع أمه اليهودية جارتي في بوديبرادي؛ القرية الهادئة على بعد ساعة من اليافطة الحمراء.....

وأنا كل يوم أمر أمام البيت في الصباح لحضور دروس اللغة، وبعد الإنتهاء أجلس أمامه اذا طل خيط شمس على متر ثلج لآكل في مطعم ضاجّ بالرجال كبار السن في بنسيون الوردة البيضاء ( بيلا روجه) ، آكل مقابل شباك غرفتك يا كافكا، ولكن ما زالت برلين و اليافطة الحمراء هما اللاتي تحملاني اليك.

 

أول رحلة للكتب التشيكية ذهبت بنهم شديد الى مكتبة الأربعة طوابق في الشارع الطويل (الفاتسلافسكي) أبحث بجوع أول يوم عن خبزولكن على وجبة مع كونديرا، وبما أن الأقدار شاءت أن كل الكتب بحرف الكاف تصطف بجانب بعضها، كان ملاصقاً له كافكا بصفحة حمراء كاليافطة الحمراء ذات اليوم الأول في براغ، مكتوب على الصفحة التالية " سأطير إلى قمة الجبل ولكن لا أستطيع أن اظل هناك واقفاً و.................................."

وأصطدم أنا بصورة للبيت المقابل لمطعم بنسيون الوردة البيضاء الذي آكل فيه الجبن المقلي مع البطاطا المقلية و كل شيء هناك مقلي و أنا مقلية بدون نار على ثلجهم الحار،لأعرف أنه بيت الطفولة لكافكا فانقَلي حسرة لأنني لم أصوره في كل يوم ذهبت هناك و قد كنت قد مللت الجبن المقلي وهذا البيت و الشباك الوحيد الذي عرفته لغرفة كافكا الصغير.

 

يعبرني الخوف عند الصفحة الحمراء، فأنا دوماً كنت شيوعية الدم و اللحم و الأحمر، و الخط نفسه الأسود الذي رأيته للمرة الأولى على يافطة كافكا في براغ.

ياه،،،،،،،،

كم مرّ من الوقت وأنا في تيه معك يا كافكا ، كنت أحبك جداً قبل دروس اللغة، وكنت أودّك جداً كونديرا قبل اليوم، وكنت أحمل في طية حلمي حزن مقنع لكاتب صغير مثلك يا كافكا، وما زلت ولكن أشد بقليل، فأنا لا أحاكم الناس على تاريخهم قبلي، اوبعدي أو معي، ولكنني وددت لو سلّمتَ يوماً على صديقك ماكس، و أنا لم أتعلم الخيانه و لكن سأخونك اليوم وأسلم عليه بنفسي.....وفي الوقت نفسه أشفق عليك لأنك رحلت متألما بقلب طفولتك، مريضا،كرهتَ النساء لأجل أمك، احتقرتَ الجنس لكنك مارسته مع العاهرات وقلت هو عقاب عن لقاء اثنين معا..أين قلعتك يا كافكا، أين موتك منك الذي عوقبت فيه للقاءك مع الحياه، أين أنت وصفحتك الحمراء، وأين أنت و أنت و أنت......

 

أعتذرُ لك اليوم لأنني أحببتكَ أكثر عندما كنتُ أصغر، فاليوم أقاسمكَ الحب مع ماكس، لأنه كان واسطة خير للسلام عليك باللغة التشيكية التي لم تّكتبها يوماً، وما زلتُ أودّ كونديرا لأن اسمه هو أيضا كان لحسن القدر يبدأ بحرف الكاف، وسأعود يوماً لآكل الجبن المقلي في مطعم بنسيون الوردة البيضاء مقابل طفولتك وأرحل الى الأحمر..........

 

براغ

nibalk@yahoo.com

 

للتعليق على هذا الموضوع